ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

كتاب · مدروس · قراءة في 19 دقيقة

نظرية التغافل: دع الآخرين، ثم ابدأ بنفسك

The Let Them Theory: A Life-Changing Tool That Millions of People Can’t Stop Talking About — Mel Robbins

ويُعرف بالعربية أيضاً باسم نظرية التغافل · كتاب نظرية التغافل · نظرية دعهم · نظرية دعهم يفعلون · ميل روبنز · ميل روبينز · The Let Them Theory · let them theory مترجم

في كتاب نظرية التغافل تبني ميل روبنز طريقة من خطوتين للتعامل مع الناس: أن تترك ما لا تملكه من آرائهم وأفعالهم ومشاعرهم، ثم تتولّى ما تملكه من ردّك واختيارك. وتطبّقها على التوتر ورأي الناس والمقارنة والصداقة والحب.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

غلاف كتاب نظرية التغافل — ميل روبنزFikrGraphدراسة كاملة

لماذا هذا الكتاب؟

يُنفق أكثرنا جهداً كبيراً في محاولة أن يرضى عنه الناس، أو أن يتغيّروا كما يريد، ثم يتعب ولا يتغيّر شيء. وهذا الكتاب يعطي القارئ عبارتين يقولهما في تلك اللحظة، ويسأل بعدهما سؤالاً واحداً: ماذا أفعل أنا الآن؟

حكم فكرغراف

أقوى ما في الكتاب أداته البسيطة، وأن صاحبته تعرف خطرها، فتعلّم القارئ ألّا يقف عند "دعهم"، لأنها وحدها تتركه متعالياً ووحيداً. وفصوله في الصداقة بعد الدراسة وفي الفرق بين الدعم والإنقاذ أنفع ما فيه. وأضعف ما فيه أرقام علمية كثيرة لا تصمد، ووعود مطلقة بأن القارئ لا يعلق أبداً وأن كل ما يصيبه ذنبه، ونصائح في الإدمان والمال والعلاقات قد تؤذي إن أُخذت حرفياً. فليُقرأ أداةً للأمور اليومية، لا قانوناً لكل حال.

الفكرة المركزية

لا يملك الإنسان أن يتحكّم في غيره، في آرائهم وأفعالهم ومشاعرهم، ومع ذلك يعيش كأنه يملك، فيتعب ويتوتر ويُفسد علاقاته. والطريق أن يترك للناس ما هو لهم، ثم يأخذ في يده ما هو له، أي ردّه وقيمه وخطوته التالية. وفي الخطوة الثانية القوة كلها.

ليلة حفل التخرّج في ثانوية ابنها أوكلي، اجتمع عشرون شاباً وشابة بثياب السهرة لالتقاط الصور، ثم انهمر مطر لم يكن في النشرة، ولم يحمل أحد منهم مظلّة. وفي الزحام سمعت ميل روبنز الصبية يتشاورون أين يأكلون قبل الحفل، فلم يكن أحد قد حجز طاولة، واستقرّ رأيهم على مطعم تاكو في وسط البلدة لا تتّسع صالته لأكثر من أربع طاولات. فتحت هاتفها تبحث عن مطعم يتّسع لعشرين، وانتشر الآباء والأمهات حول أبنائهم يقترحون ويعترضون.

عندها أمسكت ابنتها كيندال بذراعها، وقالت لها: "إذا أراد أوكلي وأصدقاؤه أن يذهبوا إلى مطعم التاكو، فدعيهم". قالت الأم إنهم سيبتلّون، فقالت: "دعيهم يبتلّوا". قالت إن حذاءه الجديد سيتلف، فقالت: "دعيه يتلف… إنه حفلهم، لا حفلك".

أعطت روبنز ابنها أربعين دولاراً ثمن العشاء، ووقفت تراه يركض مع رفيقته تحت المطر، والطين يتطاير على فستانها وحذائه الجديد، فلم تنزعج. وتقول إنها شعرت في تلك اللحظة أن شيئاً فيها لان، وأن التوتر الذي ملأها وهي تحاول أن تدير ما ليس لها انصرف كله.

من هذه الكلمة الواحدة بنت روبنز كتاباً كاملاً. وأطروحته أن أكثر تعبنا مع الناس يأتي من محاولة التحكّم في ما لا نملكه منهم، آرائهم وأفعالهم ومشاعرهم، وأن الخروج منه يكون بخطوتين: أن ندعهم، ثم نبدأ بأنفسنا.

