ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

كتاب · مدروس · قراءة في 33 دقيقة

الإنسان يبحث عن المعنى: الحرية التي لا تُنتزع

Man's Search for Meaning — Viktor E. Frankl

ويُعرف بالعربية أيضاً باسم الإنسان والبحث عن المعنى · بحث الإنسان عن المعنى · الانسان يبحث عن المعنى

شهادة فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الناجي من معسكرات النازية، عمّا عاشه فيها، وسؤاله عمّا يبقى للإنسان حين يُنتزع منه كل شيء. وفي جزء الكتاب الثاني خلاصة مدرسته التي سمّاها العلاج بالمعنى.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

غلاف كتاب الإنسان يبحث عن المعنى — فيكتور فرانكلFikrGraphدراسة كاملة

لماذا هذا الكتاب؟

قليلة هي الكتب التي كتبها رجل من داخل أقسى ما عرفه القرن العشرون، ثم خرج منها بسؤال يخصّ كل إنسان: ما الذي يبقى لك حين يُنتزع منك كل شيء؟ صفحاته عن المعسكر شهادة تسكن قارئها طويلاً، وصفحاته عن المعنى صارت لغة يتكلمها الأطباء والمعالجون وقرّاء لا يُحصَون.

حكم فكرغراف

ثقل الكتاب كله في جزئه الأول، في شهادة مقتصدة دقيقة الملاحظة يرى فيها طبيب نفسي نفسه ورفاقه وسجّانيه بعين واحدة، ويجد الحرية في أضيق مكان. غير أن فرانكل يجعل الشهادة برهاناً على نظرية سبقتها، فتنزلق بعض جمله إلى ربط النجاة بالقوة الروحية، ويقوم جزؤه الثاني على حالات من عيادته وأرقام لا يُعرف مصدرها. فليُقرأ شهادةً أولاً، ثم مدخلاً إلى مدرسة في العلاج لها ما يسندها، وفيها ما يُبالَغ فيه.

الفكرة المركزية

يمكن أن يُنتزع من الإنسان كل شيء إلا شيئاً واحداً، أن يختار موقفه مما يحدث له. وما يحرّكه أولاً إرادة المعنى، وهي أعمق فيه من طلب اللذة وطلب القوة. والمعنى يُكتشف في كل موقف بعينه ولا يُخترع في الرأس، فيجده الإنسان في عمل يؤدّيه، أو إنسان يحبّه، أو ألم لا مفرّ منه يحمله بكرامة. ولذلك يقلب فرانكل السؤال، فيسأل عمّا تنتظره الحياة من الإنسان، لا عمّا ينتظره هو منها.

في أواخر أكتوبر 1944، في الغرفة التي تسبق التعقيم في أوشفيتز، كان القادمون الجدد يُلقون ساعاتهم وحليّهم على بطانيات فُرشت على الأرض. وكان بينهم طبيب نفسي من فيينا في التاسعة والثلاثين، دنا من سجين قديم وأراه لفافة ورق يخبّئها في الجيب الداخلي لمعطفه، وقال له: "هذه مخطوطة كتاب علمي. أعرف ما ستقوله، أن أحمد حظي إن نجوت بحياتي. لكني لا أملك نفسي. لا بد أن أحتفظ بها بأي ثمن، ففيها عمل عمري".

تحوّلت ابتسامة الرجل إلى شفقة، ثم إلى سخرية، ثم إلى إهانة، ثم صرخ في وجهه بكلمة واحدة بذيئة من قاموس المعسكر. وفي تلك اللحظة، كما يكتب فيكتور فرانكل، "رأيت الحقيقة عارية، وفعلت ما كان ذروة المرحلة الأولى من استجابتي النفسية، فشطبت حياتي السابقة كلها".

كانت المخطوطة الصيغة الأولى لكتابه في (العلاج بالمعنى)، وقد ضاعت. وحين نُزعت عنه ثيابه أُعطي أسمال رجل سيق إلى غرفة الغاز فور وصوله، فوجد في جيب المعطف، مكان صفحات مخطوطته، صفحة واحدة ممزقة من كتاب صلوات عبري، عليها "اسمع يا إسرائيل"، أجلّ صلوات اليهود. فقرأ في هذه المصادفة دعوةً إلى أن يحيا أفكاره، وألّا يكتفي بتدوينها.

وفي هذا المشهد يكاد الكتاب يجتمع كله. فهذا رجل جُرّد من كل شيء، حتى من الكتاب الذي رأى فيه معنى حياته، ثم سأل هل بقي فيه ما لا يُنتزع. وجوابه أن الإنسان يبقى قادراً في أي ظرف على أن يختار موقفه مما يحدث له، وأن الذي يُبقيه حياً من داخله معنى يعيش من أجله.

من هو فيكتور فرانكل؟

وُلد فرانكل في فيينا سنة 1905، وصار طبيباً في الأعصاب والطب النفسي، وأشرف في الثلاثينيات على جناح المريضات اللواتي حاولن الانتحار في شتاينهوف، أكبر مستشفى حكومي في النمسا. وكانت فكرته الأساسية قد تكوّنت قبل الحرب، وهي أن أول ما يحتاج إليه الإنسان معنى يعيش له، فبنى عليها مدرسة علاجية سمّاها العلاج بالمعنى (logotherapy)، وعدّها غيره مدرسة فيينا الثالثة بعد فرويد وأدلر.

في سبتمبر 1942 رُحّل مع زوجته تيلي وأبويه إلى غيتو تيريزينشتات، فعمل هناك طبيباً، وهناك مات أبوه في فبراير 1943 من الإنهاك والجوع. وفي 19 أكتوبر 1944 نُقل إلى أوشفيتز-بيركيناو، فقُتلت أمه في غرفة الغاز ساعة الوصول، وبقي هو نحو ثلاثة أيام سجيناً لم يُسجَّل ولم يُعطَ رقماً. ومن هناك سيق إلى كاوفرينغ الثالث، أحد المعسكرات الفرعية التابعة لداخاو قرب لاندسبرغ في بافاريا، فقضى فيه نحو خمسة أشهر في السخرة، ورقمه 119104. وفي مارس 1945 نُقل إلى توركهايم ليعالج مرضى التيفوس، وفيه حرّره الجنود الأمريكيون في 27 أبريل 1945. فلما عاد إلى فيينا عرف أن تيلي ماتت في بيرغن-بيلزن، وأن أخاه فالتر قُتل في أوشفيتز، ولم يبقَ من أسرته القريبة إلا أخته ستيلا، وكانت قد هاجرت إلى أستراليا.

أملى الكتاب في تسعة أيام متتالية، وصدر في فيينا سنة 1946، وعنوانه عالم نفس يعيش معسكر الاعتقال. وكان يريده بلا اسم، حتى نزل في اللحظة الأخيرة عند إلحاح أصدقائه، فكُتب اسمه على صفحة العنوان. وفي سنة 1959 صدر بالإنجليزية ومعه عرض موجز لمدرسته صار جزءه الثاني، ثم أُضيفت إليه حاشية سنة 1984. ومات فرانكل سنة 1997 وقد جاوزت مبيعاته عشرة ملايين نسخة، وهي اليوم نحو ستة عشر مليوناً بنحو خمسين لغة.

وفي أوله إهداء من سطر واحد، "إلى ذكرى أمي"، ثم لا تعود الأم إلى صفحاته أبداً.

