ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

كتاب · مدروس · قراءة في 35 دقيقة

التأثير: علم نفس الإقناع

Influence, New and Expanded: The Psychology of Persuasion — Robert B. Cialdini

ويُعرف بالعربية أيضاً باسم التأثير علم نفس الإقناع · كتاب التأثير · علم نفس الإقناع · مبادئ الإقناع السبعة · روبرت تشالديني · روبرت سيالديني · روبرت ب. سيالديني · روبرت شالديني · Influence Robert Cialdini

في كتاب التأثير يجمع روبرت تشالديني ما يجعل الناس يقولون نعم في سبعة مبادئ، لكل منها قصصه وتجاربه، وطريقة يحتمي بها القارئ منه.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

غلاف كتاب التأثير — روبرت تشالدينيFikrGraphدراسة كاملة

لماذا هذا الكتاب؟

أكثر ما نوافق عليه في يومنا يمرّ دون تفكير، وتكفيه هدية صغيرة أو زحام على باب متجر. وتشالديني يسمّي هذه الإشارات واحدة واحدة، ويُري القارئ كيف يزيّفها من يريد أن يبيعه، وكيف يعرفها قبل أن يوافق.

حكم فكرغراف

قيمة الكتاب في خريطته، سبعة مبادئ لكلٍّ منها مشاهد تعلق بالذاكرة، وتجارب، وباب في الدفاع، وفي أخلاقه الصريحة التي تفصل بين من يستعمل الإشارة الصادقة ومن يزيّفها. على أنّ بعض تجاربه الشهيرة أصغر أثراً مما يرويه، وبعضها لم يثبت حين أُعيد، وصاحبه يبيع الاستشارة في المبادئ التي يكتب عنها. فليقرأه القارئ أولاً ليحمي قراره، ثم ليتعلّم منه، إن شاء، كيف يُقنع بصدق.

الفكرة المركزية

لا يملك الإنسان من الوقت والطاقة ما يزن به كل طلب يُعرض عليه، فيعتمد على اختصارات تنفعه في أغلب الأحوال، فيردّ الجميل، ويوافق من يحبّ، ويتبع الناس حين لا يعرف، ويثق بالخبير، ويطلب النادر، ويبقى على ما التزم به، وينحاز إلى من يراه من جماعته. وهذه الاختصارات نفسها رافعات جاهزة في يد من يعرفها، ومن زيّف إشاراتها أدار بها الناس إلى ما يريد. والخطر في هذا التزييف، لا في استعمال الاختصار نفسه.

كان لصديقة لروبرت تشالديني متجرُ حليّ في أريزونا، وفيه قطع من الفيروز الجيد لا يشتريها أحد، وموسم السيّاح في أوجه. نقلتها إلى واجهة في وسط المتجر، وأوصت البائعات بعرضها على الزبائن، فلم يتغيّر شيء. وفي الليلة التي سبقت سفرها تركت لكبيرة البائعات ورقة كتبتها على عجل: "كل ما في هذه الواجهة، السعر × ½"، وقد عزمت أن تتخلّص من القطع ولو خسرت. فلما عادت وجدتها قد بيعت كلها، وبضعف سعرها، إذ قرأت البائعة النصف اثنين.

لم يتغيّر في الفيروز شيء غير الرقم المكتوب على بطاقته، وكان الرقم وحده كافياً، فأكثر الزبائن سيّاح ميسورون لا يعرفون الفيروز، ومعهم قاعدة قلّما تخذلهم، أن الغالي جيد. وبهذه الحكاية يفتتح تشالديني أول فصوله، ومنها يبني كتاباً كاملاً عن اللحظة التي نقول فيها نعم قبل أن نفكّر.

وفي المقدّمة اعتراف يسبق الحكاية: "طوال حياتي كنت لقمة سائغة". كان الباعة وجامعو التبرّعات وأصحاب العروض من كل نوع يخرجون منه بما يريدون. فأخذ عالم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية أريزونا يسأل لماذا يقول الناس نعم. ودرس السؤال في المختبر سنوات، ثم خرج إلى حيث تُصنع الموافقة كل يوم، فقضى نحو ثلاث سنوات متخفّياً في برامج تدريب باعة المكانس والمجلات، وفي وكالات الإعلان وجمع التبرّعات، يسجّل ما يعلّمه المحترفون لموظفيهم.

صدر الكتاب سنة 1984، يوم كان زملاؤه يرون في الكتابة لعامة الناس انتقاصاً من قدر العالِم، ثم بيعت منه ملايين النسخ بأربع وأربعين لغة، حتى قالت له زميلة بولندية إن طلابها يحسبونه ميتاً، لفرط ما اشتهر كتابه. وفي الطبعة الجديدة الموسّعة (2021) مبدأ سابع، وأبواب عن الإقناع على الإنترنت، ورسائل من قرّاء يروون ما جرّبوه.

وأطروحته أن أكثر ما نوافق عليه تمرّره اختصارات ذهنية تعمل لصالحنا في أغلب الأحوال، قبل أن يبلغ التفكير. ولأنها تعمل من تلقاء نفسها، يكفي أن يزيّف أحدٌ إشارتها حتى نوافق.

إشارة واحدة تكفي: كيف تعمل الاختصارات الذهنية

يستعير تشالديني أول أمثلته من علماء سلوك الحيوان. فأنثى الديك الرومي أمّ حنون، غير أن أمومتها تكاد تتعلّق بصوت واحد تصدره الفراخ، "تشيب تشيب"، فإن لم يصدره الفرخ أهملته، وربما قتلته. وفي تجربة مشهورة جُرّ إليها بخيط ابنُ عرس محشوّ، وهو من ألدّ أعدائها، فهاجمته بضراوة، حتى وُضع في جوفه جهاز يردّد صوت الفراخ، فإذا هي تجمعه تحت جناحيها. ويرى علماء السلوك اليوم أن هذه البرامج أقل جموداً مما ظُنّ، وأن الصوت يكفّ هجومها أكثر مما يوقظ أمومتها كلها، وتبقى الصورة مع ذلك صادقة، إذ تكفي الإشارة الواحدة أحياناً لتجرّ وراءها سلوكاً كاملاً. ولهذا سمّى تشالديني هذه الآلية بعبارة تتردّد في كتابه كله، "اضغط، فينطلق" (click, run)، كأن الإشارة زرّ، ما إن يُضغط حتى ينطلق السلوك وحده.

وليس الإنسان ببعيد عن هذا. طلبت عالمة النفس إلين لانغر من الواقفين في طابور آلة التصوير في مكتبة أن يتركوها تسبقهم. فلما قالت: "عندي خمس صفحات، هل أستعمل الآلة قبلك لأنني مستعجلة؟" وافق 94%، ولما طلبت بلا سبب وافق 60%. ثم سألت: "هل أستعمل الآلة قبلك لأنني أحتاج أن أصوّر بعض الأوراق؟"، وهو سبب لا يقول شيئاً، فكل من في الطابور جاء ليصوّر، ومع ذلك وافق 93%. فقد عملت "لأن" وحدها عمل الصوت عند أنثى الديك الرومي.