من قاعدة الثواني الخمس إلى نظرية التغافل

ليست روبنز عالمة نفس ولا معالجة. كانت محامية في نيويورك، ثم جرّبت أعمالاً كثيرة، حتى وجدت نفسها في الحادية والأربعين بلا عمل، وعليها وعلى زوجها ديون بلغت ثمانمئة ألف دولار، ومطعم الزوج ينهار. وفي صباح لم تقدر فيه على النهوض من سريرها عدّت تنازلياً، كما تعدّ وكالة الفضاء قبل إطلاق الصاروخ، خمسة، أربعة، ثلاثة، اثنان، واحد، ونهضت. ومن هذه الحيلة الصغيرة خرجت قاعدة الثواني الخمس، ثم محاضرة في TEDx سنة 2011 انتشرت انتشاراً واسعاً، ثم كتاب ذاع صيته، ثم برنامج صوتي من أوسع البرامج انتشاراً.

وتقول إن قاعدتها الأولى غيّرت علاقتها بنفسها، وإن هذه النظرية غيّرت علاقتها بالناس. فالعدّ التنازلي يعين المرء على أن ينهض ويبدأ، لكنه لا يُسكت مديراً يتدخّل في كل شيء، ولا أهلاً يحكمون على كل قرار، ولا زحاماً في طريق العمل. وحين سألت نفسها ما الذي يُثقلها حقاً، وجدت الجواب في الناس، أو بالأدق في الطريقة التي تسمح بها لهم أن يؤثّروا فيها.

نشرت روبنز الفكرة في مقطع لا يتجاوز دقيقة، فشاهده خمسة عشر مليوناً في يوم واحد، وأخذ الناس يرسلون إليها صور الوشم على أذرعهم، فكتبت الكتاب مع ابنتها سوير، وصدر في أواخر 2024، فتصدّر قوائم المبيعات في أمريكا وبريطانيا، وبيع منه في عام واحد ملايين النسخ. وعلى أن روبنز تنسب أصل الفكرة إلى ليلة حفل التخرّج، فإن الشاعرة كاسي فيليبس كانت قد نشرت سنة 2022 قصيدتين بعنوان Let Them ثم Let Me، انتشرتا انتشاراً واسعاً، ولا يذكرهما الكتاب، ويقول فريق روبنز إن أحداً منهم لم يطّلع عليهما.

وصدرت الترجمة العربية عن مكتبة جرير سنة 2025 بعنوان نظرية التغافل، وهو اختيار ذكي يفتح الكتاب على كلمة يعرفها التراث العربي جيداً. روى البيهقي عن عثمان بن زائدة قوله: "العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل"، فلما بلغ ذلك الإمام أحمد قال: "العافية عشرة أجزاء، كلها في التغافل". غير أن التغافل في التراث فضيلة خُلقية، يتجاوز بها الكريم عن هفوات غيره ترفّعاً وستراً، أما عبارة روبنز فأقرب إلى "دعهم"، وغايتها أن يكفّ المرء عن إدارة حياة غيره ليتفرّغ لحياته. والفرق بين الكلمتين يتّضح كلما تقدّم الكتاب.

دعهم، ثم ابدأ بنفسك

بعد أيام من حفل التخرّج كانت روبنز تتصفّح هاتفها، فرأت صور صديقات قديمات في رحلة نهاية أسبوع معاً، كلهن نساء ربّت أطفالها معهن في البلدة نفسها، ولم تكن بينهن. وتصف ما جرى بعد ذلك بصراحة، فقد فتحت حساباتهن واحدة واحدة تتفحّص الصور، وأخذت تسأل نفسها: لماذا لم يدعونني؟ أأغضبتهن بشيء؟ حتى دخل زوجها كريس الغرفة، فسألها لماذا يهمّها الأمر إلى هذا الحد، وذكّرها بأنها لم تعد قريبة منهن منذ سنوات.

قالت في نفسها: دعهنّ. دعهنّ يسافرن، ودعهنّ يقضين نهاية الأسبوع معاً. ولم يزل الألم دفعة واحدة، فكرّرت العبارة مرة بعد مرة، وكلما قالتها خفّ قليلاً. وتعترف بأنها فهمت عندئذ أن الرحلة لم تؤذها، وأن الذي آذاها هو ما فعلته بنفسها حين جعلت الرحلة دليلاً على أنها مذنبة أو مرفوضة.