لماذا لم يهرب فرانكل من فيينا؟

يجيب في مقدمة طبعة 1992 بقصة. فقبيل دخول الولايات المتحدة الحرب دُعي إلى القنصلية الأمريكية ليتسلّم تأشيرة الهجرة، ففرح أبواه، وتردّد هو. أيرحل لينقذ "ابن عقله"، العلاج بالمعنى، أم يبقى لأبويه العجوزين؟ وتمنّى لو جاءته إشارة من السماء. فلما عاد إلى البيت وجد على الطاولة قطعة رخام التقطها أبوه من أنقاض أكبر كنيس في فيينا بعد أن أحرقه النازيون، وهي كسرة من لوحي الوصايا العشر عليها حرف عبري واحد مذهّب. سأل أباه أيّ وصية هذه، فقال: "أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض". فبقي، وترك التأشيرة تسقط، وذهب أبواه معه إلى تيريزينشتات، وهناك مات أبوه.

الجزء الأول: تجارب في معسكر الاعتقال

ترك فرانكل "الفظائع الكبرى" لمن رواها من غيره، وكتب عن "العذابات الصغيرة الكثيرة"، وسؤاله كيف انعكست الحياة اليومية في المعسكر على نفس السجين العادي. فهو يكتب عن "جيش الضحايا المجهولين"، وكان واحداً منهم: "كنت الرقم 119104، وقضيت أغلب الوقت أحفر وأمدّ قضبان السكك".

ولا يجمّل النجاة. فقد كانت إدارة المعسكر تختار من السجناء رئيساً على رفاقه يُسمّى (الكابو)، وكانت تختاره في الغالب من أقساهم، وكل اسم يُشطب من قائمة الترحيل يُكتب مكانه اسم آخر. ولهذا كتب جملته التي لا تزال تُقتبس: "نحن نعرف أن أفضلنا لم يعودوا".

للسجين في الكتاب ثلاث مراحل، الصدمة عند الوصول، ثم اللامبالاة حين يعتاد حياة المعسكر، ثم الغربة عن الذات بعد التحرير.

المرحلة الأولى: الصدمة

حُشر ألف وخمسمئة إنسان في قطار، ثمانون في كل عربة، أياماً وليالي، وهم يظنون أنهم ذاهبون إلى مصنع ذخيرة. ثم صاح أحدهم: "هناك لافتة، أوشفيتز!". وعند الفجر لاحت الأسلاك الشائكة وأبراج الحراسة، وصفوف من الهياكل البشرية الرثة. واستقبلهم سجناء ممتلئو الوجوه يمزحون، فحسبوا ذلك بشارة. وهذا ما يسمّيه فرانكل (وهم العفو)، وهو وهم المحكوم بالإعدام الذي يتشبّث قبيل التنفيذ بأمل أن يُعفى عنه في اللحظة الأخيرة.

بعد ذلك جاء الفرز. مرّ الرجال واحداً بعد واحد أمام ضابط من الإس إس، طويل نحيل في بزّة نظيفة، يسند مرفقه الأيمن بيده اليسرى، ويشير بسبّابته في تمهّل إلى اليمين أو إلى اليسار، وإلى اليسار أكثر. وكان فرانكل قد أخفى حقيبته تحت معطفه، فشدّ قامته كي لا تظهر، فتردّد الضابط، ثم وضع يديه على كتفيه وأداره ببطء إلى اليمين. وفي المساء فهموا ما تعنيه لعبة الإصبع، فقد كانت "الحكم الأول على وجودنا أو عدمه". فنحو تسعين في المئة من ركاب القطار، كما يقول، ذهبوا إلى اليسار، إلى مبنى كُتب على بابه "حمّام" بلغات عدة، وأُعطوا صابوناً. "ومن الرحمة أنني لا أحتاج أن أصف ما حدث بعد ذلك".

وفي ذلك المساء سأل عن صديق له، زميل من فيينا، فسأله سجين قديم إن كان صاحبه قد أُرسل إلى اليسار. قال نعم. فقال الرجل: "إذن تراه هناك"، وأشار إلى مدخنة تقذف اللهب في سماء بولندا الرمادية. ولم يفهم فرانكل، كما يقول، حتى شُرحت له الحقيقة بكلمات صريحة.

ثم نُزعت عنهم ثيابهم، وحُلق شعرهم كله، و"لم نعد نملك، حرفياً، إلا وجودنا العاري". وأخذتهم سخرية مُرّة، ودهشة من قدرة الجسد على الاحتمال، فهؤلاء تسعة رجال على رفّ واحد ببطانيتين، والأحذية الموحلة وسائدهم، ثم ينامون. "الكتب الطبية تكذب!". ويستشهد بدستويفسكي في أن الإنسان كائن يعتاد كل شيء، ثم يستدرك: "نعم، يعتاد كل شيء، لكن لا تسألونا كيف".

وما من أحد تقريباً إلا فكّر، ولو لحظة، في أن ينتحر بلمس السلك المكهرب. أما فرانكل فقطع على نفسه في ليلته الأولى عهداً ألّا يفعل.

في الصباح الأول تسلّل إليهم زميل سبقهم بأسابيع، وقد نحل حتى لم يكادوا يعرفونه، ونصحهم نصيحة واحدة، أن يحلقوا كل يوم ولو بقطعة زجاج، ولو دفعوا ثمن ذلك آخر قطعة خبز، فمن يبدو قادراً على العمل يعيش، ومن يعرج يُرسل إلى الغاز. وكان السجناء يسمّون من أوصله الجوع والإرهاق إلى حافة الموت فلم يعد يقدر على العمل الموزلمان (Muselmann). والكلمة من عاميّة المعسكر القاسية، لا يُعرف أصلها على وجه اليقين، ولا تعني المسلمين ولا تصفهم في شيء، فالموزلمان سجين بائس هزيل مريض سيُساق، "عاجلاً لا آجلاً"، إلى غرف الغاز. ثم أشار الزميل إلى فرانكل وقال للآخرين: "من بينكم جميعاً، هذا وحده من عليه أن يخاف الفرز القادم". ويكتب فرانكل بعدها كلمة واحدة: "وابتسمت".

وعلى هذه المرحلة كلها تصدق جملته التي سارت بين الناس: "الاستجابة غير الطبيعية لموقف غير طبيعي سلوك طبيعي".

المرحلة الثانية: اللامبالاة

بعد أيام أو أسابيع يدخل السجين فيما يسمّيه فرانكل (الموت العاطفي)، فيميت في نفسه الحنين إلى البيت، ثم الاشمئزاز، حتى يرى رفيقاً محموماً يُضرب مرة بعد مرة فلا يتحرّك فيه شيء. وهذه اللامبالاة قشرة تحمي صاحبها، إذ تذهب طاقته كلها إلى أن يبقى حياً.

ولا شيء يرسمها كما يرسمها مشهد في كوخ التيفوس. مات رجل، فتقدّم رفاقه واحداً بعد واحد وأخذوا ما بقي له، حبّات بطاطا، وحذاءه الخشبي، ومعطفه، وخيطاً. ثم جُرّ الجسد من قدميه، والرأس يرتطم بدرجتي الباب. وكان فرانكل يرتشف حساءه قرب النافذة، فرأى الميت ينظر إليه من خلف الزجاج بعينين زجاجيتين. "قبل ساعتين كنت أكلّمه. وواصلت ارتشاف حسائي".

