ما علم النفس، وما الذي تجده في هذه الكتب؟
يسأل علم النفس عمّا يجري في داخلنا حين ندرك ونحكم، وحين نشتهي ونخاف، ثم عن أعجب ما فينا، وهو أن نفعل ما نعرف أنه يضرّنا. والكتب التي كُتبت فيه لعامة القرّاء على ثلاثة ألوان، ومن عرف لون الكتاب الذي بين يديه عرف كيف يقرؤه. فمنها كتب باحثين يجمع أحدهم فيها حصيلة عمره من التجارب، كدانيال كانمان. ومنها كتب أطباء كتبوا من عياداتهم ومن حياتهم، كآنا ليمبكي وفيكتور فرانكل. ومنها كتب كتّاب حملوا علم النفس إلى المال والعادات والعلاقات، كمورغان هاوسل وجيمس كلير وديل كارنيغي ومارك مانسون.
خريطة الكتب: أي كتاب يجيب عن أي سؤال؟
كيف نحكم، ولماذا نخطئ ونحن واثقون؟ يجيب التفكير السريع والبطيء بشخصيتين تسكنان رأساً واحداً، حدسٍ سريع لا يكفّ عن العمل، وتفكيرٍ بطيء كسول يوقّع على ما يُعرض عليه. ومن تجاربه أن قضاة ألماناً رموا نرداً مغشوشاً قبل أن يحكموا، فحكم من رأى 9 بثمانية أشهر، ومن رأى 3 بخمسة. وأقرب مدخل إليه فكرة النظامين، ومن أراد أن يمضي أبعد فله صفحة الانحيازات المعرفية.
لماذا نقول نعم بهذه السرعة؟ يذهب روبرت تشالديني في التأثير: علم نفس الإقناع إلى أن أكثر موافقاتنا يطلقها اختصار ذهني يسبق التفكير. فالهدية تُلزمنا بأن نردّها، والقطعة الأخيرة نخاف أن تفوتنا، والزحام يقنعنا، واللقب نثق به. وقد جمع هذه الاختصارات في سبعة مبادئ، ودلّ على علامة كل منها حين يُستعمل عليك. والباب إليه فكرة حين نوافق قبل أن نفكّر، وتطبيقه في مسألة كيف تعرف أنك تُدفَع إلى قول نعم قبل أن تقولها؟.
لماذا نُفرط فيما يؤذينا؟ تفتتح طبيبة الإدمان في ستانفورد كتابها أمة الدوبامين باعتراف، فقد أدمنت هي نفسها الروايات الرومانسية. ومن هناك ترسم ميزان اللذة والألم، فكل متعة يتبعها ألم أطول منها، ومع التكرار نحتاج إلى أكثر لنشعر بأقل. وطريقها إلى التوازن شهر من الانقطاع، تشرحه مسألة كيف تأخذ استراحة شهر من عادة تستهلكك؟.
ما الذي يجعل الحياة محتملة؟ يضع فرانكل في الإنسان يبحث عن المعنى حاجة الإنسان إلى المعنى فوق حاجته إلى اللذة وإلى القوة، ويرى أنه يُكتشف في ثلاثة أبواب، عمل تؤدّيه، وإنسان تحبه، وموقف كريم تقفه مما لا مفرّ منه. ومن الكتاب أيضاً طريقة النية المتناقضة في كسر دائرة القلق.
لماذا لا نعمل بما نعرفه عن المال؟ يجيب سيكولوجيا المال بأن مصيرك المالي يحسمه ما تفعله حين تخاف أو تطمع، ولا يحسمه ما تعرفه.
كيف تتكوّن العادة وتنكسر؟ يجيب العادات الذرية بأربعة قوانين، أن تجعل العادة واضحة، وجذابة، وسهلة، ومُرضية.
كيف نكسب الناس، وبماذا نقيس أنفسنا؟ يقوم كيف تكسب الأصدقاء على قاعدة واحدة، هي أن ترى الأمر من مكان الآخر. ويسأل فن اللامبالاة عن القيم التي نحكم بها على أنفسنا دون أن نختارها. والكتابان أقرب إلى الحكاية والتجربة الشخصية منهما إلى البحث، غير أن سؤاليهما يستحقان وقت القارئ.
