كتاب · مدروس · قراءة في 14 دقيقة
التفكير السريع والبطيء: كيف يخدعنا عقلنا ونحن واثقون
Thinking, Fast and Slow — Daniel Kahneman
يجمع دانيال كانمان، عالم النفس الحائز نوبل في الاقتصاد، حصيلة نصف قرن من البحث في كيف نحكم ونختار، ويرسم العقل شخصيتين، حدساً سريعاً لا يكفّ عن العمل، وتفكيراً بطيئاً كسولاً يصدّق أكثر مما يفحص. كتاب في خمسة أجزاء تحملها تجارب ذاع صيتها، صمد قلبها بعد صدوره، وتهاوى بعض أطرافها.
رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

لماذا هذا الكتاب؟
أخطاء نرتكبها كل يوم ولا نراها، وهذا الكتاب يسمّيها واحداً واحداً: الرقم الذي يعلق في الذهن، والقصة التي تقنعنا بتماسكها وإن لم تصحّ، والخسارة التي تؤلم ضعف ما يسرّ المكسب. وقلّما اجتمع في كتاب واحد هذا القدر من العلم وهذه المتعة في التجارب.
حكم فكرغراف
من أهم ما كُتب في هذا القرن عن الحكم والقرار، وثقله في أجزائه عن الإحصاء والثقة ونظرية التوقّع. على أنّ فصل التهيئة فيه بُني على دراسات صغيرة لم تصمد، وقد اعترف كانمان بذلك بنفسه. فليُقرأ معجماً يشخّص به القارئ أخطاءه، ولتُؤخذ كل تجربة فيه بقدر ما ثبت منها.
الفكرة المركزية
في عقل كل منا نمطان من التفكير. أحدهما سريع آلي يصنع الانطباعات، ويجيب عن الأسئلة الصعبة بأسئلة أسهل منها. والآخر بطيء جهيد، يظن نفسه صاحب القرار، وهو في الغالب يوقّع على ما يُعرض عليه. ولأخطاء الحدس نظام يمكن تسميته وتوقّعه، وأقدر الناس على رؤيتها المراقبون من خارج والمؤسسات التي تتمهّل، أما صاحب القرار في لحظته فآخر من يراها.
في عام 1969 دعا دانيال كانمان، أستاذ علم النفس في الجامعة العبرية بالقدس، زميلَه عاموس تفرسكي ليتحدث في حلقته الدراسية. فطرح تفرسكي سؤالاً كان يشغل باحثين في ميشيغان: هل الناس إحصائيون بالفطرة، كما أن الطفل نحويّ بالفطرة؟ وكان جواب ميشيغان "نعم، مع تحفّظ". فاحتدم النقاش بين الرجلين حتى انتهيا إلى عكسه: "لا، مع تحفّظ". وفي يوم الجمعة نفسه تغدّيا في مقهى ريمون، فبدأ تعاونٌ ظلّ محور حياتهما أربعة عشر عاماً، ويقول كانمان إنه أفضل ما عمله كلاهما. ومن ذلك التعاون خرجت الأبحاث التي نال بها كانمان جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2002، ولو لم يمت تفرسكي عام 1996 في التاسعة والخمسين لقاسمه إياها.
على أن كتاب التفكير السريع والبطيء (2011) لا يروي سيرة ذلك التعاون. إنه صورة العقل كما انتهى إليها كانمان في آخر عمره، قبل أن يموت عام 2024 عن تسعين عاماً. ويضع قارئه في مكان لا يُنتظر من كتاب علمي، عند ركن الماء في المكتب، حيث يتحدث الزملاء عن قرارات غيرهم. ذلك أن أخطاء الآخرين أيسر رؤيةً من أخطائنا، والطبيب لا يشخّص مرضاً لا يعرف اسمه. فهو يريد أن يعطي أحاديث المكتب معجماً، يقول فيه أحدهم "هذا ارتساء"، ويقول آخر "هذه رؤية من الداخل"، أو "هذه هالة". وتحت المعجم أطروحة واحدة، وهي أن أخطاء الحدس منتظمة يمكن توقّعها، لأنها تصدر عن طريقة عمل العقل نفسها، ولا تأتي من عاطفة تفسد التفكير.