غير أن الإهانة بقيت تؤلم أكثر من الضرب. رآه حارس مرة يتّكئ لحظة على مجرفته، وهو يصلح السكة في عاصفة ثلجية، فالتقط حجراً ورماه به ولم ينطق بكلمة، كما يُنادى حيوان لا يستحق حتى العقاب. وفي غابة متجمدة صرخ فيه رئيس عمال متورّد الخدّين في قفّازين دافئين: "أيها الخنزير! ماذا كنت؟ تاجراً؟". فقال إنه كان طبيباً اختصاصياً، فردّ الرجل: "لا شك أنك ربحت من الناس مالاً كثيراً". قال فرانكل إنه عمل أكثر عمره بلا أجر، في عيادات الفقراء. فطرحه أرضاً. ويقول إن الذي آلمه يومها رجلٌ يحكم على حياة لا يعرف عنها شيئاً، أكثر مما آلمته الضربة.

وكان كابو من ضباط الجيش يحكي له في الطريق إلى العمل متاعب زواجه، فيسمع منه نصيحة طبيب نفسي، فجعله في الصفوف الأولى من الطابور، ونقله سراً إلى فرقة أخرى بعد حادثة رئيس العمال. "أنقذ حياتي، وكانت تلك واحدة من مرات كثيرة أُنقذت فيها".

أما الجوع فحساء مائي مرة في اليوم، وقطعة خبز صغيرة. فلما نفد آخر ما في الأجساد من دهن صار الجسد يأكل نفسه، وصار أهل الكوخ يعرفون "من عليه الدور". وكان فرانكل ينظر في الليل إلى جسده العاري ويحدّث نفسه بأن "هذا الجسد، جسدي، جثة منذ الآن".

وحين نُقلوا من أوشفيتز إلى بافاريا مرّ القطار في منتصف الليل بفيينا، في الشارع الذي وُلد فيه فرانكل وعاش حتى اعتقاله. وكانوا يظنون أنهم ماضون إلى ماوتهاوزن ليموتوا، فنظر من الكوّة ورأى مدينته "بعيني ميت عاد من عالم آخر".

ما بقي في الداخل: الحب والجمال والضحك

مع ذلك كانت الحياة الروحية تتعمّق أحياناً. فالذي تعوّد حياة داخلية غنية كان يتألّم أكثر من غيره، ويتضرّر أقل، إذ كان يقدر على أن ينسحب إلى داخله.

ومن صفحات هذا الباب صفحة لا تُقرأ مرة واحدة. كانوا يسيرون إلى العمل في ظلام الفجر، والحراس يصرخون ويضربون بأعقاب البنادق، فهمس الرجل الذي بجانبه: "لو رأتنا زوجاتنا الآن! أرجو أن يكنّ في معسكراتهن أحسن حالاً منا". كانت النجوم تخبو، وضوء وردي ينتشر خلف الغيوم، وذهن فرانكل متشبّث بصورة زوجته. "سمعتها تجيبني، ورأيت ابتسامتها... وكانت نظرتها أشد إشراقاً من الشمس". وفهم يومها، لأول مرة في حياته، ما غنّاه الشعراء من أن "خلاص الإنسان بالحب وفي الحب".

كان يجهل أحيّة هي أم ميتة، إذ لم يكن في المعسكر بريد يدخل أو يخرج. ويكتب: "لو عرفت يومها أن زوجتي ماتت، لأظنّني كنت سأسلم نفسي لتأمّل صورتها كما فعلت". ولا يخبر الكتاب قارئه بما صار معروفاً اليوم، وهو أن تيلي كانت في تلك الأشهر في بيرغن-بيلزن، وهناك ماتت.

وكان للجمال في المعسكر مكان أيضاً. ففي مساء من أمسيات بافاريا نادى سجين رفاقه المنهكين ليخرجوا إلى ساحة التجمّع ويروا الغروب، وكانت الغيوم تتدرّج من الأزرق الفولاذي إلى الأحمر القاني، وبرك الماء في الطين تعكس السماء. وبعد دقائق من الصمت قال أحدهم: "كم يمكن أن يكون العالم جميلاً!". وفي فجر رمادي، في الخندق، كان فرانكل يجاهد ليجد سبباً لعذابه وموته البطيء، فسمع في داخله "نعم" منتصرة، وفي تلك اللحظة أُضيء نور في بيت ريفي بعيد، فتذكّر الآية من إنجيل يوحنا: "والنور يضيء في الظلمة".

أما الضحك فيسمّيه "سلاحاً آخر من أسلحة الروح في معركة البقاء"، لأنه يرفع الإنسان فوق موقفه ولو لثوانٍ. واتفق مع صديق جرّاح أن يخترع كل منهما كل يوم قصة مضحكة عن الحياة بعد التحرير، كأن يعود الجرّاح إلى غرفة العمليات فيستقبله الممرض صائحاً صيحة رئيس العمال "تحرّك! تحرّك!".

وإلى هذا الباب ينتمي قراره يوم طلب كبير أطباء المعسكر متطوعين لمعسكر للتيفوس، فلم يتقدّم من الأطباء إلا قليل. خالف فرانكل نصيحة أصدقائه وتطوّع، وقال: "إن كان لا بد أن أموت، فليكن لموتي على الأقل معنى".

آخر الحريات الإنسانية

بعد هذا كله يأتي السؤال الذي قام عليه الكتاب. إن كان المعسكر يصنع السجين على هذا النحو، فأين حرية الإنسان؟ أهو مجرد نتاج لظروفه البيولوجية والنفسية والاجتماعية؟

ويجيب عنه من التجربة نفسها: "نحن الذين عشنا في المعسكرات نذكر رجالاً كانوا يمرّون بين الأكواخ يواسون غيرهم، ويعطون آخر قطعة خبز معهم. قد يكونون قليلين، لكنهم يقدّمون دليلاً كافياً على أن كل شيء يمكن أن يُنتزع من الإنسان إلا شيئاً واحداً، هو آخر الحريات الإنسانية، أن يختار موقفه في أي ظرف، أن يختار طريقه".

فالسجين يصير ما يصيره بقرار داخلي، "لا بتأثير المعسكر وحده". ويستشهد فرانكل بعبارة ينسبها إلى دستويفسكي، "لا أخاف إلا شيئاً واحداً، ألّا أكون جديراً بآلامي". ويجد الإنسان المعنى في ثلاثة أبواب، أولها عمل يبدعه، وثانيها جمال أو فن أو طبيعة يعيشها، فإن أُغلق البابان بقي الثالث، وهو موقفه مما لا مهرب منه. "إن كان للحياة معنى، فلا بد أن يكون للألم معنى". (الطرق الثلاث إلى المعنى)

وعلى هذا الباب الأخير وقفت امرأة شابة عرفها في المعسكر، كانت تحتضر وتعرف أنها تحتضر، ومع ذلك كانت تتكلم بمرح، فتقول إنها شاكرة لأن القدر ضربها بهذه القسوة، "كنت في حياتي السابقة مدلّلة، ولم آخذ الأمور الروحية بجدّ". وأشارت من نافذة الكوخ إلى غصن كستناء عليه زهرتان، وقالت إن هذه الشجرة صديقتها الوحيدة في وحدتها. سألها هل تجيبها الشجرة، فقالت نعم، "تقول لي: أنا هنا، أنا هنا، أنا الحياة، الحياة الأبدية".