ثم تأتي أصدق صفحات الكتاب. ترسم روبنز أرجوحة توازن، طرفها الأول المرء وطرفها الآخر الناس. فحين يجعل تصرّفهم دليلاً على نقصه يهبط هو ويعلون هم. وحين يقول "دعهم" يرتفع، ويحسّ بشيء من التعالي عليهم، بأنه أحكم منهم وفوق ما يفعلون. وتعترف بأن هذا الإحساس مريح، وبأنه سبب انتشار العبارة، فما أطيب أن تشعر أنك فوق الصديق الذي لا يردّ، وزميل السكن الذي لا يغسل صحونه. لكن من وقف هنا وجد نفسه وحيداً في تعاليه، ينتقد صديقاته في غيابهن، ويتحرّج كلما لقيهن، ولا يكسب صداقة واحدة.

ولهذا جعلت للنظرية خطوة ثانية تسمّيها Let Me، أي "دعني أنا"، وهي أن ينظر المرء بعد أن يهدأ إلى نصيبه هو. فلما نظرت روبنز في نصيبها وجدت أنها انشغلت بعملها سنوات، ولم تدعُ أحداً، ولم تسأل عن أحد، ولم تكن تذكر صديقاتها هي الأخرى إلا حين ترى صورهن. وتقول: "حين تكون راشداً، فحياتك الاجتماعية مسؤوليتك". فاتّصلت ببعضهن لأنها اشتاقت إليهن، دون أن تطلب تسوية أو دعوة إلى الرحلة القادمة.

وتحذّر في آخر الفصل تحذيرين يحسن أن يبقيا في ذهن القارئ إلى آخر الكتاب. الأول أن النظرية للتعامل بين الراشدين، وأن الأطفال شأن آخر، فالوالد مسؤول عن طفله. والثاني أن من أحسّ بالوحدة بعد أن أخذ بها فقد أساء استعمالها، فهي ليست رخصة للتجاهل والصمت العقابي، ولا لتجنّب الحديث الصعب، ولا للبقاء في وضع يؤذيه، ولا لغضّ الطرف عن تمييز أو خطر.

التوتر: ما تتركه وما تفعله

يبدأ الكتاب تطبيقاته بأصغر المنغّصات، صفّ الانتظار البطيء، والزحام، ومن يتكلّم في هاتفه بصوت عالٍ. وأحسن أمثلته راكب كان يسعل خلفها في الطائرة دون أن يغطّي فمه، وأمامها أسبوع من المحاضرات. طلبت منه بأدب أن يغطّي فمه، فهزّ رأسه واستمرّ يسعل. قالت: دعه يسعل. ثم سألت نفسها من المسؤول عن أن تبقى سليمة، فلفّت وشاحها على أنفها وفمها، ووضعت السمّاعتين في أذنيها. فالطلب مرة واحدة حق، وما بعده بيدها هي.

وفي فصل آخر تمشي في متنزّه حذّر حارسه من أن الممرّات قد تُغلق أمام الكلاب لأن أصحابها لا ينظّفون بعدها، فترى امرأة تترك كلبها يقضي حاجته ثم تغطّي ما فعل بأوراق الشجر وتمضي. وتعدّد روبنز ما يمكن أن تفعله، أن تمضي في طريقها، أو أن تنظّف المكان بنفسها، أو أن تلحق بالمرأة وتعطيها كيساً، أو أن تخبر الحارس. فقول "دعها" يمنحها لحظة هدوء تختار فيها بين هذه الخيارات. واختبارها في الاختيار بسيط، أن تسأل: هل سيزعجني هذا بعد ساعة؟ بعد أسبوع؟ فإن بقي يشغلها بعد ساعة، فعليها أن تفعل شيئاً.

وتطبّق الفكرة على العمل، فتنصح الموظف الذي وُعد بترقية لا تأتي بأن يكفّ عن انتظار أن يتغيّر مديره، ويُنفق ذلك الجهد في تجهيز سيرته الذاتية والبحث عن فرصة أخرى. وتطبّقها على السياسة، فما حُسم بالتصويت يُترك، وما يُشغل المرء من المستقبل يعمل له، أو يكفّ عن الشكوى منه.

أن يظنّ الناس بك ما يشاؤون

سنتين كاملتين لم تنشر روبنز شيئاً عن محاضراتها على وسائل التواصل، مع أن المحاضرين القدامى أخبروها بأن هذا أول ما يجلب الدعوات، ومع أنها كانت غارقة في الديون وتحاضر بلا أجر. كتبت مئات المسودات، وكانت تنشر المنشور ثم تحذفه بعد خمس دقائق إن قلّت الإعجابات. والسبب أنها كانت تتخيّل أصدقاءها وزملاء دراستها القدامى يقولون: من تظنّ نفسها؟

وجوابها أن يمنح المرء الناس حرية أن يظنّوا به سوءاً، بل أن يفترض أنهم يفعلون. ولتُقنع القارئ تبدأ بنفسها، فتعدّد ما يخطر لها من أفكار سلبية عن أحبّ الناس إليها، زوجها وأولادها، ثم ما يقوله أولادها عنها، أنها فوضوية ومتسلّطة وتتأخّر دائماً وتظنّ أنها تعرف كل شيء. والنتيجة أن الرأي السلبي لا يعني رفضاً كاملاً، فالشيئان يجتمعان، أن يحبّك أحدهم وأن يرى فيك ما لا يعجبه.