الجزء الأول: شخصيتان في رأس واحد
يبدأ الجزء الأول بصورتين. في الأولى وجه امرأة غاضبة، يعرف القارئ غضبها حين يراه، ويتوقّع كلماتها القاسية قبل أن يقرّر أن يفكّر في شيء. وفي الثانية مسألة ضرب، 17 × 24، يعرف من النظرة الأولى أنها في طاقته، غير أن جوابها (408) لا يأتي إلا بجهد تتسع معه الحدقتان ويتسارع النبض. ومن الصورتين يخرج بطلا الكتاب. أولهما النظام 1، يعمل آلياً وبسرعة، بلا جهد ولا إحساس بالتحكّم. والثاني النظام 2، يوجّه الانتباه إلى الأعمال الشاقة. ويعلن كانمان من البداية أنهما "خيالان مفيدان" لا مكان لهما في الدماغ، وأنه اختارهما لأن الذهن يتذكّر حكاية بطلين أسهل مما يتذكّر قائمة صفات.
والبطل الحقيقي في هذه الحكاية هو النظام 1. أما النظام 2 فممثل ثانوي يحسب نفسه البطل، وهو فوق ذلك كسول، يوقّع في الغالب على ما يقترحه الحدس. ومن شواهد كسله لغز ذاع صيته عن مضرب وكرة ثمنهما معاً دولار وعشرة سنتات، والمضرب أغلى من الكرة بدولار، فكم ثمن الكرة؟ يقفز إلى الذهن أن ثمنها عشرة سنتات، والصحيح خمسة. وقد أخطأ فيه أكثر من نصف طلاب هارفارد وMIT وبرينستون، وأكثر من 80% في جامعات أقل انتقاءً. وما كان الحساب فوق طاقتهم، لكنهم لم يتحقّقوا.
وإذا نُظر إلى النظام 1 من داخله ظهر آلةَ تداعٍ تنسج من كلمتين قصة سببية في ثانية، وعدّاداً لليُسر يجعل المألوف والمكرّر يبدو أصدق. وفي الفصل الرابع يعرض كانمان تجارب (التهيئة)، وهي تجارب توحي بأن كلمات عابرة قد تغيّر مشية الإنسان أو كرمه، وهي أكثر ما في الكتاب تعرّضاً للنقد كما سيأتي. ويروي أنه لاحظ وهو يصحّح أن درجة المقالة الأولى في كرّاسة الطالب تلوّن ما بعدها، فصار يصحّح السؤال الأول عند الطلاب جميعاً قبل أن ينتقل إلى الثاني، فقلّت ثقته بدرجاته، وصارت أصحّ. وهذا أثر الهالة، وعلاجه قاعدة يعود إليها الكتاب مرة بعد مرة، أن تكون الأحكام مستقلة قبل أن تُجمع.
وفي آخر الجزء مبدآن يحملان الكتاب كله. أولهما يسمّيه كانمان ما تراه هو كل ما هنالك، إذ يبني النظام 1 أحسن قصة ممكنة مما بين يديه، ولا يسأل عمّا ينقصها. ففي تجربة قانونية كان من سمع محامي طرف واحد أوثق بحكمه ممّن سمع الطرفين، وهو يعلم أن الطرف الآخر غائب. والمبدأ الثاني الاستبدال، وهو أن نجيب، حين يصعب السؤال، عن سؤال أسهل منه ولا ننتبه. ومثاله مدير استثمار في شركة مالية كبيرة وضع عشرات الملايين في أسهم فورد، لأنه زار معرضاً للسيارات فأعجبته. كان السؤال هل سهم الشركة أرخص من قيمته، فأجاب الرجل عن سؤال آخر، هو هل يحبّ سياراتها.
الجزء الثاني: لماذا يعجز الحدس عن الإحصاء؟
يبدأ هذا الجزء بسرطان الكلى في المقاطعات الأمريكية. فأقلّ المقاطعات إصابةً ريفيةٌ قليلة السكان، ويسارع الذهن إلى الهواء النقي يفسّر به ذلك، ثم يتبيّن أن أكثرها إصابةً ريفيةٌ قليلة السكان أيضاً. والسرّ كله في صغر العيّنة، إذ تعطي العيّنات الصغيرة نتائج متطرفة في الاتجاهين.
وفي هذا الجزء التجارب التي اشتهر بها بحث الرجلين. أولها عجلة حظ مزوّرة لا تقف إلا عند 10 أو 65، يليها سؤال عن نسبة الدول الأفريقية في الأمم المتحدة، فيقدّرها من رأى 10 بنحو 25%، ومن رأى 65 بنحو 45%. وهذا هو الارتساء، ولم ينجُ منه قضاة ألمان تزيد خبرتهم على خمس عشرة سنة، رموا نرداً مغشوشاً يقف على 3 أو 9 قبل أن يحكموا على سارقة، فحكم أصحاب التسعة بثمانية أشهر في المتوسط، وأصحاب الثلاثة بخمسة. ويليه (التوفّر)، أي أن نقدّر شيوع الشيء بسهولة تذكّره، فيصنع الإعلام مخاوفنا.