هذه، "آخر الحريات الإنسانية"، هي جملة فرانكل التي قالها حقاً. أما العبارة التي تُنسب إليه في كل مكان، "بين المثير والاستجابة فسحة..."، فلا وجود لها في هذا الكتاب ولا في سائر كتبه، ويضعها معهد فيكتور فرانكل في فيينا بين ما يُنسب إليه دون سند. (الفسحة بين المثير والاستجابة)

المستقبل الذي يُبقي الإنسان حياً

كان أشدَّ ما يُحبط السجين أنه لا يعرف متى ينتهي حبسه. وقد وصف عالمُ نفسٍ معروف حياة المعسكر بأنها "وجود مؤقت"، والأرجح أنه إميل أوتيتس الذي سُجن مع فرانكل في تيريزينشتات، وزاد فرانكل على الوصف قيداً واحداً، فهو وجود مؤقت "لا يُعرف له حدّ". وفي اللاتينية كلمة واحدة للنهاية والغاية معاً، هي finis، ومن لم يرَ لحبسه نهاية لم يجد غاية يسعى إليها، ومن كفّ عن أن يعيش لغده أخذ ينهار من داخله.

ولهذا الانهيار دواء صغير جرّبه فرانكل على نفسه. كان يعرج إلى العمل، وقدماه متقرّحتان، والريح باردة، ورأسه مشغول بتوافه لا تنتهي. أيأكل النقانق الليلة أم يقايضها بخبز؟ ومن أين يأتي بسلك يربط به حذاءه؟ فاشمأزّ من نفسه، وأجبر فكره على أن يستحضر صورة أخرى، يرى فيها نفسه على منصة في قاعة دافئة مضيئة يلقي محاضرة عن "علم نفس معسكر الاعتقال". فصار ما يعانيه موضوعاً لدراسة يجريها هو. ويستشهد هنا بسبينوزا، فالانفعال الذي هو ألم يكفّ عن أن يكون ألماً حين يكوّن صاحبه عنه صورة واضحة دقيقة.

أما من فقد إيمانه بالمستقبل، مستقبله هو، فقد هلك. كان يرفض ذات صباح أن يلبس أو يغتسل أو يخرج إلى التجمّع، ولا ينفع فيه رجاء ولا ضرب. وكان رئيس كوخ فرانكل ملحّناً معروفاً، حلم في فبراير 1945 أن صوتاً يخبره بأن الحرب ستنتهي، بالنسبة إليه، في الثلاثين من مارس. فلما اقترب اليوم ولم تأتِ أخبار الخلاص أصابته الحمّى في التاسع والعشرين، وفقد وعيه في الثلاثين، ومات في الحادي والثلاثين، "بالتيفوس في الظاهر". ويضيف فرانكل أن كبير أطباء المعسكر قال له إن الوفيات في الأسبوع بين عيد الميلاد 1944 ورأس السنة زادت زيادة لم يُعرف مثلها، لأن كثيرين كانوا يأملون أن يكونوا في بيوتهم في العيد.

ولذلك اتخذ فرانكل عبارة نيتشه شعاراً لكل علاج نفسي مع السجناء: "من عرف لماذا يعيش، احتمل أيّ كيف تقريباً". (من عرف لماذا يعيش، احتمل أيّ كيف)

هنا يقلب فرانكل السؤال كله. فلمن يقول "لم يعد عندي ما أنتظره من الحياة"، يجيب: "لا يهمّ ماذا ننتظر نحن من الحياة، بل ماذا تنتظر الحياة منا". فالحياة تسأل الإنسان كل يوم وكل ساعة، وجوابه عن سؤالها فعل صحيح وسلوك مستقيم، ولا يُجاب عنه بالكلام ولا بالتأمل. ومهمة كل إنسان تختلف عن مهمة غيره، فإن كان قدره أن يتألم، فألمه مهمته الفريدة، ولا ينوب عنه فيه أحد.

ولمّا كانت قوانين المعسكر تمنع إنقاذ من يحاول الانتحار، كانت الوقاية كل شيء. وقد جاءه رجلان قال كل منهما إنه لم يعد ينتظر من الحياة شيئاً، فبحث معهما عمّا تنتظره الحياة منهما. فإذا للأول طفل يحبه وينتظره في بلد بعيد، وللثاني، وكان عالماً، سلسلة كتب لم تكتمل ولا يكتبها غيره. ومن عرف أن أحداً ينتظره، أو أن عملاً ينتظره لا يقدر عليه غيره، "لن يستطيع أن يرمي حياته، فهو يعرف لماذا يعيش".

خطبة في الظلام

سرق رجل جائع بعض البطاطا من المخزن، فطُلب من المعسكر أن يسلّمه، وإلا صام الألفان وخمسمئة سجين يوماً كاملاً، ففضّلوا الصيام. وفي ذلك المساء انطفأ النور في الكوخ، فتكلم رئيسه، "وكان رجلاً حكيماً"، عمّن ماتوا في الأيام الأخيرة بالمرض والانتحار، وقال إن السبب الحقيقي لموتهم أنهم فقدوا الأمل، ثم طلب من فرانكل أن يتكلم.

وكان فرانكل بارداً جائعاً متعباً، لكنه تكلم. بدأ بالعزاء الصغير، فسألهم كم منهم خسر ما لا يُعوَّض، فالصحة والعائلة والمهنة والمال يمكن أن تعود، و"ما زالت عظامنا سليمة". وتكلم عن المستقبل بصدق، فقدّر فرصته هو في النجاة بواحدة من عشرين، وقال إنه مع ذلك لا ينوي أن يستسلم، إذ لا يعرف أحد ما تحمله الساعة القادمة. وتكلم عن الماضي: "ما كان قد كان، وهذا أيضاً نوع من الوجود، ولعله أثبت أنواعه". وختم بأن أحداً ينظر إلى كل واحد منهم في الساعات الصعبة، صديقاً أو زوجة، حياً أو ميتاً، أو الله، ويرجو ألّا يخيّبه، وأن يراه يتألم بكرامة.

فلما عاد النور رأى رفاقه البائسين يعرجون نحوه ليشكروه، والدموع في عيونهم. ويعترف بعدها بأنه قلّما وجد في نفسه القوة ليكلّم رفاقه هكذا، وأنه لا بد ضيّع فرصاً كثيرة.

القرار والقدر

كان السجناء يخافون أن يقرّروا، فيتركون القدر يختار عنهم. وفي ذلك يروي فرانكل حكاية الموت في طهران. رأى خادمٌ الموتَ في حديقة سيده الفارسي، ففرّ إلى طهران على أسرع خيول سيده. ثم لقي السيدُ الموتَ فعاتبه، فقال الموت إنه لم يهدّد الخادم، وإنما عجب أن يراه هنا، وموعده معه الليلة في طهران.

وحين اقتربت الجبهة سنحت له فرصة للهرب مع صديق. وفي جولته الأخيرة على المرضى وقف عند مواطنه النمساوي الوحيد بينهم، وكان يحتضر، فسأله بصوت متعب: "وأنت أيضاً ستخرج؟". أنكر فرانكل، لكنه لم يحتمل نظرته. فقرّر فجأة، "لمرة واحدة، أن آخذ قدري بيدي"، وقال لصديقه إنه سيبقى مع مرضاه. "وشعرت بسلام داخلي لم أعرفه من قبل".

في اليوم الأخير فرّت إدارة المعسكر والكابوات والطبّاخون، ثم جاءت سيارة الصليب الأحمر، ثم جاء رجال الإس إس في الليل بشاحنات، ودودين على غير عادتهم، يقولون إن آخر السجناء سيُنقلون إلى سويسرا في تبادل للأسرى. وفاتت فرانكل وصديقه الشاحنة قبل الأخيرة، إذ لم يُكتب اسماهما في قائمتها، أما الأخيرة فلم تأتِ. وبعد أسابيع رأى صوراً من معسكر صغير قريب، فإذا الرفاق الذين أُخذوا "إلى الحرية" قد حُبسوا في أكواخه وأُحرقوا أحياء. "وتذكّرت مرة أخرى الموت في طهران".