للدراسة نصف آخر لا يذكره الكتاب إلا تلميحاً، فحين صار الطلب عشرين صفحة لم ينفع السبب الفارغ شيئاً، ووافق نحو ربع الناس كأنه لم يُذكر سبب، ولم يرتفع العدد إلا مع السبب الحقيقي. فـ"لأن" تعمل وحدها ما دامت الكلفة تافهة، فإذا ارتفعت أصغى الناس إلى السبب نفسه. وهذا يوافق ما يقوله تشالديني بعد صفحات، من أن الإنسان يفكّر حين تجتمع له الرغبة والقدرة.

ولا يعدّ تشالديني هذه الاختصارات غباءً. فالغالي جيد في أكثر الأحوال، والخبير أعلم من غيره، ومن راهن على إشارة تصدق غالباً كان أعقل ممن يحاول أن يزن كل شيء بنفسه طوال عمره. غير أن الناس يعودون إليها حتى في أخطر القرارات حين يستعجلون أو يتعبون أو ينفعلون، كطاقم الطائرة يرى خطأ قائده ولا يصحّحه، وهو ما يسمّيه أهل الطيران (داء القبطان).

في الطبيعة، كما في الأسواق، من يقلّد الإشارة ليصطاد بها. فإناث اليراع من بعض الأنواع تقلّد ومضات نوع آخر، فإذا جاءت ذكوره تطلب التزاوج أكلتها. وفي الأسواق تقييمات مزيّفة، وأسعار مرفوعة توحي بالجودة، وأصحابها يستعملون قوة المبدأ نفسه، على طريقة لاعب الجوجيتسو، والضحية تحسب أنها قرّرت بنفسها.

وأول ما يمثّل به لذلك مبدأ التباين، فإذا رأينا شيئين مختلفين واحداً بعد الآخر رأينا الثاني أبعد عن الأول مما هو. رافق تشالديني متخفّياً وكيل عقارات اسمه فيل، فوجد في قائمته بيتين رديئين بسعر مبالغ فيه، لا يريد بيعهما، وإنما يُريهما الزبائن أولاً، فيبدو البيت الحقيقي بعدهما رائعاً. وفي مطار أوهير بشيكاغو أعلن موظف لشركة طيران، مازحاً، أن من يتنازل عن مقعده سيأخذ عشرة آلاف دولار، ثم أعلن العرض الحقيقي، مئتي دولار، فبدا فتاتاً، ولم يتقدّم أحد حتى رفعه إلى خمسمئة. (حين نوافق قبل أن نفكّر)

مبادئ الإقناع السبعة

يردّ تشالديني آلاف الأساليب التي يستعملها الباعة وجامعو التبرّعات والمعلنون إلى سبعة مبادئ، كل واحد منها اختصار نافع في أصله، وهي المعاملة بالمثل، والمودّة، والدليل الاجتماعي، والسلطة، والندرة، والالتزام والاتساق، والوحدة. ويستثني عمداً المصلحة المادية، لأنها أمر مفروغ منه، فكل الناس يريدون أن يأخذوا أكثر ويدفعوا أقل. ولكل مبدأ فصل يعرض قوته ومشاهده، ويُختم بباب عنوانه الدفاع.

المعاملة بالمثل: الجميل الذي يُردّ

نحاول أن نردّ لمن أعطانا مثل ما أعطى، وهذه قاعدة لا يكاد يخلو منها مجتمع. ويراها تشالديني من أعمدة الحضارة، فقد أتاحت للإنسان أن يعطي دون أن يخسر ما أعطاه، إذ صار العطاء ديناً على الآخذ، فقام عليها تبادل الطعام والسلع والعون. ولهذا يُربّى الناس عليها منذ الصغر، ويسمّون من لا يردّ الجميل جاحداً.

وفي أواخر الستينيات أجرى دينيس ريغان تجربة تُظهرها بجلاء. جلس طالب مع شاب اسمه جو يقيّمان لوحات فنية، وكان جو في الحقيقة مساعداً للباحث. وفي الاستراحة كان جو يعود أحياناً بزجاجتي كوكاكولا، له وللطالب، ويعود أحياناً بيدين فارغتين. وبعد ذلك طلب من الطالب أن يشتري منه تذاكر يانصيب، فاشترى من أخذ الزجاجة ضعف ما اشتراه غيره. وفي التجربة ما هو أبعد من ذلك، فحين أهدى جو لم تعد المودّة تفسّر شيئاً، واشترى منه من كرهه بقدر ما اشترى من أحبّه.

ثلاث خصال تجعل القاعدة سهلة الاستغلال. فهي تغلب في الغالب ما يعارضها من الدوافع، وتعمل حتى في الهدية التي لم نطلبها، كملصقات العناوين التي ترفقها الجمعيات الخيرية برسائلها، وتدفعنا إلى أن نردّ أكثر مما أخذنا. وعلى هذه الخصال تقوم العيّنة المجانية، وهي هدية في صورة تعريف بالمنتج. ففي متجر حلوى بكاليفورنيا زاد احتمال الشراء 42% عند من أُعطي قطعة حين دخل، والطريف أنه اشترى أنواعاً غير التي ذاقها، فلم يكن الطعم ما دفعه إلى الشراء.

في الفصل نصيحة صغيرة يُنتفع بها كل يوم. فإذا شكرك أحد على معروف، فلا تقل "لا شيء، كنت سأفعله لأي أحد"، لأنك بهذا تطفئ القاعدة. وقل كما قال تشالديني لرجل شكره لأنه تنازل له عن مقعده في الطائرة: "أنا متأكد أنك كنت ستفعل الشيء نفسه لو كنت مكاني".

التنازل يُردّ بتنازل

وللقاعدة وجه ثانٍ. أوقف صبيّ من الكشافة تشالديني في الشارع، وعرض عليه تذاكر لعرض سيرك، التذكرة بخمسة دولارات، فاعتذر. فاقترح عليه الصبي أن يشتري إذن بعض ألواح الشوكولاتة، اللوح بدولار، فاشترى لوحين، ثم وقف يتأمّل ما جرى، ويقول في نفسه "أنا لا أحب الشوكولاتة، وأحب الدولارات". كان الصبي قد تراجع عن طلب كبير إلى طلب أصغر، فبدا تراجعه تنازلاً، فردّ عليه تشالديني بتنازل مثله.

حوّل تشالديني القصة إلى تجربة. فقد سأل فريقه طلاباً في الحرم الجامعي أن يرافقوا مجموعة من الأحداث الجانحين في رحلة إلى حديقة الحيوان، فوافق 17%. وسألوا آخرين أولاً أن يتطوّعوا لإرشاد هؤلاء الأحداث ساعتين كل أسبوع مدة سنتين، فرفضوا جميعاً، فلما عرضوا عليهم الرحلة بعد ذلك وافق 50%. وسمّى الأسلوب (الرفض ثم التراجع)، ومعناه أن تطلب أولاً ما سيُرفض، ثم تتراجع إلى ما كنت تريده من البداية.