وفي قلب الجزء امرأة متخيّلة اسمها ليندا، في الحادية والثلاثين، عزباء، صريحة، شديدة الذكاء، درست الفلسفة وشغلتها قضايا التمييز والعدالة. فأيّ الأمرين أرجح، أن تكون موظفة في مصرف، أم أن تكون موظفة في مصرف وناشطة نسوية؟ يقول المنطق إنها الأولى، لأن الثانية داخلة فيها. ومع ذلك اختار الثانية 89% من الطلاب، ومعهم 85% من طلاب الدكتوراه في علوم القرار بجامعة ستانفورد. ولما نبّه كانمان طلابه إلى أنهم خالفوا قاعدة منطقية أولية، صاح أحدهم: "وماذا في ذلك؟". فالقصة الأكثر تماسكاً تبدو أكثر احتمالاً، وكل تفصيل يُضاف إلى سيناريو يزيده إقناعاً، وينقص من احتماله.
وآخر ما في الجزء الارتداد إلى المتوسط. فقد أخبر مدرّبُ طيارين في سلاح الجو الإسرائيلي كانمانَ أن من يمدحه بعد مناورة متقنة يسوء أداؤه في المرة التالية، ومن يصرخ فيه يتحسّن. وكان الرجل محقاً في ما لاحظ، مخطئاً في تفسيره، ذلك أن في الأداء الاستثنائي نصيباً من الحظ، والحظ لا يتكرر. فرسم كانمان هدفاً على الأرض، وطلب من الضباط أن يرموا نحوه قطعتي نقد وظهورهم إليه، فرأوا الظاهرة نفسها بلا مديح ولا صراخ. وانتهى من ذلك إلى عبارة قاسية، هي أن الحياة تعاقبنا إحصائياً حين نلطف بالناس، وتكافئنا حين نقسو عليهم.
الجزء الثالث: وهم الفهم
يبدأ الجزء بقصة غوغل كما تُروى عادةً، عن طالبين موهوبين وقرارات صائبة تتوالى، فيخرج سامعها وهو يظن أنه فهم سرّ النجاح. ولا تذكر القصة أن المؤسّسَين كانا مستعدين، بعد سنة من التأسيس، لبيع الشركة بأقل من مليون دولار، وأن المشتري رفض لأن السعر مرتفع. فالقصص التي تقنعنا تعطي الموهبة دوراً أكبر مما تعطي الحظ، ولا تحكي ما لم يحدث. ولهذا يطلب كانمان أن يُحذف من الحديث عن أزمة 2008 فعل واحد، هو "كنت أعرف".
وأول وهم معرفي اكتشفه كانمان في نفسه يعود إلى خدمته في وحدة علم النفس بالجيش. كان يقيّم مع زملائه مرشحين لمدرسة الضباط وهم يحملون جذعاً فوق جدار، فيرى "طبيعة كل رجل" بوضوح لون السماء. وكانت المراجعة التي تأتي كل بضعة أشهر تقول إن توقّعاتهم لا تكاد تزيد على التخمين، ثم يأتي الفوج التالي فيحكمون عليه بالثقة نفسها. وسمّى ذلك (وهم الصحة)، ووجد نظيره بعد عقود في شركة لإدارة الثروات، كان متوسط الارتباط بين نتائج مستشاريها من سنة إلى سنة 0.01، فهي تكافئ الحظ كأنه مهارة.
فمتى يُوثق بالحدس؟ لم يجب كانمان عن هذا السؤال وحده، فقد اشترك في جوابه مع خصمه العلمي غاري كلاين، دارس حدس رجال الإطفاء، بعد سنوات من الجدل. والجواب أن الحدس يستحق الثقة حين تكون البيئة منتظمة بما يكفي لتُتوقّع، ويجد صاحبه فرصة طويلة لتعلّمها بتغذية راجعة سريعة. وهذا متاح للاعب الشطرنج وطبيب التخدير، وبعيد عن منتقي الأسهم والمعلّق السياسي. وحيث يغيب تتفوّق الصيغ البسيطة على الخبراء، كما بيّن بول ميل ومن تبعه في نحو مئتي مقارنة. وقد طبّق كانمان ذلك وهو في الحادية والعشرين، حين صمّم مقابلات المجنّدين، فجعلها ست صفات تُقيَّم واحدة بعد أخرى بأسئلة عن وقائع، فانتقلت المقابلة من "عديمة الفائدة" إلى "مفيدة باعتدال".