الحراس: سلالتان من البشر

كان بين الحراس، كما يقول، ساديون بالمعنى الطبي للكلمة، غير أن أكثرهم كانوا قد تبلّدوا، فلا يشاركون في القسوة ولا يمنعونها، وكان منهم من يرحم. فقائد المعسكر الذي تحرّر فيه فرانكل كان يشتري الدواء للسجناء سراً من ماله، ولم يرفع يده على أحد منهم، على حين كان رئيس السجناء في المعسكر نفسه، وهو سجين مثلهم، أقسى من أي حارس. ولمّا دخل الأمريكيون خبّأ ثلاثة شبّان من اليهود المجريين هذا القائد في الغابة، ولم يسلّموه حتى وعدهم الضابط الأمريكي ألّا يمسّه سوء.

ومن هذه المفارقة خرجت جملته: "في هذا العالم سلالتان من البشر، ولا ثالث لهما، سلالة الإنسان الكريم، وسلالة الإنسان اللئيم"، ولكل جماعة نصيبها من السلالتين. وقد وضع فرانكل كلمة السلالة بين علامتي تنصيص، فقلب على النازيين لغتهم العرقية. ويذكر رئيس عمال دسّ له سراً قطعة خبز وفّرها من فطوره، فبكى فرانكل، وكان الذي أبكاه "الشيء الإنساني" في الكلمة والنظرة اللتين رافقتا الخبز.

بعد التحرير

خرج السجناء من البوابة خائفين يتلفّتون، يكررون كلمة "الحرية" ولا يفهمونها. ومرّوا بمروج مزهرة فلم يشعروا بشيء. وفي المساء سأل أحدهم صاحبه سراً: "قل لي، هل فرحت اليوم؟"، فأجابه خجلاً "بصراحة، لا". كانوا قد فقدوا القدرة على الفرح، كما يكتب فرانكل، "وكان علينا أن نتعلّمها من جديد ببطء".

وبعد أيام مشى فرانكل وحده أميالاً بين الحقول، والقبّرات تصعد مغرّدة. "توقّفت، ونظرت حولي وإلى السماء، ثم جثوت على ركبتيّ"، وكرّر جملة واحدة من المزامير: "دعوت الربّ من ضيقي، فأجابني في رحابة الفضاء". "في ذلك اليوم، في تلك الساعة، بدأت حياتي الجديدة".

تنتظر العائد مع ذلك ثلاثة أخطار، يسمّيها فرانكل واحداً واحداً. أولها أن يصير المظلوم ظالماً. فقد جرّه صديق مرة عبر حقل شوفان أخضر كان فرانكل يتحاشى أن يدوس زرعه، وصاح به: "زوجتي وطفلي قُتلا بالغاز، وتمنعني أن أدوس بضع سيقان من الشوفان!". وجواب فرانكل في سطر واحد: "لا يحقّ لأحد أن يظلم، ولو ظُلم". والخطر الثاني مرارة يجدها العائد في نفسه من أهل بلده، وهم يقابلونه بهزّة كتف وعبارتين، "لم نكن نعرف" و"نحن أيضاً تألّمنا". والثالث أشدّها، وهو أن يعود الرجل إلى البيت الذي حلم به آلاف المرات، ويضغط الجرس، فلا يفتح له من كان ينتظره، ولن يفتح أبداً. يرويها فرانكل بضمير الغائب، ولا يصعب على القارئ أن يرى فيها عودته هو إلى فيينا سنة 1945.

وآخر ما في الجزء الأول أن "أعظم ما يعيشه العائد أن يشعر، بعد كل ما احتمل، أنه لم يعد في الدنيا ما يخافه، إلا ربه".

الجزء الثاني: العلاج بالمعنى في سطور

في أول الجزء الثاني نكتة. سأل طبيب أمريكي فرانكل أن يلخّص له في جملة واحدة الفرق بين مدرسته والتحليل النفسي، فقال إن المريض في التحليل النفسي يستلقي على أريكة ويقول أشياء يصعب عليه قولها، وفي العلاج بالمعنى يجلس منتصباً ويسمع أشياء يصعب عليه سماعها. ووراء النكتة جدّ، فهذا علاج ينظر إلى الأمام، إلى المعنى الذي ينتظر المريضَ ليحقّقه، ويكسر دوائر انشغاله بنفسه بدل أن يغذّيها.

إرادة المعنى

يذهب فرانكل إلى أن ما يحرّك الإنسان أولاً إرادة المعنى، ويضعها في مقابل (إرادة اللذة) التي قال بها فرويد، و(إرادة القوة) التي قال بها أدلر. ويأبى أن يكون المعنى قناعاً تتخفّى وراءه الغرائز، "فلا أرضى أن أعيش من أجل آليات دفاعي، ولا أن أموت من أجل تكويناتي العكسية".

فإذا أُحبطت هذه الإرادة كان ذلك (إحباطاً وجودياً)، وهو في نظره ليس مرضاً. وقد جاءه دبلوماسي أمريكي قضى خمس سنوات في التحليل النفسي بنيويورك، وكان محلّله يفسّر له ضيقه بعمله كرهاً لأبيه. ورأى فرانكل بعد جلسات قليلة أن الرجل لم يجد في عمله معنى، فغيّر الرجل مهنته، وكان راضياً بعد خمس سنوات. فاليأس من قيمة الحياة "كرب وجودي، لا مرض نفسي"، ولا ينبغي للطبيب أن يدفنه تحت كومة من المهدّئات.

والصحة النفسية تقوم على "السعي والكفاح من أجل غاية تستحق"، ولا تطلب حالاً يخلو من التوتّر. ويستعير لذلك صورة من العمارة، فالقوس المتهالك يُقوّى بزيادة الحمل عليه، لأن أجزاءه تتماسك تحت الثقل.

الفراغ الوجودي

مرض العصر في رأيه الفراغ الوجودي، وهو شعور المرء بأن الحياة كلها بلا معنى. ويردّه إلى خسارتين متعاقبتين، إذ خسر الإنسان قديماً الغرائز التي تقود الحيوان، ثم خسر حديثاً التقاليد التي كانت تقوده. "لا غريزة تقول له ما يجب أن يفعله، ولا تقليد يقول له ما ينبغي أن يفعله، وأحياناً لا يعرف حتى ما يريد أن يفعله". فإما أن يفعل ما يفعله الناس، وإما أن يفعل ما يريده الناس منه. وأظهر علاماته الملل، ومنه (عُصاب الأحد)، وهو اكتئاب يأتي حين يتوقّف الأسبوع المزدحم فيظهر الفراغ.

معنى الحياة

ليس لمعنى الحياة جواب عام، ومن يسأل عنه كمن يسأل بطل شطرنج عن أفضل نقلة في العالم. فالنقلة لا تكون أفضل إلا في موقف بعينه أمام خصم بعينه. وكذلك لكل إنسان مهمة لا يحلّ فيها غيره محلّه.

وعلى هذا يصوغ ما يسمّيه (الأمر المطلق) في مدرسته: "عش كأنك تعيش للمرة الثانية، وكأنك أخطأت في المرة الأولى بالخطأ الذي توشك أن ترتكبه الآن".