وتقترح سؤالاً قصيراً يُلحق بكل جملة يقولها الخوف. "لست جيداً بما يكفي". لمن؟ "ماذا سيقول أصدقائي؟" ما يشاؤون. وتفرّق بين أن يفعل المرء الشيء لأنه يرضى به عن نفسه، وأن يفعله ليشتري رضا غيره. ومثالها من يقود أربع ساعات إلى عيد ميلاد صديق، ثم يغادر في الصباح الباكر ليقود أربع ساعات أخرى إلى بيت أهله، فيعاتبه الصديق على مغادرته، وتهمس له أمه بأن جدّته انزعجت من ملابسه. فمهما انحنى المرء لا يضمن الرضا، فليكن ما يفعله لأنه يراه صواباً.

وأقرب مشاهد هذا الجزء إلى القارئ العربي حكاية أمّها. حين خُطبت روبنز رفضت أمها أن تُظهر فرحاً، وقالت لها إنها ما كانت لتختار لها هذا الرجل. ودام التوتر بينهما سنوات. ثم فهمت بعد ثلاثين عاماً ما كان تحت ذلك الرفض. فأمها تركت مزرعة أهلها في السابعة عشرة، وتزوّجت في التاسعة عشرة بعيداً عنهم، وقالت لها حماتها يوم زفافها إنها تأمل ألّا تكون قد خرّبت حياة ابنها، وربّت أولادها بلا عون من أحد. فلما رأت ابنتها تختار رجلاً من الساحل الشرقي، رأت قصتها تتكرّر، وأيقنت أن ابنتها لن تعود إلى قربها. وتقول روبنز: "لم يكن حكماً، بل كان حزناً". وتعترف بأنها ستشعر بالشيء نفسه لو استقرّت إحدى بناتها في مدينة بعيدة. وتسمّي هذا الفهم "إطار المرجع" (frame of reference)، وتأخذه عن الكاتبة ليزا بيليو، أي أن تعرف العدسة التي يرى بها الآخر قبل أن تحكم على ما يقوله.

حين يغضب الكبار كالصغار

تنقل روبنز عن معالجتها النفسية آن دافين عبارة تعود إليها كثيراً، أن أكثر الراشدين أطفال في الثامنة يسكنون أجساداً كبيرة. فالطفل الذي كان يهرب صار يتجنّب المواجهة، والذي كان يعبس صار يعاقب بالصمت، والذي كان يصرخ صار يرسل الرسائل الغاضبة. وتنصح من يواجه أحدهم بأن يتخيّله تلميذاً في الصف الرابع، فيحلّ العطف محلّ الاحتقار.

ولا تستثني نفسها، فتقول إنها في الخامسة حين تغضب، وإنها ما زالت ترسل إلى شريكها في العمل رسائل طويلة غاضبة. والتدريب الذي تقترحه أن يترك المرء انفعاله يعلو دون أن يفعل شيئاً، فلا يمسك هاتفه، ولا يرسل رسالة، ولا يفتح الثلاجة، حتى يهبط الانفعال من تلقاء نفسه.

ومن هذا الجزء فكرة تستحق أن تُحفظ، وهي أن كثيراً مما نسمّيه تجنّباً للمواجهة هو في حقيقته تجنّب لمشاعر غيرنا. فالرجل الذي يبقى في عمل يكرهه، أو في دراسة اختارها له أبوه، قد يخاف أن يرى خيبة أبيه أكثر مما يخاف النقاش. ومثالها مستمع كتب إليها قبل زفافه بأسابيع أنه يشعر بالرهبة كلما فكّر فيه، والدعوات قد وُزّعت، والأهل قد دفعوا العربون. وتطلب منه أن يتخيّل بكاء خطيبته وغضب أبيها، ليرى كيف تحكمه مشاعر لم تقع بعد. وجوابها له سريع وقاطع، أنه إن كان يخشى الزفاف فهو يخطئ. وتدعم الأبحاث جزءاً من هذا، ففي دراسة جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على 232 زوجاً حديث الزواج، تطلّقت خلال أربع سنوات 19% من الزوجات اللواتي اعترفن بشكوك قبل الزفاف، مقابل 8% ممن لم يشككن. غير أن الشكوك كانت شائعة، وأكثر من شكّوا بقوا متزوّجين. فالرهبة إشارة تستحق الإصغاء، لا حكماً نهائياً.