علم النفس الشعبي والبحث: ما الذي صمد؟
مرّ علم النفس في العقد الماضي بما يُسمّى أزمة التكرار، إذ أعاد باحثون تجارب مشهورة على أعداد أكبر، فلم يظهر أثر كثير منها. وكان أشهر ضحاياها فصل التهيئة في كتاب كانمان، وهو الفصل الذي قال فيه إن "عدم التصديق ليس خياراً". ففي 2012 فشلت محاولة لتكرار تجربة الطلاب الذين مشوا أبطأ بعد أن مرّت بهم كلمات عن الشيخوخة. وفي 2017 حلّل ثلاثة باحثين الدراسات التي بُني عليها الفصل فوجدوها صغيرة ضعيفة، فاعترف كانمان بأنه وثق بها أكثر مما ينبغي. ولم يظهر (استنفاد الأنا) في تكرار شارك فيه 23 مختبراً عام 2016. على أن قلب الكتاب صمد، ففيه الارتساء والتأطير، وتجنّب الخسارة وإن اختُلف في حجمها، ومغالطة التخطيط، والارتداد إلى المتوسط.
ولم تنجُ الكتب الأخرى. فدراسة "أن تكون ناخباً" التي يستشهد بها كتاب العادات الذرية أُعيدت سنة 2016 على عيّنة أوسع فلم يظهر أثرها، ويبقى التحسّن بواحد في المئة كل يوم تشبيهاً يقرّب الفكرة ولا يقيسها. أما نسبة 15% من النجاح للمعرفة و85% لمهارة التعامل في كتاب كارنيغي، فأصلها تقرير عن تعليم المهندسين صدر عام 1918، ولم تخرج من دراسة.
وبقي بعد التجارب باب الأقوال المنسوبة إلى غير أصحابها. فالعبارة المتداولة عن الفسحة بين المثير والاستجابة ليست لفرانكل، ولم يجدها أحد في كتبه. وأقرب ما وُجد إليها مقال كتبه عالم النفس رولو ماي سنة 1963، أما العبارة نفسها فصياغة ستيفن كوفي لفكرة قرأها ولم يحتفظ بمصدرها، ثم نُسبت إلى فرانكل. وتفصيل القصة في صفحة الفسحة بين المثير والاستجابة.
وليس كل ما يأتي به البحث اللاحق هدماً؛ فقد يصحّح الكتاب، وقد يثبت حدسه. قال كانمان إن الرفاه اليومي يتوقف عن الارتفاع عند دخل أسري يقارب 75,000 دولار، ثم عاد هو نفسه فشارك عام 2023 في دراسة وجدت أن السعادة تستمر في الارتفاع مع الدخل عند أكثر الناس. وأما النية المتناقضة التي عرضها فرانكل لكسر دائرة القلق، فقد بقي منها استعمالها في الأرق عند بدء النوم، ودخلت بذلك العلاج المعرفي السلوكي للأرق جزءاً منه، ولم تصر علاجاً قائماً بذاته. وفي الرهاب والوسواس سبق فرانكل إلى حدس صار اليوم في قلب العلاج بالتعرّض، وإن جاء فيه بصورة أدقّ وأبطأ.
ويبقى أخيراً الفرق بين الاستعارة والقياس. فميزان ليمبكي صورة، وهي نفسها تسمّيه استعارة. ولا توجد تجارب مضبوطة تثبت أن شهر الانقطاع يعيد ضبط الدوبامين، والدوبامين أوثق صلة بالرغبة منه بالمتعة نفسها. ولهذا يحسن أن تسأل كل فكرة تقرؤها ثلاثة أسئلة. من كتبها، أباحثٌ أم طبيب أم كاتب؟ وعلامَ تستند، أعلى تجربة تكرّرت، أم على حالات من عيادة، أم على حكاية؟ وهل صورتها قياس أم تشبيه؟ وجواب هذه الأسئلة مكتوب في قسم النقد من كل صفحة كتاب على الموقع.
إن كان عندك وقت لكتاب واحد
اقرأ التفكير السريع والبطيء. لا تنتظر منه وصفة، فالذي يعطيك إياه معجم تسمّي به أخطاءك. فيه اسم للرقم الذي يعلق في ذهنك، وللقصة التي تقنعك لأنها متماسكة، وليس لأنها صحيحة، وللخسارة التي تؤلمك أكثر مما يسرّك مكسب مثلها. وإن ضاق وقتك فاقرأ جزءه الأول، ثم امضِ في مسار من الانطباع الأول إلى قرار مُراجَع.