يرى فيه سرّ موافقة رجال حملة نيكسون على خطة التجسّس التي انتهت بفضيحة ووترغيت. كانت الخطة الثالثة التي عرضها غوردون ليدي، بعد واحدة بمليون دولار وثانية بنصف مليون، فبدت الثالثة بربع مليون معقولة، ولم يعترض عليها إلا رجل غاب عن الاجتماعين الأولين. وهي قراءة ذكية، يصفها تشالديني بأنها "التفسير المعقول الوحيد"، وليست كذلك، فالمؤرخون يذكرون معها ضغط البيت الأبيض.

الدفاع: سمِّ الحيلة باسمها

ورفض كل هدية لا يحمي أحداً. كانت ابنة زميل لتشالديني، في العاشرة من عمرها، توزّع الزهور على الأجداد في يوم مفتوح بمدرستها، فزجرها رجل يسألها ماذا عليه أن يعطي في المقابل. قالت: "لا شيء، إنها هدية"، وجُرحت حتى أُعفيت من مهمتها. فمن رفض كل معروف خسر المعروف الصادق، وجرح أهله.

الصواب أن يُقبل المعروف بحسن نية، فإذا تبيّن أنه حيلة بيع سُمّي باسمه، فسقط الدين، إذ "القاعدة تقول إن المعروف يُردّ بمعروف، ولا تقول إن الحيلة تُردّ بمعروف".

المودّة: اللصّ الودود

الموافقة أسهل على من نحبّه، وأبسط ما تُستعمل به هذه الحقيقة في التجارة أن يأتي الطلب من صديق بدل البائع. ففي حفلات تابروير المنزلية تجتمع المبادئ كلها، غير أن البائع الحقيقي، في رأي تشالديني، صاحبة البيت، فهي صديقة كل من في الغرفة، وتربح من كل قطعة تُشترى، فيشتري الناس "من صديقة ولأجلها".

فإذا لم يجد البائع صداقة جاهزة صنعها. كان جو جيرارد يبيع سيارات شيفروليه في ديترويت، ويرسل كل شهر إلى زبائنه، وهم أكثر من ثلاثة عشر ألفاً، بطاقة لا يُكتب فيها غير "أنا أحبك" واسمه. ويسأل تشالديني لماذا أحبّه الناس، فيجيب بخمسة أسباب.

الجاذبية. للجمال (هالة) تجعلنا ننسب إلى الجميل الموهبة واللطف والأمانة والذكاء دون أن نشعر. ويقول الناس إن المظهر لا يؤثّر في قراراتهم، والتجارب تقول غير ذلك في الانتخابات والتوظيف والأجور.

التشابه. نحب من يشبهنا في الرأي والذوق والنشأة، حتى في التفاصيل التافهة. أرسل باحث استبيانات باسم قريب من اسم المستلم، فإذا كان المستلم روبرت غرير جاءته الرسالة من بوب غريغار، فتضاعف تقريباً عدد من أجابوا. ويقول تشالديني إن اختلاق التشابه خداع، أما البحث عن التشابه الحقيقي وذكره ففضيلة.

الثناء. الناس، بعبارته، "ضحايا مثاليون للمديح". ففي تجربة بكارولاينا الشمالية أحبّ الرجال من أثنى عليهم، وإن عرفوا أنه يريد منهم شيئاً، وإن لم يصدق في ثنائه، وإن كانت الحاشية تذكر أن من يرى المتملّق من خارج المشهد يكرهه. ويعترف تشالديني بأن أكبر تقصيره أنه كان يحجب المديح المستحق، ويقترح طريقتين صادقتين، أن تثني على الإنسان في غيابه أمام من سينقل كلامك إليه، وأن تثني على الصفة دون الفعل، فتعطيه سمعة يحرص عليها. ومن طريف ما في الكتاب أنه كشف للمدرّبين الذين تعلّم منهم متخفّياً أن اسمه ليس روب كولدر، فاحمرّت الوجوه، حتى قال إنه أستاذ جامعي جاء يتعلّم منهم، فقالوا: "تقصد أننا كنا أساتذتك؟"، وأذنوا له أن يكتب عنهم.

الألفة والتعاون. يزيدنا تكرار اللقاء ألفة، إلا إذا جرى اللقاء في جوّ منافسة، فإنه يزيد العداوة. ففي مخيّم صيفي بأوكلاهوما سنة 1954 قسّم عالم النفس مظفّر شريف صبياناً فريقين، فأشعلت المباريات بينهما الشتائم والغارات. ثم صنع الباحثون أزمات لا تُحلّ إلا بالتعاون، كانقطاع الماء عن المخيّم، وشاحنة طعام تعطّلت فجرّها الصبيان جميعاً، فهدأت العداوة. والتعاون نفسه قد يُصطنع، فقد كان بائع سيارات اسمه غاري يتظاهر بأنه يخاصم المدير من أجل زبونه، فيدخل مكتبه ويشرب قهوته ساكتاً، ثم يخرج وقد أرخى ربطة عنقه، ومعه السعر الذي كان في رأسه من البداية.

الارتباط. ما يقترن بنا من خير أو شرّ ينتقل إلينا. اتصل مذيع النشرة الجوية في قناة محلية بقسم علم النفس في جامعة تشالديني يسأل: "لماذا يلومونني يا دكتور؟"، فقد جاءته رسائل كراهية في موسم الفيضانات. فحامل الخبر السيئ يُكره وإن لم يصنعه. ولهذا يقرن المعلنون منتجاتهم بالمشاهير، ويقول مشجّع الفريق الجامعي "فزنا" إذا فاز فريقه، و"خسروا" إذا خسر.

الدفاع: افصل البائع عن السيارة

والدفاع هنا لا يحتاج إلى معرفة السبب، فأكثر أسباب المودّة تعمل دون أن نشعر بها. ويكفي أن تسأل نفسك في منتصف الصفقة: "في الدقائق الخمس والأربعين التي عرفته فيها، هل أحببت هذا الرجل أكثر مما كنت أتوقّع؟". فإن كان الجواب نعم ففرّق في ذهنك بينه وبين السيارة، فأنت "ستخرج من المعرض بالسيارة لا بالبائع"، واحكم على العرض وحده. ولا تنقلب عليه، فبعض الناس محبوبون بطبعهم، وقد يكون عرضه جيداً.

الدليل الاجتماعي: الصواب ما يفعله الناس

علّقت سلسلة مطاعم في بكين على بعض أطباقها لافتة تقول إنها الأكثر طلباً، فزادت مبيعات كل طبق منها بين 13% و20%، وصار الطبق يُطلب لأنه يُطلب. وعلى هذا يعرّف تشالديني المبدأ، فالإنسان يرى الفعل صواباً بقدر ما يرى غيره يفعله. وهذا اختصار سليم في أكثر الأحوال، فخطأ من يتبع الناس أقل في الغالب من خطأ من يخالفهم. ولمّا اخترع سيلفان غولدمان عربة التسوّق سنة 1937 لم يدفعها أحد في متاجره، حتى استأجر أناساً يتجوّلون بها بين الرفوف، فتبعهم الزبائن.

ويشتدّ أثره في ثلاثة أحوال، حين لا نعرف ما الصواب، وحين يكثر من يفعلون الشيء، وحين يشبهوننا.