المقارنة: عذاب أم معلّم

تعترف روبنز بأن الحياة ليست عادلة، وتشبّهها بلعبة ورق يأخذ فيها كل لاعب أوراقاً غير أوراق غيره، والفوز في طريقة اللعب. وتقسم المقارنة قسمين. مقارنة بما لا يتغيّر، كالطول والملامح والأسرة والبلد، وهذه عذاب لا ينفع، وعلاجه أن يقبل المرء ما لا يقدر على تغييره. ومقارنة بما يتغيّر بالجهد، كالعمل واللياقة والمال والصداقات، وهذه معلّم.

ومثالها مصمّمة ديكور ماهرة اسمها مولي، أجّلت سنوات أن تعرض أعمالها على وسائل التواصل. ثم رأت جارة لا تحبّها، ولا خبرة لها في التصميم، تنشر صور بيتها فتنتشر انتشاراً واسعاً، فأخذت تقرأ كل تعليق، وتتفحّص موقع الجارة الأنيق، وموقعها هي لم يُحدَّث منذ ثلاث سنوات، وتقول إن هذه المرأة ستسرق زبائنها. وجواب روبنز أن هذه الجارة معلّم يدلّها على الطريق، وأن كونها شخصاً عادياً لا موهبة خاصة له يُسقط كل عذر.

وتروي عن نفسها حكاية أقسى. في الأربعين، وهي مثقلة بالديون، زارت بيت صديقة رُمّم حديثاً، فيه غرفة واسعة لأسرّة الأطفال، وكل أطفال الحي يجتمعون فيه. وفي السيارة انفجرت في وجه زوجها تسأله لماذا دخل تجارة المطاعم. ولم تفهم إلا بعد سنوات، في جلسات الإرشاد الزوجي، أن غضبها كان على نفسها، فقد تخلّت عن طموحها وانتظرت أن يحمل زوجها الحمل كله. وتقول إنها احتاجت خمس عشرة سنة من العمل لتصل إلى أسرّة أطفالها.

وتلخّص الفكرة بعبارة جميلة، أن الغيرة دعوة من نفسك في المستقبل. ويؤيّد بحث للباحث نيلز فان دي فين وزميليه شيئاً من هذا، فالحسد الحميد، حين يرى المرء أن نجاح الآخر مستحق وأن مثله في متناوله، يحفز على العمل أكثر من الإعجاب. أما حين يرى النجاح غير مستحق، كما رأت مولي جارتها، فيدفعه الحسد إلى أن يشدّ الآخر إلى أسفل لا أن يرتفع هو. فالمعلّم لا يعلّم إلا من اعترف بأن الدرس صحيح.

الصداقة بعد الدراسة

يقول الكتاب إن الصداقة في سنوات الدراسة تأتي وحدها، فالصف والفريق والسكن الجامعي تجمع الناس كل يوم. ثم يتفرّق الجميع إلى مدن وأعمال وأعمار مختلفة، وتسمّي روبنز ذلك "التفرّق الكبير"، ويتكرّر مع الزواج والأطفال والانتقال والتقاعد. وتؤيّد البيانات هذا، فعدد من يتواصل معهم الإنسان على هاتفه يبلغ ذروته في نحو الخامسة والعشرين ثم يتناقص. وعندها تتحوّل الصداقة، كما تقول، من رياضة جماعية إلى رياضة فردية، ومن ظلّ ينتظر أن يُدعى بقي وحيداً.

وتقترح أن الصداقة تقوم على ثلاث دعائم، القرب، والتوقيت، أي أن يكون الطرفان في مرحلة متشابهة من العمر والحياة، والطاقة التي تجعل الاثنين يرتاحان معاً. وأكثر الصداقات تذبل حين تضعف إحدى الدعائم، لا لأن أحداً أخطأ. وتعترف روبنز بأن هذه الدعائم من تقديرها هي، لا من بحث علمي.

وأصدق ما في هذا الجزء اعتراف. أقنعت روبنز صديقين لها بالانتقال إلى بلدتها، فاشتريا بيتاً قبالة بيتي صديقين آخرين لها، وبعد أشهر صارت العائلات الثلاث تلتقي كل يوم من دونها. فبردت، وعقدت ذراعيها في كل لقاء، وصار صوتها حادّاً، حتى قالت عن نفسها إنها صارت إنذاراً متنقلاً. وتعترف: "ما كنت لأدعو نفسي إلى حفل شواء أيضاً". فالقرب لم يكن بيدها، لكن طاقتها كانت بيدها، وهي التي أنهت الصداقة.