ويُختم الجزء بقصة يعدّها كانمان من أهم دروس حياته. كان على رأس فريق يؤلّف منهجاً دراسياً، فقدّر الفريق أن العمل سيستغرق نحو سنتين. ثم سأل كانمان خبير المناهج في الفريق عن فرق مشابهة يعرفها، فقال إن نحو 40% منها لم تُكمل، ولم يُكمل أحدها في أقل من سبع سنوات. ومضى الفريق مع ذلك، فانتهى الكتاب بعد ثماني سنوات، ولم يُستعمل قط. وعن هذه القصة تتفرّع الرؤية الخارجية ومغالطة التخطيط، ويتفرّع حديثه عن التفاؤل الذي يسمّيه "محرّك الرأسمالية"، فقد قال 33% من أصحاب المشاريع الأمريكيين إن احتمال فشلهم صفر، مع أن نحو 35% فقط من المشاريع الصغيرة يبقى خمس سنوات. وعلاجه الجزئي تمرين (ما قبل الفشل)، وفيه يتخيّل الفريق أن سنة مضت وأن الخطة انتهت بكارثة، ثم يكتب قصتها في دقائق.
الجزء الرابع: المكسب والخسارة
وفي هذا الجزء يدخل عالم النفس على أرض الاقتصاديين. فمنذ دانيال برنولي في القرن الثامن عشر تُقاس قيمة المال بالثروة التي يملكها صاحبه. غير أن جاك وجيل يملك كل منهما اليوم خمسة ملايين، وكان جاك يملك أمس مليوناً، وجيل تسعة، فهل هما سعيدان بالقدر نفسه؟ الذي يهمّ هو التغيّر عن نقطة مرجعية، وعليه بنى كانمان مع تفرسكي نظرية التوقّع عام 1979. فالناس يقيّمون النتائج مكاسب وخسائر، وتقلّ حساسيتهم كلما كبر المبلغ، والخسارة تؤلم أكثر مما يسرّ المكسب المساوي لها. ولذلك يرفض أكثرهم رهاناً على قطعة نقود يخسرون فيه 100 دولار أو يربحون 150، ولا يقبلونه إلا إذا اقترب الربح من 200. ومن هذا الأصل تتفرّع تجارب الجزء، ومنها أكواب جامعية وُزّعت على نصف المشاركين، فطلب مالكوها نحو 7 دولارات لبيعها، وعرض المشترون نحو 3.
وتنتظم مواقف الناس من المخاطرة في ما يسمّيه كانمان (النمط الرباعي). فهم يتجنّبون المخاطرة حين يرجح المكسب، ويغامرون حين ترجح الخسارة، ويشترون ورقة اليانصيب لأنهم يضخّمون الاحتمالات الصغيرة، ويشترون التأمين للسبب نفسه. ولا يطلب كانمان من أحد أن يمحو نفوره من الخسارة، وإنما أن يوسّع الإطار الذي ينظر منه. فقد رفض صديق للاقتصادي بول سامويلسون رهاناً واحداً رابحاً في متوسطه، وقبل مئة رهان مثله. ولهذا ينصح الكتاب صاحب القرارات المتكررة بأن يضع لها (سياسة مخاطرة) مسبقة، وأن يردّد مع كانمان: تربح بعضها وتخسر بعضها.
ويبلغ الجزء ذروته في أثر التأطير. قيل لأطباء إن نسبة البقاء بعد شهر من الجراحة 90%، فاختارها 84% منهم، وقيل لآخرين إن نسبة الوفاة في الشهر الأول 10%، فاختار نصفهم العلاج الإشعاعي. وفي أوروبا تقترب نسبة التبرّع بالأعضاء من 100% في النمسا، ولا تتجاوز 12% في ألمانيا المجاورة، والفرق كله في خانة على الاستمارة، أهو تبرّع مفترض ينسحب منه من شاء، أم تبرّع لا يكون إلا لمن اختاره؟ ويخلص كانمان من ذلك إلى نتيجة صادمة، فليس تحت الإطار في مسائل كثيرة تفضيل حقيقي يكشفه، وأحكامنا الأخلاقية تتعلق بأوصاف الأشياء، ولا تكاد تمسّ الأشياء نفسها.