حين لا نعرف. كتب طالب دنماركي إلى المؤلف أنه كان في قطار توقّف في مترو لندن بلا أي إعلان، فانتقل بضعة ركاب إلى القطار المقابل، فتبعهم نحو مئتين، وكان منهم. ثم عاد بضعة إلى القطار الأول، فعاد الجميع، وأحسّ، كما كتب، كأنه ديك رومي بلا عقل. وفي الحوادث يصير الشك قاتلاً، إذ ينظر كل واحد إلى الآخرين ليعرف هل الأمر طارئ، والكل يتظاهر بالهدوء، فيطمئن كلٌّ إلى هدوء غيره. ولهذا يقول تشالديني إن المارّة لا يساعدون "لأنهم غير متأكدين، لا لأنهم قساة".

ويذكر قصة كيتي جينوفيزي، التي قُتلت في نيويورك سنة 1964 و"ثمانية وثلاثون من جيرانها يتفرّجون"، كما كتبت نيويورك تايمز، ويقرّ بأن الباحثين كشفوا ما اختُلق من تفاصيلها، فبعض الجيران اتصل بالشرطة، ونزلت جارة فاحتضنتها. بل إن دراسة حديثة لتسجيلات كاميرات المراقبة في ثلاثة بلدان وجدت أن واحداً على الأقل من الحاضرين تدخّل في أكثر من 90% من المشاجرات.

على هذا يبني نصيحة يعدّها أثمن ما في الكتاب كله. فإذا احتجت إلى مساعدة وسط الناس فالصراخ وحده لا يكفي، واختر واحداً بعينه، وأشر إليه، وقل: "أنت، يا صاحب السترة الزرقاء، أحتاج إلى مساعدة. اتصل بالإسعاف". فبهذا تزيل الشك، وتعطي رجلاً واحداً مهمة، فإذا تحرّك تبعه غيره. وقد جرّبها تشالديني بنفسه بعد حادث سير عنيف، فأشار إلى سائقين بأعينهم، فجاءت المساعدة سريعاً، وصار غيرهم يتوقّف من تلقاء نفسه.

حين يكثر الناس. كان المصفّقون المأجورون في دور الأوبرا بباريس، في القرن التاسع عشر، يأخذون الأجر عن كل فرد، لأن الأفراد المتفرّقين في القاعة يوحون بكثرة أكبر. وفي تجربة شارك فيها تشالديني بكاليفورنيا عُلّقت على أبواب البيوت رسائل تدعو إلى توفير الكهرباء، بعضها من أجل البيئة، وبعضها من باب المسؤولية الاجتماعية، وبعضها من أجل المال، وواحدة تقول "أكثر جيرانك يحاولون توفير الطاقة". فوفّرت الأخيرة ثلاثة أضعاف ونصف ما وفّرته أي رسالة أخرى، وقد كان السكان أنفسهم يتوقّعون أن تكون أضعفها أثراً. فالكثرة تخبرنا أن الفعل صواب، وأنه ممكن، وأن أحداً لن يستغربه منّا.

حين يشبهوننا. حاول تشالديني شهرين أن يعلّم ابنه كريس، وهو في الثالثة، أن يسبح دون عوّامة، واستأجر لذلك مدرّب سباحة، ففشلا. ثم قفز كريس في مخيّم نهاري إلى الماء العميق، وقال لأبيه: "أنا عمري ثلاث سنوات، وتومي عمره ثلاث سنوات، وتومي يسبح بلا عوّامة، إذن أنا أستطيع". فقد تعلّم من صبي في سنّه ما لم يتعلّمه من شاب يقارب طوله مترين.

الخطأ الكبير في حملات التوعية

وينبّه تشالديني إلى خطأ تقع فيه حملات توعية كثيرة، وهو أن تحارب سلوكاً سيئاً بالشكوى من انتشاره. ففي مدخل غابة الأشجار المتحجّرة في أريزونا لوحة تقول إن الزوار يسرقون منها أربعة عشر طناً من الخشب في السنة، "قطعة صغيرة كل مرة". قرأتها خطيبة طالب سابق لتشالديني، وكانت أشدّ من عرف أمانة، فهمست: "علينا أن نأخذ قطعتنا نحن أيضاً". فالشكوى من كثرة من يرتكبون الخطأ تحمل في بطنها رسالة أخرى، أن كثيرين يرتكبونه.

جرّب فريقه لافتات مختلفة في ممرّات الغابة. فاللافتة التي قالت إن كثيراً من الزوار أخذوا الخشب، وعليها صورة ثلاثة يأخذونه، رفعت السرقة إلى نحو 8% من القطع المعلّمة. ويقول الكتاب إن لافتة عليها لصّ واحد خفّضتها إلى أقل من 2%، لأنها أوحت بأن السارقين قلّة. والدراسة المنشورة أدقّ من ذلك، فالفائزة كانت لافتة نهي تقول "لا تأخذوا الخشب المتحجّر من الغابة"، وعليها صورة زائر واحد يأخذه مشطوبة بخط أحمر. أما اللافتة التي قالت إن أغلب الزوار تركوا الخشب فسُرق معها 5% من القطع، ولم تكن خيراً من غيرها. فلا تعلن أن كثيرين يرتكبون الخطأ، وانهَ عنه صراحة.

ويعترف تشالديني بخطأ وقع فيه هو. فقد كان ينصح الشركات الناشئة بألا تعتمد على الدليل الاجتماعي ما دام زبائنها قلّة، ثم وجد مع زملائه أن عبارة "قلة من الطلاب يوفّرون الماء" زادت استهلاكه، وأن عبارة "قلة يوفّرون، لكن عددهم يزيد منذ سنتين" خفّضته أكثر من أي رسالة أخرى. فالاتجاه الصاعد دليل اجتماعي على ما سيكون.

الدفاع: الطيّار الآلي

ويصوغ تشالديني دفاع هذا الباب في صورة الطيّار الآلي، يثق به الطيار في أكثر الرحلة، ويفصله حين تفسد المعطيات التي يُغذّى بها. وهي تفسد بالتزوير، كالضحك المسجّل في البرامج الكوميدية، والتقييمات المزيّفة، وطوابير الممثّلين المأجورين أمام المتاجر، وتفسد بخطأ بريء يكبر، كأن يقلّد قومٌ لا علم لهم قوماً لا علم لهم. ويكفيك أن ترفع رأسك قليلاً، وتسأل هل في الواقع ما يؤيّد ما يفعله هؤلاء. (الدليل الاجتماعي)

السلطة: الخبير واللقب

يفرّق تشالديني بين من يكون في السلطة، يملك أمرك كالمدير، ومن يكون سلطةً في موضوعه، يعرف فيه أكثر منك، وأشدّهم تأثيراً من جمع الاثنين.

في جامعة ييل، أوائل الستينيات، دعا ستانلي ميلغرام متطوّعين إلى ما سمّاه "دراسة في الذاكرة". فيجلس المتطوّع معلّماً أمام جهاز للصدمات الكهربائية، ويُربط المتعلّم في غرفة أخرى، وكلما أخطأ زاد المعلّم شدة الصدمة. وعند 150 فولت يصيح المتعلّم أن أخرجوني من هنا، ثم يصرخ من الألم، ثم يسكت، والباحث يقول للمعلّم بهدوء أن يتابع. ولم تكن هناك صدمات، فالمتعلّم ممثّل، والسؤال الحقيقي إلى أي حدّ يؤذي إنسان عادي إنساناً بريئاً لأن صاحب سلطة أمره بذلك. وقد توقّع الأطباء النفسيون أن يبلغ واحد في الألف آخر الجهاز، عند 450 فولت، فبلغه نحو ثلثي المشاركين.