وتنصح من شكا إليها أنه أخذ بالنظرية فلم يبقَ له أصدقاء بأن ينظر في الدعائم الثلاث قبل أن يحكم على أحد، وألّا يحاسب الناس على سرعة ردّهم، فمن لا يردّ قد يكون منشغلاً بأب مريض أو ابن متعثّر. ثم تروي كيف انتقلت في الرابعة والخمسين إلى بلدة صغيرة، فأمضت سنة في البيت تشكو الوحدة، حتى مرّت مع ابنتيها ببيت امرأة لقيتها مرة واحدة قبل ستة أشهر، فدفعتاها إلى أن تطرق الباب. فتح الزوج، فقالت إنها جديدة في البلدة ووحيدة، وأضافت البنتان: "أمّنا تحتاج إلى أصدقاء". وبعد أسبوع كانت تمشي مع جارتها في الطريق نفسه.

أن تريد لغيرك أن يتغيّر

صديقة لروبنز تريد من زوجها أن يُنقص وزنه، فرجته وبكت وعلّقت تعليقات جانبية، واشترت له اشتراك نادٍ رياضي وحذاء جديداً ودرّاجة ثابتة، وطبخت له طعاماً صحياً. فكان يبدأ حمية ثم يتركها، وهي غاضبة لأنه لا يتغيّر، وهو ضجر لأنها لا تكفّ. وتقول روبنز: "الضغط لا يصنع التغيير، بل يصنع مقاومته".

والبديل عندها أن يدع المرء الآخر، ثم يستعمل تأثيره بدل ضغطه. وأول ما تطلبه أن يسأل المرء نفسه لماذا يريد هذا التغيير، ثم يسأل لماذا خمس مرات، على طريقة "الأسباب الخمسة" التي ابتكرتها مصانع تويوتا. فلما سألت الصديقة نفسها، مرّت بأنه لا يهتمّ بصحته، ثم بأنه قدوة سيئة لأولاده، ثم بأنه لم يعد جذاباً، ثم بأنه أناني، حتى وصلت إلى: "أخاف أن أفقده". وتحت أكثر الإلحاح خوف، أو خجل من أن يُنسب إلينا ما يفعله من نحبّ.

ثم تقترح أن يبدأ الحديث باعتذار عن الضغط، وأن يطرح المرء أسئلة مفتوحة ويصغي دون أن يجادل، ثم يتراجع خطوة، ويعيش هو التغيير الذي يريده أمام الآخر، ويحتفي بكل محاولة صغيرة. وتسمّيها حلقة من ثلاث خطوات، وتقول إنها تحتاج ستة أشهر أو أكثر. وأقرب ما في علم النفس إليها المقابلة التحفيزية، التي تقوم على أن يجد الإنسان أسبابه هو للتغيير.

أن تساعد من يتعثّر دون أن تُنقذه

تبدأ روبنز هذا الجزء بقيد صريح، فمن يفعل شيئاً خطراً أو مدمّراً لنفسه يُتدخّل لحمايته، فتؤخذ منه مفاتيح السيارة، ويُطلب له العون، ويؤخذ إلى العلاج. ثم تفرّق بين الدعم والإنقاذ، فالداعم يرمي الكرة، والمنقذ يركض بها بدل صاحبها.

ومثالها من بيتها. حين أصاب القلق ابنتها في المرحلة المتوسطة، سمحت لها بأن تنام على فراش في أرض غرفة والديها ستة أشهر، فترسّخ القلق سنوات. ثم وضعت لها معالجة خطة، أن تعيدها الأم إلى سريرها كل مرة، فبكت الطفلة خمس ليال والأم تنتظر خلف الباب، وتقول إنها شعرت كأنها وحش. ويوافق هذا ما يعلّمه برنامج SPACE في جامعة ييل لآباء الأطفال القلقين، أن يكفّوا عن تسهيل التجنّب، وأن يقولوا للطفل إنهم يفهمون خوفه ويثقون بقدرته.

وتقول إن المال أقوى ما يملكه الأهل مع ابن راشد متعثّر، وإن المحبة غير المشروطة لا تعني دعماً مالياً غير مشروط، فالمال المشروط بالعلاج أو الدراسة دعم، وغير المشروط تمكين للمشكلة. وتروي أن أخا زوجها رفض أن يقرضهما في أسوأ أيامهما، فكان رفضه، كما تراه، ما دفع زوجها إلى ترك المطعم والنهوض.