أما المعالج في هذه المدرسة فأقرب إلى طبيب العيون منه إلى الرسّام، فالرسّام يريك العالم كما يراه هو، وطبيب العيون يساعدك على أن ترى العالم كما هو. ومهمته أن يوسّع مجال رؤية المريض حتى يرى بنفسه المعاني الممكنة أمامه. ذلك أن المعنى يوجد في العالم، خارج النفس، وتحقيق الذات لا يأتي إلا أثراً جانبياً لتجاوزها نحو عمل أو إنسان. ويعود هنا إلى الأبواب الثلاثة، فيجعل الحب أعلى ما في الباب الثاني.

معنى الألم

جاءه طبيب عجوز أثقله الاكتئاب، فقد ماتت قبل سنتين زوجته التي أحبها فوق كل شيء. فلم يعظه فرانكل، واكتفى بسؤال: "ماذا لو متّ أنت أولاً، وعاشت هي بعدك؟". قال الرجل: "كان هذا سيكون فظيعاً عليها، كم كانت ستتألم!". قال فرانكل: "فأنت الذي جنّبتها هذا الألم، وثمن ذلك أن تبقى أنت وتحزن عليها". فصافحه الرجل صامتاً وخرج هادئاً. ولم يتغيّر في قدره شيء، وإنما تغيّر موقفه منه، إذ "الألم يكفّ عن أن يكون ألماً حين يجد معنى، كمعنى التضحية".

غير أنه يضع هنا حداً تُسقطه أكثر الملخّصات، وهو أن الألم ليس شرطاً للمعنى. فالمعنى ممكن رغم الألم إن كان الألم لا مفرّ منه، أما إن أمكن تجنّبه "فالفعل ذو المعنى أن تزيل سببه، نفسياً كان أو جسدياً أو سياسياً. فأن تتألم بلا ضرورة مازوخية لا بطولة".

ويعود فرانكل هنا إلى صفحة الصلاة التي وجدها في جيب المعطف. كان رفاقه يسألون هل سينجون، فإن لم ينجوا فلا معنى لهذا العذاب. أما سؤاله هو فكان مقلوباً، هل لهذا العذاب، ولهذا الموت من حوله، معنى؟ فإن لم يكن، فلا معنى للنجاة أصلاً، لأن حياة يتوقّف معناها على الحظ لا تستحق أن تُعاش.

في جلسة جماعية كانت بين الحاضرين أمّ مات ابنها في الحادية عشرة، فحاولت أن تنتحر مع ابنها الآخر المشلول، فمنعها الابن نفسه لأنه "يحب الحياة". وطلب فرانكل من امرأة أخرى في الثلاثين أن تتخيّل نفسها في الثمانين على فراش الموت، تنظر إلى حياة بلا أطفال، مليئة بالمال والمكانة، فقالت: "كانت حياتي فشلاً". ثم طلب من الأم أن تفعل الشيء نفسه، فقالت وهي تبكي: "جعلت ابني إنساناً أفضل... لم تكن حياتي فشلاً".

المعنى الأعلى

خذ قرداً يُحقن مرة بعد مرة ليُصنع من دمه مصل لشلل الأطفال. أيستطيع أن يفهم معنى ألمه؟ لا، لأن ذكاءه لا يبلغ عالم الإنسان. فهل يمكن أن يكون فوق عالم الإنسان عالم يُجاب فيه عن معنى ألمه هو؟ هذا ما يسمّيه (المعنى الأعلى)، وهو فوق طاقة العقل، فما يُطلب من الإنسان أن يحتمل عجزه عن إدراكه، لا أن يحتمل العبث. و"المعنى أعمق من المنطق".

وجاءه حاخام من أوروبا الشرقية فقد زوجته الأولى وأولاده الستة في أوشفيتز، وكانت زوجته الثانية عاقراً، فيئس لأنه لن يكون له ابن يقرأ عليه صلاة الموتى. وعرف فرانكل بعد حديث معه أن ما يعذّبه أن أولاده ماتوا شهداء ولهم أعلى المنازل، وأنه هو، "العجوز الآثم"، لا يرجو أن يلحق بهم. فقال له إن معنى بقائه قد يكون أن يتطهّر بهذا الألم حتى يصير أهلاً لأن يلحق بهم، واستشهد بالمزمور "اجعل دموعي في زقّك". فوجد الرجل راحة لأول مرة منذ سنين. وكان فرانكل يعمل هنا من داخل إيمان مريضه.

الحصاد المخزون

لا يُلغي الموت المعنى. فالذي يزول هو الإمكانات، أما ما تحقّق منها فقد خُزن، و"لا يضيع في الماضي شيء، وكل شيء فيه محفوظ". والمتشائم كرجل ينزع كل يوم ورقة من تقويمه، ويرى التقويم يرقّ فيخاف، والآخر ينزع الورقة، ويكتب على ظهرها ما عاشه في يومه، ويحفظها مع أخواتها. ولذلك لا يرى فرانكل سبباً لأن يحسد العجوزُ الشابَّ، فللشاب إمكانات، وللعجوز حقائق، "العمل الذي أنجزه، والحب الذي أحبّه، والآلام التي احتملها بشجاعة".

النية المتناقضة: حين يفسد الحرص ما تحرص عليه

للمدرسة جانب تقني، أساسه أن الخوف يجلب ما يُخاف منه، فمن يخاف أن يحمرّ وجهه يحمرّ أكثر، ومن يجاهد لينام لا ينام. وعلاج ذلك النية المتناقضة، وهي أن يتمنّى المريض، ولو لحظة، ما يخافه بالذات. كان طبيب شاب يخاف أن يعرق أمام الناس، فأشار عليه فرانكل بأن يقرّر، كلما لقي أحداً، أن يريه كم يستطيع أن يعرق: "عرقت لتراً من قبل، والآن سأصبّ عشرة!". فتحرّر في أسبوع من خوف دام أربع سنوات. (النية المتناقضة) ويضيف إليها (صرف الانتباه)، وهو أن يحوّل الإنسان انتباهه عن نفسه وعرَضه إلى العمل أو إلى الشريك، إذ "مفتاح الشفاء أن يتجاوز الإنسان نفسه".

على أن هذه الحالات قصص من عيادته لم تمتحنها تجارب مضبوطة، وفي قوله إن الطريقة تنفع "أيّاً كان سبب العُصاب" مبالغة. وأمتن ما بقي منها اليوم استعمالها في الأرق عند بدء النوم، جزءاً من العلاج المعرفي السلوكي، وهي وحدها لا تُعدّ علاجاً قائماً بذاته. أما الرهاب والوسواس القهري فعلاجهما المعتمد اليوم العلاج بالتعرّض، وهو يشاركها فكرتها الأساسية، أن تقترب مما تخافه بدل أن تحاربه أو تهرب منه.

حرية أن تتخذ موقفاً

في آخر الجزء يردّ فرانكل على النظرة التي ترى الإنسان "ليس إلا" نتاج الوراثة والبيئة. فحرية الإنسان محدودة، لكنها "ليست حرية من الظروف، بل حرية أن يتخذ موقفاً منها". ويقول: "أنا أستاذ في الأعصاب والطب النفسي، وأعرف إلى أي حد يخضع الإنسان لظروفه... لكنني أيضاً ناجٍ من أربعة معسكرات، معسكرات اعتقال، وأشهد بأن الإنسان قادر على أن يتحدّى أسوأ الظروف إلى حد لا يُتوقّع". والمعسكرات الأربعة هي تيريزينشتات وأوشفيتز وكاوفرينغ وتوركهايم.