ولم يكونوا قساة، فقد كانوا يرتجفون ويتعرّقون، ثم يتابعون. وحين اختلف أمامهم باحثان، يقول أحدهما توقّف ويقول الآخر تابع، صاحوا "أيّهما إذن؟!"، وتوقّفوا جميعاً.

رقم الثلثين يُروى كأنه نتيجة ميلغرام كلها، والأمر أوسع من ذلك. فقد أجرى ميلغرام أكثر من عشرين صيغة من التجربة، وحين جُمعت نتائج 21 منها كانت نسبة من أطاعوا إلى النهاية نحو 44%، تتفاوت بين صيغة وأخرى من نحو العُشر إلى أكثر من 90%، فالطاعة تقلّ إذا بعُد الباحث، أو قرُبت الضحية، أو رفض زملاء المشارك. وفي صيغة لم ينشرها ميلغرام، وجدتها الباحثة جينا بيري في أرشيفه، كان المتعلّم صديق المعلّم أو قريبه أو جاره، فلم يُطع إلى النهاية إلا 15%. ويذكرها تشالديني في حاشية يمهّد بها لفصل الوحدة.

ويرى تشالديني أن خطر الطاعة يظهر أجلى ما يظهر في المستشفيات. اتصل باحث بمحطّات التمريض في 22 جناحاً، وقال إنه طبيب، وطلب أن يُعطى مريض عشرين ملّيغراماً من دواء اسمه أستروتين. وكان عند الممرّضة أربعة أسباب للرفض، فالأوامر الهاتفية ممنوعة، والدواء غير معتمد، والجرعة ضعف الحدّ الأقصى المكتوب على العلبة، والمتّصل غريب. ومع ذلك أخذت 21 ممرّضة من 22 الدواء، وتوجّهت إلى المريض، قبل أن يوقفها مراقب. والتجربة أقل حسماً مما تبدو، فنصف الممرّضات لم ينتبهن إلى الجرعة، والأوامر بالهاتف كانت عادة يومية، وحين أُعيدت باسم طبيب معروف ودواء مألوف أطاعت ممرّضتان من 18.

رموز السلطة

والناس يطيعون رموز السلطة كما يطيعون جوهرها، ومن أظهر هذه الرموز اللقب والثياب والمظاهر. قدّر طلاب جامعة أسترالية طول رجل واحد أطول بنحو ستة سنتيمترات حين قُدّم إليهم أستاذاً منه حين قُدّم طالباً. ووقف شاب في شارع يطلب من المارّة أن يعطوا رجلاً واقفاً عند عدّاد الوقوف عشرة سنتات، ثم يختفي عند الزاوية، فأطاعه أقل من النصف حين لبس ثيابه العادية، وأطاعه 92% حين لبس زيّ حارس أمن. وفي إعلان شهير لدواء سعال قال ممثّل يؤدّي دور طبيب في مسلسل: "لست طبيباً، لكنني أؤدّي دور طبيب على التلفاز"، فارتفعت المبيعات.

يزداد الخبير إقناعاً إذا جمع إلى الخبرة الأمانة، وأقصر الطرق إلى الأمانة، كما يقول، أن تذكر عيباً فيك أو في عرضك أول الكلام، ثم تأتي بعده مباشرة بأمتن حججك. وكان وارن بافت يفتتح رسالته السنوية إلى المساهمين بخطأ ارتكبه، حتى في سنة لم يخطئ فيها. ففي رسالة 2016 عاد إلى صفقة اشترى فيها شركة ديكستر للأحذية بأربعمئة وأربعة وثلاثين مليون دولار من أسهم شركته، وقد نزلت قيمتها إلى الصفر، وكتب: "اليوم أفضّل أن أستعدّ لتنظير القولون على أن أصدر أسهماً لبيركشاير". وبعدها يصدّق القارئ ما يرويه عن إنجازات الشركة.

عمل تشالديني مساعدَ نادل في مطاعم غالية، يراقب أنجح النادلين، فنسنت. كان فنسنت إذا طلب أول الجالسين في جماعة كبيرة طبقاً عبس، ونظر خلفه كأنه يتّقي المدير، وهمس: "أخشى أن هذا الطبق ليس جيداً الليلة كعادته. هل أقترح عليك هذا أو هذا؟"، وكلاهما أرخص قليلاً. فبدا خبيراً بالمطبخ، وأميناً يعمل ضد مصلحته، فإذا عرض بعد ذلك أن يختار لهم ما يشربونه وافقوا، فاختار من أغلى ما في القائمة. فكبرت الفاتورة، وكبر معها البقشيش الذي يُحسب منها.

الدفاع: سؤالان قبل أن تطيع

ودفاع هذا الباب سؤالان. أولهما هل هذا الرجل خبير حقاً، وهل خبرته في هذا الموضوع بعينه، فالممثّل خبير بالتمثيل، ولا علم له بالسعال. وقد وجد تشالديني وزملاؤه أن تدريب الناس على هذا السؤال جعلهم أقل تأثراً بالخبير في غير اختصاصه، وأكثر ثقة بالخبير الحقيقي، بشرط أن يُروا أولاً أنهم ليسوا محصّنين. وثانيهما ماذا يكسب هذا الخبير إن وافقته. وانتبه خاصةً لمن يبدو كأنه يعمل ضد مصلحته، فالعيب الذي يعترف به يكون في الغالب صغيراً، تمحوه ميزة كبيرة تأتي بعده.

الندرة: نريد ما يوشك أن يفوتنا

كانت ساندي، صديقة تشالديني، وسيطةً في قضايا الطلاق، وكثيراً ما تتعثّر جلساتها عند البند الأخير. وكانت تقول للطرفين: "وافقا على هذا الاقتراح، فنصل إلى اتفاق". فاقترح عليها أن تقلب الجملة، فتقول: "اتفقنا. بقي أن توافقا على هذا الاقتراح". فصار الاتفاق في أيديهما، إن رفضا خسراه. ووراء ذلك ما يسمّيه علماء النفس تجنّب الخسارة، وهو أن الإنسان يتعب في دفع خسارة أكثر مما يتعب في طلب مكسب يساويها.

ومن تجارب الفصل المشهورة تجربة جرّة البسكويت. أعطى الباحثون كل مشارك قطعة بسكويت، إما من جرّة فيها عشر قطع، وإما من جرّة فيها قطعتان، فكانت القطعة من الجرّة شبه الفارغة أشهى في عينه وأغلى. وكانت الندرة الطارئة، حين بُدّلت الجرّة أمام عينيه، أشدّ أثراً من الندرة الدائمة، والندرة التي سببها إقبال الآخرين أشدّ من الندرة التي سببها خطأ. ويؤجّل تشالديني أهمّ نتائجها إلى آخر الفصل.