غير أن الفصل يذكّر بعد ذلك بأن "دعهم" لا تعني أن يُتركوا وحدهم. فحين أصابها اكتئاب ما بعد الولادة، لم تسأل أحداً، وجاء الناس من تلقاء أنفسهم، ابنة عمّها نظّفت البيت، وأهلها قطعوا البلاد بالسيارة، وصديقة جلست معها، وأهل زوجها أخذوها إلى معرض للزهور. ومنه نصيحتها لمن يحبّ مكتئباً أو مفجوعاً، ألّا يسأله ماذا يحتاج، بل يأتي ومعه العشاء، ويفتح الستائر، ويملأ الثلاجة، ويرسل رسالة كل أسبوع يقول فيها إنه لا ينتظر رداً.

الحب: السلوك هو الجواب

في العلاقات العاطفية تعود روبنز إلى عبارتها الأولى، دعهم يُروك من هم. فالمرء لا يحتاج أن يفسّر الإشارات المختلطة، لأنها ليست مختلطة. ومن يراسل كثيراً ولا يحدّد موعداً، أو لا يظهر إلا حين يناسبه، قد قال ما عنده. وتقترح سؤالاً بسيطاً، لو عومل صديقك المقرّب بهذه الطريقة، فماذا كنت ستقول له؟

ومن هذا الجزء حكاية المدرّب ماثيو هَسي، الذي اعترف في برنامجها، وزوجته أودري جالسة إلى جانبه، بأنه كان يماطلها في أول علاقتهما. فجلست معه أودري، ولم تتّهمه بشيء، وحدّثته عمّا تريده هي، وعن قيمة وقتها، وأنها لا تقبل بأقل من علاقة ملتزمة. فترك غيرها والتزم.

وتقول إن العلاقات التي تدوم يجتمع فيها شرطان، أن يريد الاثنان أن تنجح ويعملا لها، وألّا يطلب استمرارها من أحدهما أن يتخلّى عن حلم أو قيمة، كأن يريد أحدهما أطفالاً والآخر لا يريد. وتنقل عن الباحث جون غوتمان أن أكثر الخلافات بين الأزواج دائمة، تعود لأنها تنبع من اختلاف الطباع. وتعترف بأن زوجها احتمل طويلاً تشتّتها وتأخّرها وصحونها المتروكة، ثم قرّر أن هذه ليست سبباً للفراق، وأن يدع ميل تكون ميل. ولمن انتهت علاقته خطوات عملية، ثلاثون يوماً بلا تواصل، وإبعاد ما يذكّر بالآخر، وتجديد غرفة النوم، وملء الأيام بالأصدقاء وبتحدٍّ جديد.

السماء والطقس

تختم روبنز بصورة تجمع الكتاب كله. فالناس أشبه بالطقس، يمطرون ويصحون ويعصفون، ولا يملك أحد أن يغيّر الطقس، لكنه يملك أن يحمل مظلّته. وتسمّي هذه المرحلة من حياة القارئ "عهد دعني"، ثم تعدّد في خاتمتها ما يكفّ عنه في كل باب من الكتاب، وما يبدأ به مكانه.

ما الذي يحتاج إلى حذر؟

العلم في الكتاب زينة أكثر منه دليلاً. لا هوامش في الكتاب، وقائمة مراجعه تخلط الدراسات بحلقات برنامج المؤلفة، وفيها مداخل مكرّرة وتواريخ مستحيلة. وأرقام كثيرة فيه لا تصمد، كالأفكار السبعين ألفاً التي تمرّ في رأس الإنسان كل يوم، ولا أصل لها، وكالقول إن المشاعر كلها تعلو وتهبط في تسعين ثانية، وهو تقدير لعالمة أعصاب لا نتيجة دراسة، وكالقول إن الدماغ يكتمل في الخامسة والعشرين. والفكرة نفسها لا تحتاج هذه الزينة، فهي من أقدم ما قيل. فقد بدأ إبكتيتوس مختصره بأن من الأمور ما هو بأيدينا ومنها ما ليس بأيدينا، ودعاء السكينة المشهور يطلب الصبر على ما لا يتغيّر والشجاعة لتغيير ما يتغيّر والحكمة للتمييز بينهما. ولا يذكر الكتاب الدعاء ولا نصّ إبكتيتوس.