الجزء الخامس: النفس التي تعيش والنفس التي تتذكّر
أُجري لمريضين تنظير للقولون، وكان كل منهما يسجّل شدة ألمه كل دقيقة على سلّم من 0 إلى 10. استمر تنظير الأول ثماني دقائق، والثاني أربعاً وعشرين، وبلغ ألمهما الأقصى الدرجة نفسها. ولا شك أن الثاني عانى أكثر، غير أن الأول خرج بذكرى أسوأ، لأن تنظيره انتهى قريباً من الذروة. والمريضان من دراسة شارك فيها 154 مريضاً، وكشفت عن قاعدتين، هما أن التجربة يُحكم عليها بذروتها ونهايتها، وأن مدّتها تُهمل.
وفي تجربة ثانية أثبت كانمان أن الذاكرة هي التي تختار. غمس المشاركون إحدى أيديهم في ماء بارد مؤلم ستين ثانية، وغمسوا الأخرى تسعين ثانية، كانت الستون الأولى منها مثل التجربة الأولى، ثم دُفّئ الماء درجة واحدة تقريباً. ولما خُيّروا أيّ التجربتين يعيدون، اختار 80% ممن شعروا بتراجع الألم في آخرها التجربة الأطول، أي ثلاثين ثانية زائدة من الألم. فـالنفس المستشعِرة والنفس المتذكِّرة لا تريدان الشيء نفسه، والثانية هي التي تحفظ الحساب وتقرّر، حتى قال كانمان: "أنا نفسي المتذكِّرة، أما النفس التي تعيش حياتي فغريبة عني".
ويمدّ كانمان الفكرة إلى أوبرا لا ترافياتا، فالذي يهمّ المشاهد فيها أن يصل الحبيب قبل أن تنقضي دقائق البطلة العشر الأخيرة، ولا يعنيه كم عاشت. ثم يمدّها إلى (وهم التركيز)، ويلخّصه في جملة واحدة: "لا شيء في الحياة مهم بالقدر الذي تظنه حين تفكّر فيه". وفي الخاتمة يعترف بأن حدسه لم يتحسّن كثيراً بعد عمر قضاه في دراسة هذه الأخطاء، وأن الأمل معقود على المؤسسات، لأنها أبطأ من الفرد، وتستطيع أن تفرض قوائم التحقّق والرؤية الخارجية وتمرين ما قبل الفشل.
ما الذي يبقى معك بعد القراءة
- الثقة شعور، وليست دليلاً. هي تقيس تماسك القصة، وكفاية الأدلة أمر آخر، فاسأل صاحب الحكم عن البيئة التي تعلّم فيها قبل أن تصغي إلى يقينه.
- ابدأ بما حدث لأمثالك. خذ المعدّل في فئة مشابهة أولاً، ثم عدّل بحذر بما تعرفه عن حالتك.
- كل رقم على الطاولة يؤثّر فيك، ولو عرفت أنه اعتباطي، فاكتب تقديرك قبل أن تسمع رقم غيرك.
- صغ القرار مرتين، مرة بلغة المكسب ومرة بلغة الخسارة، وانظر إلى قراراتك الصغيرة المتكررة كأنها محفظة واحدة.
- اجمع الأحكام مستقلة. في الاجتماع والمقابلة والتقييم، ليكتب كل واحد رأيه قبل النقاش، ولتُقيَّم كل صفة على حدة.
ما الذي لم يصمد؟
كتب كانمان في الفصل الرابع عن تجارب التهيئة أن "عدم التصديق ليس خياراً"، وأن نتائجها ليست مصادفات إحصائية. ثم جاءت أزمة التكرار في علم النفس. ففي 2012 فشلت محاولة لتكرار تجربة الطلاب الذين مشوا أبطأ بعد أن مرّت بهم كلمات عن الشيخوخة، وفي العام نفسه كتب كانمان إلى باحثي التهيئة يحذّرهم من "حطام قطار" يقترب، ويدعوهم إلى أن يكرّر بعضهم تجارب بعض. وفي 2017 حلّل ثلاثة باحثين الدراسات التي قام عليها الفصل، فوجدوها صغيرة ضعيفة القوة الإحصائية، فاعترف كانمان بأنه وضع في دراسات من هذا النوع ثقة زائدة، وبأن الأدلة كانت أضعف بكثير مما ظنّ حين كتب. ومن مفارقات القصة أنه وقع في الخطأ نفسه الذي بدأ منه بحثه مع تفرسكي، وهو الثقة بالعيّنات الصغيرة. ويلحق بالتهيئة أمران آخران. أولهما (استنفاد الأنا) في الفصل الثالث، وقد غاب أثره في تكرار شارك فيه 23 مختبراً عام 2016. والثاني دراسة قضاة الإفراج الجائعين، التي طُعن في عشوائية ترتيب قضاياها.