أبسط ما تُستعمل به الندرة في التجارة أن يُقال إن الكمية محدودة، أو إن الوقت ينفد. تعلّم تشالديني في دورة لبيع المكانس أن يقول البائع للزبون إنه لا يستطيع أن يعود إليه، ولم يكن ذلك صحيحاً، وصارحه المدير بالغرض، وهو "أن نمنع الزبون من أن يأخذ وقته في التفكير، بأن نخيفه أنه لن يحصل على العرض لاحقاً". وينقل الكتاب مقالاً نشرته نيويورك تايمز سنة 1983 عن دانيال غولبان، وهو متقاعد في الحادية والثمانين خسر ثمانية عشر ألف دولار من مدّخراته لمحتالين بالهاتف، عرضوا عليه صفقة رابحة، ثم قالوا إن الفرصة أُغلقت، ثم عادوا يقولون إن نافذة صغيرة فُتحت له. ولخّص مساعد المدّعي العام في نيويورك الحيلة بقوله إنها "أن تلوّح بالجزرة أمام المشتري ثم تسحبها".

المقاومة النفسية

وللندرة في رأيه محرّكان. أولهما أن النادر في الغالب أجود، فقلّة الشيء دليل سريع على قيمته. والثاني أعمق، فالشيء الذي يفوتنا يأخذ معه حريتنا في أن نختاره، والإنسان يكره أن يخسر حرية كانت له. ويسمّي عالم النفس جاك بريم ذلك (المقاومة النفسية)، ومعناها أن من هُدّدت حريته أراد الممنوع أكثر. ففي تجربة على صبيان في الثانية من العمر، لم يفضّل الصبيان لعبة خلف حاجز شفّاف قصير على أختها، فلما صار الحاجز عالياً ذهبوا إليها أسرع بثلاث مرات. ولم تظهر النتيجة نفسها عند البنات، كما تعترف الحاشية.

يذكر أثر روميو وجولييت، أي أن معارضة الأهل تزيد الحب، وهو من دراسة سنة 1972. غير أن الدراسة أُعيدت سنة 2014 على نحو أربعمئة شخص، فانقلبت نتيجتها، وصارت معارضة الأهل والأصدقاء تُضعف الحب والالتزام، ولم تذكر الطبعة الجديدة ذلك.

والعجيب في هذه المقاومة أن صاحبها لا يدري أنها هي التي جعلته يريد، فينسب إلى الشيء محاسن ليست فيه. فلما منعت مقاطعة ميامي منظّفات الفوسفات حمايةً للبيئة صار الناس يهرّبونها ويخزّنونها، وقيّموها أفضل مما قيّمها سكان مدينة أخرى في كل شيء، حتى قالوا إنها "أسهل في الصبّ". والمعلومة الممنوعة كذلك، يريدها الناس أكثر، ويصدّقونها قبل أن يسمعوها.

حين ننافس على النادر

وتشتدّ الندرة إذا تنافس الناس عليها. عُرض حقّ بثّ فيلم مغامرة بوسيدون مرة واحدة على التلفاز في مزاد مفتوح بين الشبكات الأمريكية، فدفعت شبكة إيه بي سي 3.3 ملايين دولار، وكان الرقم القياسي قبلها مليونين، وهي تتوقّع أن تخسر مليوناً. وقال رئيس شبكة سي بي إس، وقد خسر المزاد وارتاح لخسارته: "كنا عقلانيين جداً في البداية، ثم أخذتنا الحمّى. ظللت أرفع كرجل فقد عقله".

كان أخو تشالديني، ريتشارد، ينفق على دراسته من بيع سيارات مستعملة يشتريها رخيصة، ولا يضيف إليها غير الماء والصابون. وكان يعطي كل من يتصل به الموعد نفسه، الثانية ظهراً. فيأتي الأول ويفحص السيارة على مهل ويساوم، ثم يصل الثاني، فيرجوه ريتشارد أن ينتظر قليلاً لأن هذا السيد جاء قبله، فإذا فحص الأول المتأنّي قد انقلب سباقاً.

الدفاع: تملكه أم تستعمله؟

ودفاع الندرة على مرحلتين، لأن الإثارة التي تصنعها تطفئ التفكير، و"المنطق يقفز من النافذة"، كما قال رئيس سي بي إس بعد المزاد. فإذا أحسست الدم يصعد إلى رأسك أمام عبارة مثل آخر قطعة، أو ساعة واحدة باقية، فتوقّف حتى تهدأ، ثم اسأل نفسك لماذا تريد هذا الشيء.

هنا يعود تشالديني إلى البسكويت، فقد قيّم المشاركون القطع النادرة أشهى وأغلى، فلما ذاقوها لم يجدوها ألذّ، إذ "متعة النادر في أن نملكه، لا في أن نذوقه". فإن كنت تريد أن تملك شيئاً نادراً لندرته، فلتحدّد ندرته ما تدفعه فيه. وإن كنت تريده لتستعمله، فالشيء لا يصير ألذّ ولا أمتن لأنه نادر.

الالتزام والاتساق: من نعم صغيرة إلى نعم كبيرة

وجد عالمان كنديان أن المراهنين في سباق الخيل يزدادون ثقة بالفرس الذي راهنوا عليه بعد أن يدفعوا ثمن التذكرة، عمّا كانوا عليه قبل ذلك بثوانٍ، والفرس هو هو، وكل ما جدّ أنهم اختاروه. وعلى هذا يقوم المبدأ، فالإنسان يريد أن يكون متّسقاً مع ما قاله أو فعله، وأن يبدو كذلك.

على شاطئ قرب نيويورك فرش مساعد للباحث بطانيته، ووضع مذياعه قرب أحد المصطافين، ثم ذهب يتمشّى، فجاء رجل يمثّل دور اللص وأخذ المذياع. ففي عشرين مرة لم يتدخّل إلا أربعة. ثم أُعيد المشهد عشرين مرة أخرى، وقد سأل صاحب المذياع جاره قبل أن يذهب: "هلّا انتبهت لأغراضي؟"، فوافق. فتدخّل هذه المرة 19 من 20، وركض بعضهم خلف اللص حتى أمسكه.

الاتساق نافع، يحترمه الناس، ويُغني صاحبه عن أن يعيد التفكير في كل شيء، لكنه قد يصير مخبأً أيضاً. حضر تشالديني محاضرة لداعيتين إلى برنامج في التأمّل يعدان بكل شيء، فهدم صديق له، أستاذ في الإحصاء والمنطق، حجّتهما في أقل من دقيقتين، ومع ذلك دفع كثير من الحاضرين العربون فوراً. وقال له أحدهم إنه لو عاد إلى البيت وفكّر في ما قاله الصديق لما اشترك أبداً. ويعلّق تشالديني: "بسرعة، مخبأ من التفكير!".