أما مثاله على أن الإنسان لا يُتنبّأ به فرجل يسمّيه "الدكتور ج."، ويُعرف بسفّاح شتاينهوف، أدار في فيينا بحماسة برنامج النازيين لقتل المرضى العقليين، ولم يصف فرانكل أحداً بالشيطاني غيره. وبعد سنوات سمع من سجين عاد من سجون الاتحاد السوفييتي أن الرجل مات في الأسر، وكان فيه "أفضل رفيق يمكن أن تتخيّله". والرجل هو إرفين ييكيليوس، مات في معسكر سوفييتي سنة 1952، ولا سند لرواية تحوّله إلا شاهد واحد.

ولمّا كانت الحرية بلا مسؤولية تنحدر في نظره إلى عبث، اقترح أن يُقام على الساحل الغربي لأمريكا "تمثال للمسؤولية" يقابل تمثال الحرية في الشرق. ولم يُبنَ التمثال حتى اليوم، فهو مشروع خاص يُخطَّط له في ولاية يوتا، وإن كانت نسخة برونزية أصغر منه قد أُزيح عنها الستار في سان دييغو سنة 2025.

وفي الفصل الذي يعرض فيه عقيدته الطبية يقرّر أن الإنسان لا يفقد حريته كلها حتى في الذهان، وأن المريض الذي لا يُرجى شفاؤه قد يفقد نفعه، وتبقى له مع ذلك كرامته، ولولا ذلك لكان قتل المرضى مبرّراً. ويطوي الجزء على جملة يعدّها كوشنر من أكثر جمل القرن العشرين تديّناً: "الإنسان هو الكائن الذي اخترع غرف الغاز في أوشفيتز، وهو أيضاً الكائن الذي دخلها مرفوع الرأس، والصلاة الربانية، أو صلاة اسمع يا إسرائيل، على شفتيه".

الحاشية: دفاعاً عن تفاؤل مأساوي

في محاضرة ألقاها سنة 1983 وأضافها إلى الكتاب سنة 1984، يسأل فرانكل كيف يقول الإنسان "نعم" للحياة رغم كل شيء. ويسمّي ثالوثاً مأساوياً لا تخلو منه حياة، هو الألم والذنب والموت. والتفاؤل المأساوي أن يصنع الإنسان من كل واحد منها خير ما يمكن، فيحوّل الألم إلى إنجاز إنساني، والذنب إلى فرصة ليتغيّر، وقِصَر الحياة إلى دافع إلى أن يعمل بمسؤولية.

السعادة لا تُطلب

السعادة في رأيه لا تُدرَك بالمطاردة. فالإنسان يحتاج إلى سبب ليسعد، فإذا وجده سعد دون أن يطلب، كما يأتي الضحك من النكتة ولا يأتي بالأمر. وقد قال في مقدمته الشيء نفسه عن النجاح، فكلما صوّبت نحوه أخطأته، وهو يأتي أثراً جانبياً لتفانيك في قضية أكبر منك.

وغياب المعنى قد يقتل. كان السجين الذي يرفض ذات صباح أن يقوم يُخرج سيجارة خبّأها ويدخّنها، "فنعرف أننا سنراه يموت في الثماني والأربعين ساعة التالية". وفي عصرنا، يقول، صار للناس "ما يعيشون به، وليس لهم ما يعيشون من أجله". وفي سنة 1933 عالج شبّاناً عاطلين يرون أن من لا عمل له لا معنى لحياته، فأقنعهم أن يتطوّعوا في جمعيات الشباب والمكتبات، فزال اكتئابهم وإن بقي جوعهم كما كان. "لا يحيا الإنسان بالمعونة وحدها".

أما الذين حاولوا الانتحار فكان يخبرهم بأن كثيراً من المرضى قالوا له بعد أسابيع وسنوات إنهم سعداء لأن محاولتهم فشلت، إذ جاءهم حلّ لم يتوقّعوه. ثم يقول للمريض: "حتى لو حدث هذا في حالة واحدة من ألف، فمن يضمن لك أنها ليست حالتك؟ لكن عليك أولاً أن تعيش حتى ترى ذلك اليوم".

ومن أمثلته جيري لونغ، شابّ شُلّ من رقبته إلى قدميه في السابعة عشرة بحادث غوص، فصار يكتب بعصا يمسكها بفمه، وكتب "كسرتُ رقبتي، لكنها لم تكسرني"، ثم صار معالجاً نفسياً. ومع ذلك يكرّر فرانكل حدّه، فالأولوية دائماً لتغيير الحال إن أمكن تغييرها، أما الفضل الأعلى فلمن يعرف كيف يحمل ما لا يمكن تغييره.

الذنب

يرى فرانكل أن تفسير الجريمة كلها بالوراثة والنفس والمجتمع يجعل المجرم آلة تحتاج إلى إصلاح، وينزع عنه أنه إنسان يُحاسب. ولذلك قال لنزلاء سجن سان كوينتين إنهم كانوا أحراراً حين ارتكبوا ما ارتكبوا، وإنهم مسؤولون الآن عن أن يتجاوزوه بأن يتغيّروا، "فشعروا أنهم فُهموا". ومن هنا أيضاً رفضه فكرة الذنب الجماعي. وحين لامته أمريكية لأنه ما زال يكتب بالألمانية، "لغة هتلر"، سألها: أفي مطبخك سكاكين؟ فكيف تستعملينها وقد قتل القتلة بمثلها ضحاياهم؟

الموت

يقيس فرانكل قيمة الإنسان بما عاشه، ولا يقيسها بنفعه اليوم. والمجتمع الذي يعبد الناجحين السعداء الشبّان يخلط بين أن يكون الإنسان ذا قيمة لأنه نافع، وأن يكون ذا قيمة لأنه إنسان. ويذكر الراهب البولندي ماكسيميليان كولبي، الذي تطوّع في أوشفيتز ليموت مكان سجين محكوم، فجُوّع ثم قُتل بحقنة من حمض الكربوليك، وأُعلن بعد ذلك قدّيساً. ثم يستشهد بآخر سطر في كتاب الأخلاق لسبينوزا، "كل شيء عظيم صعب بقدر ما هو نادر"، فالكرماء سيبقون قلّة، وفي هذا دعوة للقارئ إلى أن ينضمّ إليهم.

وفي آخر الكتاب سطران: "منذ أوشفيتز نعرف ما الإنسان قادر عليه. ومنذ هيروشيما نعرف ما الذي في الميزان".

تمهيد كوشنر وخاتمة وينسليد

يقرأ الحاخام هارولد كوشنر الكتاب قراءة رجل دين، فيراه كتاباً عن مصادر القوة على البقاء أكثر منه كتاباً عن العذاب، وكتاباً "متديّناً في عمقه". أما الفيلسوف ويليام وينسليد فيلخّص في الخاتمة سيرة فرانكل وأفكاره، ويضيف تصحيحاً نافعاً، وهو أن النجاة في المعسكرات كانت مزيجاً من الإرادة وغريزة البقاء ولطف الآخرين والفطنة و"الحظ الأعمى". ولم تخلُ خاتمته من خطأين. فهو يقول إن مليوناً ونصف مليون قُتلوا في أوشفيتز، والرقم المعتمد عند متحف أوشفيتز نحو مليون ومئة ألف، منهم نحو مليون يهودي. ويقول إن تيلي ماتت حاملاً، والحقيقة أن الزوجين أُكرها على إنهاء الحمل قبل الترحيل.