الكتاب يعد أكثر مما يستطيع. تقول روبنز إن القارئ لا يعلق أبداً، وإنه يستطيع ترك عمله متى شاء، وإن كل ما ليس في حياته ذنبه، وإنه يستطيع أن يصير مليونيراً. وكثير من القرّاء العرب يعرفون من الإقامات والكفالات والأسواق الضيّقة والأهل المحتاجين ما يكذّب هذا. وتناقض روبنز نفسها، فهي تعترف في فصل المقارنة بأن الحياة ليست عادلة، ثم تقول في الخاتمة إن تفسير النجاح بالحظ والمال الموروث مجرّد تهرّب.

"دعهم" لا تصلح لكل حال. يضع الكتاب قيداً واحداً للخطر في أول فصل الإنقاذ، ثم ينساه. فهو يقول إن المدمن قد يحتاج أن يبلغ القاع، أن يُسجن أو يفقد عمله أو يصير بلا مأوى، مع أن البرنامج الأسري المعتمد في علاج الإدمان (CRAFT) يرفض انتظار القاع، ويبدأ بتقدير خطر العنف، ويُدخل إلى العلاج أكثر مما تُدخله المواجهة. ويقول إن قطع المال كله هو الحل الوحيد، دون أن يستثني المريض النفسي الذي قد يصير بلا بيت. ويطلب من الشريك أن يكفّ عن الشكوى أو ينهي العلاقة، دون أن يستثني الشريك المتسلّط أو العنيف. وتنبّه عالمة النفس سابينا ريد إلى أن العبارة قد تصير مخرجاً من الاعتذار وإصلاح العلاقة، ومن الحديث الصعب الذي تحتاجه. فإن كان في علاقتك عنف أو تهديد، أو كان من تحبّه في خطر على نفسه، فاترك الكتاب واطلب عون مختص.

ما الذي يبقى معك بعد القراءة

  • قل "دعهم"، ثم لا تقف عندها. الخطوة الأولى تهدّئك، والثانية، ماذا أفعل أنا الآن، هي التي تغيّر شيئاً.
  • اطلب مرة، ثم اعتنِ بنفسك. كما فعلت روبنز مع الراكب الذي يسعل، الطلب المهذّب حقك، وما بعده بيدك.
  • إن كان سيزعجك بعد ساعة، فافعل شيئاً. وإن لم يكن، فدعه.
  • حياتك الاجتماعية مسؤوليتك. ادعُ أنت، واطرق الباب أنت، وأعطِ الصداقة الجديدة سنة.
  • ادعم ولا تنقذ، ولا تترك وحده. واعرف أن الخطر والعنف والإدمان ليست مما يُترك.

لمن هذا الكتاب؟

هو لمن يُرهقه إرضاء الناس، ولمن يدير حياة أبنائه الكبار أو أصدقائه أو زوجه دون أن يدري، ولمن خرج من الجامعة فوجد نفسه بلا أصدقاء. ويفيد خاصة من يريد أداة بسيطة يحملها إلى مواقف يومه الصغيرة. ولن يجد فيه حاجته من يطلب علم نفس رصيناً، فأولى به أن يقرأ عن الرواقيين، ولا من يعيش في علاقة مؤذية، فحاجته إلى مختص لا إلى كتاب.

وفي الموقع ما يكمل الكتاب: التأملات لماركوس أوريليوس، والأصل الرواقي للتفريق بين ما بأيدينا وما ليس بأيدينا. وفكرة انزع الحكم يزُل الأذى، وفكرة الفسحة بين المثير والاستجابة. وفن اللامبالاة لمارك مانسون، عمّا يستحق اهتمامك. ومن أفكار هذا الكتاب: دعهم، ثم دعني، والضغط يصنع المقاومة، وادعم ولا تنقذ. ومسألة كيف تكوّن أصدقاء بعد سنوات الدراسة؟.

المصدر

قُرئ الأصل الإنجليزي كاملاً: The Let Them Theory، لميل روبنز مع سوير روبنز، دار Hay House، 2024، وروجعت الدراسات التي يستشهد بها في مصادرها. والاقتباسات مترجمة بتصرّف، وهذه الصفحة قراءة في الكتاب لا ترجمة له.

قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

الكتاب في الشبكة

ما الذي يتّصل بهذا الكتاب

  • ٣ أفكار
  • مسألة واحدة
فكرة: دعهم، ثم دعني دعهم، ثم دعني فكرة: الضغط يصنع المقاومة الضغط يصنع المقاومة فكرة: ادعم ولا تنقذ ادعم ولا تنقذ مسألة: كيف تكوّن أصدقاء بعد سنوات الدراسة؟ كيف تكوّن أصدقاء بعد سنوا…

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

نظرية التغافل: دع الآخرين، ثم ابدأ بنفسك