من الملصق الصغير إلى اللوحة الكبيرة

ويقف تشالديني عند ما صنعه الصينيون بالأسرى الأمريكيين في الحرب الكورية، كما وصفه عالم النفس إدغار شاين. فالبرنامج يبدأ بجملة صغيرة يوافق عليها الأسير، كأن يقول إن الولايات المتحدة ليست كاملة، ثم يكتب وجوه نقصها ويوقّع ما كتب، ثم يقرؤه في حلقة نقاش، ثم يكتب فيه مقالاً يُذاع، فيصير متعاوناً في عينه وفي أعين رفاقه. ويقول الكتاب إن الصينيين تجنّبوا القسوة، وإن أكثر الأسرى تعاونوا، والتاريخ يروي غير ذلك. فقد مات نحو نصف الأمريكيين الذين أُسروا، وانتُزعت بعض الاعترافات بالتعذيب، وكان التعاون في الغالب توقيع عريضة أو أداء مهمة صغيرة، وقلّما بقي من الاقتناع شيء بعد العودة. فالقصة تشرح الطريقة، ولا تبرهن على قوتها.

في كاليفورنيا طلب باحثان من أصحاب بيوت أن ينصبوا في حدائقهم لوحة ضخمة رديئة الخط تقول "قُد بحذر"، فوافق 17%. أما الذين وافقوا قبل أسبوعين على أن يضعوا على نوافذهم ملصقاً صغيراً يقول "كن سائقاً آمناً" فوافق منهم 76%. فقد غيّر الملصق الصغير صورتهم عن أنفسهم، وصاروا في أعينهم من الناس الذين يعملون للصالح العام. ولهذا يقول تشالديني إنه قلّما يوقّع عريضة اليوم، حتى لقضية يؤيّدها.

يقوى الالتزام بأربع خصال، أن يكون فعلاً لا نية، وأن يكون أمام الناس، وأن يكلّف جهداً، وأن نختاره بأنفسنا. فقد غيّر صاحب مطعم في شيكاغو جملة موظفة الحجز من "من فضلك اتصل بنا إن تغيّرت خطتك" إلى "هل ستتصل بنا إن تغيّرت خطتك؟"، ثم تنتظر هي الجواب، فنزلت نسبة من يحجزون ولا يأتون من 30% إلى 10%. أما الاختيار فهو رأس الخصال الأربع، لأن الالتزام الذي اشتُري بمكافأة كبيرة، أو انتُزع بتهديد شديد، لا يصير جزءاً من صاحبه.

وفي الفصل تجربة تُقرأ بعين الأب قبل عين الباحث، هي تجربة الروبوت الممنوع. قيل لصبيان في المرحلة الابتدائية إن اللعب بروبوت غالٍ بين ألعابهم خطأ، وهُدّد بعضهم تهديداً شديداً، فأطاع الفريقان كلهم تقريباً. وبعد ستة أسابيع تركتهم باحثة أخرى مع الألعاب، فلعب بالروبوت 77% ممن هُدّدوا، و33% فقط ممن لم يُهدّدوا. فالتهديد علّمهم ألا يلعبوا به حين يراهم أحد، والسبب الخفيف علّمهم أنهم لا يريدون. ولهذا ينصح تشالديني بأن تعطي ولدك سبباً يكفي ليطيع، ولا يزيد على ذلك.

حين يصنع القرار أسبابه

وأشدّ ما في الالتزام خطراً أنه، بعبارة تشالديني، "ينبت لنفسه أرجلاً"، أي أن القرار إذا اتُّخذ صنع لنفسه أسباباً جديدة تسنده، فإذا سُحب السبب الأول بقي قائماً على ما صنع. وعلى هذا يقوم صنيع بائع السيارات في حيلة (الكرة المنخفضة)، فهو يعرض سعراً أقل من سعر المنافسين بسبعمئة دولار ولا ينوي أن يلتزم به، فيملأ الزبون الأوراق، ويأخذ السيارة ليلة يريها جيرانه، ثم يظهر خطأ مزعوم في الحساب، فيعود السعر إلى سعر المنافسين، ويسأله البائع: "هذه هي السيارة التي اخترتها، أليس كذلك؟". وقد جرّبها تشالديني مع زملائه على طلاب، فمن عرفوا من البداية أن التجربة تبدأ في السابعة صباحاً وافق منهم 31%، ومن وافقوا أولاً ثم عرفوا الموعد بلغوا 56%، ولم يتراجع منهم أحد. (القرار الذي يبقى بعد أن يسقط سببه)

لهذه القوة وجه نافع. وعد باحثون أسراً في ولاية آيوا تتدفّأ بالغاز بأن تُنشر أسماؤها في الصحيفة "مواطنين يوفّرون الوقود" إن قلّلت استهلاكها، فوفّرت 12% في الشهر الأول. ثم أخبروها أن النشر لن يحدث، فارتفع التوفير إلى أكثر من 15% بقية الشتاء. ولم يكن النشر إلا سنداً من الخارج، فلما زال وقف القرار على ما بناه أصحابه.

الدفاع: المعدة والقلب

ويردّ تشالديني جملة إيمرسون المشهورة "الاتساق غول العقول الصغيرة" إلى أصلها، وفيه أن الغول هو "الاتساق الأحمق". وللاتساق الأحمق علامتان، تحسّ الأولى في معدتك انقباضاً حين تعرف أنك محبوس في موافقة لا تريدها، فقل عندئذ لصاحب الطلب ما يفعله بك. وتأتي الثانية من أعماق القلب، لما لا تحسّه المعدة، حين يكون الالتزام قد صنع لنفسه أسباباً. وعندئذ اسأل: "لو عدت بالزمن، وأنا أعرف ما أعرفه الآن، هل كنت سأختار الشيء نفسه؟"، وانتبه إلى أول شعور يأتيك قبل أن يبدأ التبرير.

قد توقّف مرة في محطة وقود، فإذا سعرها أعلى مما على لافتتها، فأخذ يجد لنفسه الأعذار، فهو يحتاج إلى الوقود، وهو مستعجل. ثم سأل نفسه السؤال، فجاءه الجواب سريعاً، أنه كان سيمرّ دون أن يتوقّف. ويضيف أن الناس يزدادون تمسّكاً بالتزاماتهم بعد الخمسين، وأن محتالي الهاتف يعرفون ذلك، فيلحّون على كبار السن: "لقد قلت نعم. لقد قلت نعم".

الوحدة: واحد منّا

أضاف تشالديني هذا المبدأ في الطبعة الجديدة، وكان قد عرضه أول مرة في كتابه Pre-Suasion سنة 2016، ومداره أن الإنسان يوافق من يراه واحداً من جماعته. فالمودّة تأتي من أن يكون الآخر مثلنا، والوحدة من أن يكون منّا. قد يشارك المرءَ زميلُه في العمل أذواقاً أكثر مما يشاركه أخوه، ولا يشكّ لحظة في أيهما منه. والوحدة هويات مشتركة يعرّف الناس بها أنفسهم، كالعائلة والبلد والقوم والدين والحزب، يذوب فيها الحدّ بين النفس والآخر، حتى تصير الجماعة، كما يقول تشالديني، ذاتاً واحدة يتقاسمها أهلها.

وللوحدة طريقان، أن ننتمي معاً، وأن نعمل معاً. ورأس الانتماء العائلة. أراد تشالديني أن يملأ آباء طلابه استبياناً طويلاً لا يجيب عن مثله في العادة أكثر من خُمس الكبار، فوعد طلابه بدرجة إضافية واحدة في اختبار واحد إن أجاب أحد والديهم، فعاد 159 استبياناً من 163 في أسبوع، أي 97%. ويمزح بأنه لو أرسلها إلى الأجداد لعادت 162، والناقصة لجدّ أصابته أزمة قلبية وهو يركض إلى البريد.