وفي آخر الخاتمة حكاية صغيرة. سأل فرانكل طلابه أن يخمّنوا معنى حياته كما صاغه هو في جملة، فأصاب أحدهم الجملة بحروفها: "معنى حياتك أن تساعد الآخرين على أن يجدوا معنى حياتهم".

ما الذي يبقى معك بعد القراءة

  • حين لا تملك أن تغيّر ما يحدث لك، يبقى لك أن تختار موقفك منه. وهذه حرية لا يملك أحد أن ينتزعها منك، غير أنها لا تعمل حتى تمارسها.
  • اسأل ما الذي ينتظره منك هذا الموقف بعينه، ودع عنك ما تنتظره أنت من الحياة، وليكن جوابك فعلاً.
  • فتّش عمّا تعيش من أجله في الأبواب الثلاثة: عمل تؤدّيه، وإنسان تحبه أو جمال تعيشه، وموقف كريم مما لا مفرّ منه.
  • غيّر ما يمكن تغييره أولاً، فالألم الذي يمكن تجنّبه لا معنى في احتماله.
  • لا تطارد السعادة ولا النجاح، وتفانَ في شيء أكبر منك، فإن جاءا جاءا أثراً جانبياً، وإن لم يأتيا بقي لك المعنى.

بين الشهادة والنظرية: أين يحسن التمهّل؟

  • أوشفيتز في عنوان القصة. قضى فرانكل في أوشفيتز نحو ثلاثة أيام، وجرى أغلب ما يرويه في كاوفرينغ وتوركهايم، ولا يذكر الكتاب تيريزينشتات التي قضى فيها أكثر من سنتين. وهو نفسه يقول في أول الجزء الأول إن أكثر أحداثه جرت في المعسكرات الصغيرة، ثم يضيف أن "أكثر الإبادة الحقيقية" كانت فيها، وهذا غير صحيح، فأكثر الضحايا قُتلوا في معسكرات الإبادة وفي الإعدامات الجماعية في الشرق. ويرى المؤرخ تيموثي بايتل أن تقديم الكتاب، ثم تمهيد كوشنر، يوهمان القارئ بإقامة طويلة في أوشفيتز، ويردّ ألكسندر باتياني من معهد فرانكل بأن فرانكل لم يدّعِ ذلك قط. والرجلان متفقان على قِصَر المدة، وخلافهما في الانطباع الذي تركه التقديم.
  • الشهادة في خدمة النظرية. يقول فرانكل نفسه إن الجزء الأول "برهان وجودي" على نظرية سبقت الحرب. ولهذا تقع فيه جمل يأخذها النقاد عليه، كقوله إن من سقطوا هم الذين أرخوا "قبضتهم الداخلية"، أو إن أكثر السجناء عاشوا "عيش النبات". ويرى نقّاد، منهم لورنس لانغر، أن هذه اللغة تلمّح إلى أن من ماتوا استسلموا. وفي الكتاب نفسه ما يردّ هذه القراءة، إذ يكتب أن "أفضلنا لم يعودوا"، والنجاة جاءت "بمصادفات كثيرة أو معجزات". وأكثر من ماتوا ماتوا قتلاً أو جوعاً أو مرضاً، ولم يكن فقدان المعنى ما أهلكهم. ومن هذا الباب قصة الملحّن الذي مات في الحادي والثلاثين من مارس، وما رواه كبير الأطباء عن وفيات عيد الميلاد، فهما حالة واحدة وتفسير طبيب واحد بلا أرقام، في شتاء اشتد فيه البرد والجوع والتيفوس معاً.
  • الأرقام والحالات. في الجزء الثاني والحاشية نسب من استطلاعات بلا مصدر ولا منهج، عن الطلاب والمدمنين وأهل فيينا، وحالات من عيادته يُشفى فيها مرضى في جلسة واحدة. وللعلاجات القائمة على المعنى سند حديث في دراسات قليلة، ولا سيّما مع مرضى السرطان المتقدّم، أما سند طريقة فرانكل نفسها في علاج العُصاب فضعيف. فخير ما يُقرأ به هذا الجزء أن يُعدّ فلسفة في العلاج تُلهم صاحبها، وهو لا يقوم مقام الدليل السريري، ولا يُغني عن طبيب ولا عن علاج معتمد. وفي الحاشية أيضاً سهو في تاريخ، إذ تجعل إعلان كولبي قدّيساً سنة 1983، وكان ذلك في أكتوبر 1982.

لمن هذا الكتاب؟

هو لمن يمرّ بما لا يملك تغييره، كمرض يطول أو انتظار لا يُعرف آخره، ولمن فقد أحداً أو عاش غريباً. ولمن يسأل عن معنى عمله وحياته بعد أن تحقّق له ما كان يطلبه. ولمن يرافق الناس في ساعاتهم الصعبة، طبيباً كان أو معالجاً أو معلّماً أو أباً. وهو قصير، يُقرأ في يومين، ويُعاد إليه سنين. وليس لمن يبحث عن تاريخ للمعسكرات النازية، فهو شهادة رجل واحد عن نفسه ورفاقه، ولا لمن يريد دليلاً علاجياً مبنياً على التجارب.

ومن بقيت معه عبارة نيتشه وجد تاريخها واستعمال فرانكل لها في من عرف لماذا يعيش، احتمل أيّ كيف، ومن شغلته أبواب المعنى وجدها مفصّلة في الطرق الثلاث إلى المعنى، ومن أراد حيلة الطبيب الذي كان يخاف العرق فهي في النية المتناقضة. ولمن يعيش ظرفاً لا حيلة له فيه خطوات عملية في كيف تجد معنى في ظرف لا تستطيع تغييره؟. وللعبارة التي تُنسب إلى فرانكل وليست له صفحة تتبّع أصلها، الفسحة بين المثير والاستجابة. أما كيف بنى ستيفن كوفي على حرية فرانكل نظاماً للحياة اليومية، ففي العادات السبع للناس الأكثر فعالية.

المصدر

طبعة دار بيكن (Beacon Press، 2006)، وفيها تمهيد هارولد كوشنر، ومقدمة 1992، والجزء الأول بترجمة إلزه لاش عن الألمانية، والجزء الثاني، وحاشية 1984، وخاتمة ويليام وينسليد؛ وتواريخ ترحيله وتنقّله بين المعسكرات موافقة لما عند معهد فيكتور فرانكل في فيينا وموقع ذكرى معسكرات لاندسبرغ وكاوفرينغ، والأقوال المتداولة باسمه مردودة إلى مصادرها. وبالعربية صدر الكتاب بعنوان الإنسان والبحث عن المعنى، بترجمة طلعت منصور (مكتبة الأنجلو المصرية)، وبترجمة عبد المقصود عبد الكريم (2020)، ويعرفه القرّاء باسم الإنسان يبحث عن المعنى.

قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

الكتاب في الشبكة

ما الذي يتّصل بهذا الكتاب

  • ٣ أفكار
  • مسألة واحدة
فكرة: من عرف لماذا يعيش، احتمل أيّ كيف من عرف لماذا يعيش، احتمل… فكرة: النية المتناقضة: حين يفسد الحرص ما تحرص عليه النية المتناقضة: حين يفسد… فكرة: الطرق الثلاث إلى المعنى الطرق الثلاث إلى المعنى مسألة: كيف تجد معنى في ظرف لا تستطيع تغييره؟ كيف تجد معنى في ظرف لا تس…

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

الإنسان يبحث عن المعنى: الحرية التي لا تُنتزع