وتجاوز البحث رقماً آخر من أرقام الكتاب. فقد قال إن الرفاه اليومي يتوقف عن الارتفاع عند دخل أسري يقارب 75,000 دولار، ثم شارك كانمان نفسه عام 2023 في دراسة وجدت أن السعادة تستمر في الارتفاع مع الدخل عند أكثر الناس، وأن التوقف لا يظهر إلا عند الأقل سعادة.
على أن قلب الكتاب صمد، ففيه الارتساء، والتأطير، وتجنّب الخسارة وإن اختُلف في حجمه، ومغالطة التخطيط، والارتداد إلى المتوسط، وتفوّق الصيغ البسيطة. ويبقى أن كثيراً من أدلته أسئلة افتراضية أجاب عنها طلاب جامعيون، وأن النظامين مجاز يُشرح به العقل، وليسا تشريحاً للدماغ، كما ينبّه المؤلف نفسه.
لمن هذا الكتاب؟
هو كتاب كل من يتخذ قرارات تكلّفه مالاً أو وقتاً أو سمعة، كصاحب مشروع يقدّر المدد ويسعّر ويوظّف، ومدير يقيّم الناس والخطط، وقارئ يريد أن يعرف كيف تُصنع مخاوفه وقناعاته. أما من يطلب وصفة سريعة فسيجده طويلاً كثيف التجارب، يعطيه لغة يشخّص بها الخطأ، ولا يعطيه قائمة نصائح. وإن ضاق وقتك فاقرأ الجزء الأول كاملاً، ثم الفصول 11 و17 و21 و22 و23 و26 و34.
ومن أراد أن ينقل الكتاب من القراءة إلى العمل، فأمامه ثلاث مسائل، هي كيف تراجع قراراً مهماً قبل أن تتخذه؟، وكيف تقدّر مدة مشروعك وكلفته دون أن تخدع نفسك؟، وكيف تقيّم مرشحاً أو عرضاً دون أن تخدعك الانطباعات؟، ومن أحبّ أن يمشي فيه خطوة بعد خطوة فله مسار من الانطباع الأول إلى قرار مُراجَع. ولفكرتين من أفكاره صفحتان تمضيان فيهما أبعد، هما النظامان ومتى تثق بحدس الخبير؟، أما الصلات بين أفكاره فيتتبّعها رابطا الثقة لا تساوي الصحة وتجنّب الخسارة والإطار الواسع.
المصدر
Daniel Kahneman، Thinking, Fast and Slow، دار Farrar, Straus and Giroux، 2011، بمقدمته وأجزائه الخمسة وخاتمته. وما يتعلّق بتكرار التجارب مأخوذ من الأبحاث التي جاءت بعد صدور الكتاب.
قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.
اشترِ الكتاب من أمازونرابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
الكتاب في الشبكة
ما الذي يتّصل بهذا الكتاب
- ١٠ أفكار
- ٣ مسائل
- فكرةالارتساء: كل رقم على الطاولة يؤثّر فيك
- فكرةالنفس المستشعِرة والنفس المتذكِّرة
- فكرةمتى تثق بحدس الخبير؟
- فكرةأثر التأطير
- فكرةتجنّب الخسارة والنقطة المرجعية
- فكرةالرؤية الخارجية ومغالطة التخطيط
- فكرةالارتداد إلى المتوسط: لماذا يبدو أن التوبيخ ينجح؟
- فكرةالاستبدال: حين تجيب عن سؤال أسهل
- فكرةالنظامان: التفكير السريع والتفكير البطيء
- فكرةما تراه هو كل ما هنالك: لماذا يثق من يعرف أقل؟
- مسألةكيف تقدّر مدة مشروعك وكلفته دون أن تخدع نفسك؟
- مسألةكيف تقيّم مرشحاً أو عرضاً دون أن تخدعك الانطباعات؟
- مسألةكيف تراجع قراراً مهماً قبل أن تتخذه؟