لمّا قلق المساهمون في بيركشاير على مستقبلها بعد أن شاخ بافت وشريكه، كتب بافت في رسالة الذكرى الخمسين: "سأقول لكم ما كنت سأقوله لعائلتي لو سألوني اليوم عن مستقبل بيركشاير". ويقول تشالديني، وهو يملك أسهماً في الشركة، إن هذه الجملة هي التي صرفته عن التفكير في البيع. فإذا كانت الكثرة هي الرسالة في الدليل الاجتماعي، والرسول هو الرسالة في السلطة، فالاندماج هو الرسالة في الوحدة.

ومن أحبّ التجارب إليه تجربة على أزواج يتناقشون في خلاف لم يُحسم. فمن حاول إقناع شريكه بالتهديد خسر، ومن حاول بالمنطق لم يغيّر شيئاً، ولم ينجح إلا من ذكّر بالرابطة نفسها، فقال: "نحن معاً منذ زمن، ويهتم كلانا بالآخر، وأريدك أن تفعل هذا من أجلي". والهوية في نظره مغناطيس كهربائي تشتدّ قوته بقدر حضورها في الذهن ساعة القرار، ولهذا يخفض سائقو سيارات الأجرة في غانا الأجرة لمن ينتمي إلى حزبهم، في الأسابيع القريبة من الانتخابات وحدها.

أن نعمل معاً

وأول العمل معاً التزامن، كالأغاني والمسيرات والرقصات التي تعرفها المجتمعات كلها. ففي المختبر بقي 49% ممن نقروا على الطاولة بإيقاع شريكهم ليساعدوه في مسائل مملّة، مقابل 18% ممن نقروا بغير إيقاعه. ومنه أن يتبادل اثنان البوح، في ستة وثلاثين سؤالاً يتناوب عليها غريبان، تتدرّج من "كيف يكون يومك المثالي؟" إلى أشدّ الأسئلة خصوصية، فيصيران بعد خمس وأربعين دقيقة أقرب مما توقّعا. ومنه أن يتألّم الناس معاً. ففي مجاعة إيرلندا سنة 1847 جمعت قبيلة التشوكتو 170 دولاراً للجائعين، وكانت قد عانت قبل سنوات درب الدموع، التهجير الذي مات فيه آلاف من أهلها. ولمّا أصابت الجائحة سكاناً أصليين آخرين في أمريكا سنة 2020، ردّ الإيرلنديون الجميل بمئات آلاف الدولارات.

آخر هذه الطرق أن نصنع شيئاً معاً. فالمديرون الذين ظنّوا أنهم شاركوا في تصميم إعلان قيّموه أعلى بالنصف من غيرهم. ولمّا عُرضت على الناس خطة مطعم جديد، صار من طُلبت منهم نصيحة أرغب في الأكل فيه ممن طُلب منهم رأي، لأن النصيحة تجعلك شريكاً، والرأي يجعلك حَكَماً. وفي جملة تُنسب إلى الروائي سول بيلو أن من يطلب النصيحة "يبحث في الغالب عن متواطئ".

يسأل تشالديني في حذر هل يمكن أن تتّسع الجماعة حتى تشمل الناس جميعاً. ولا يعد بشيء كبير، ويكتفي بأن يقترح بداية من البيت، حين يرى الأولاد أهلهم يستقبلون أناساً من خلفيات مختلفة ويعاملونهم معاملة أهل البيت.

الدفاع: الملصق الذي في نافذتي

ولا يغفل تشالديني عن الوجه المظلم، فالجماعة التي يشعر أفرادها بأنهم واحد تتسامح مع أخطائهم، وتكذب لتحميهم. وقد وجد باحثون أن الشركات التي تكتب مدوّنة سلوكها بضمير المتكلمين ارتكبت مخالفات قانونية أكثر، لأن الناس توقّعوا رقابة أقل وصفحاً أكثر. ويذكر بخجل كيف غطّت قيادة الكنيسة الكاثوليكية، التي نشأ فيها، على كهنة معتدين لأنهم من أهلها. وعلاج ذلك أن تعلن الجماعة مسبقاً، ومكتوباً، أنها لن تتسامح مع الخطأ الجسيم من أفرادها.

يروي كيف حمى نفسه حين كان شاهداً خبيراً في قضايا إعلانات مضلّلة. كان يقترب من المحامين الذين وظّفوه، في الاجتماعات وعلى العشاء، فيحسّ ضغطاً يزداد، من نفسه قبل غيره، ليميل برأيه إليهم. فصار يختم كل إفادة بفقرة تقول إن رأيه قد يتغيّر بمعلومات جديدة، ولو جاءت من الخصم. ولما أراد محامي الطرف الآخر أن يحاصره ببحثه هو عن الملصق الصغير، وقال إن إفادته الأولى التزام علني سيحبسه، أشار تشالديني إلى تلك الفقرة، وقال: "هذا هو الملصق الذي في نافذتي".

الجريمة أن تُزيَّف الإشارة

ويختم تشالديني بفصل قصير كتبه للطبعة الأولى، وصار اليوم أصدق مما كان. يفتتحه بشعار المعالج الفرنسي إميل كويه "كل يوم، وبكل طريقة، أتحسّن"، ثم يقلبه، فيقول "كل يوم، وبكل طريقة، أزداد انشغالاً". فقد صنع الإنسان عالماً أسرع من أن يزن فيه كل شيء، وأكثف بالمعلومات، فعاد، كالحيوانات التي تجاوزها، إلى الإشارة الواحدة. ولذلك سُمّي عصرنا عصر المعلومات، ولم يُسمَّ قط عصر المعرفة.

على هذا تقوم أخلاق الكتاب كلها. فالاختصارات ليست خطأ، وكثير ممن يخاطبوننا بها حلفاء لنا. فالمعلن الذي يقول صادقاً إن معجون أسنانه هو الأكثر مبيعاً يعطينا معلومة نافعة، أما الذي يصنع مقابلات تبدو عفوية مع ممثّلين يتظاهرون بأنهم ناس عاديون فعدوّنا، لأنه يفسد الإشارة على الجميع. والربح مشروع، واستعمال المبدأ مشروع، والجناية كلها في تزييف دليله. ولهذا يدعو تشالديني إلى ما يشبه الحرب على المزيّفين، بأن نقاطعهم، ونكتب إليهم، ونخبر الناس عنهم.

في آخر الفصل يروي أنه اشترى تلفازاً حين قال له البائع إنه الأخير، وإن امرأة قد تأتي لشرائه بعد الظهر، وهو أعرف الناس بالمبدأ. أكان مغفّلاً؟ ذلك يتوقّف على صدق البائع. وقد عاد في الصباح التالي فلم يجد تلفازاً بديلاً معروضاً، فكتب في البائع مراجعة طيبة. فمن يسلّحنا بالمعلومة الصادقة نرفعه، ومن يستعمل السلاح نفسه علينا نُسقطه.

ما الذي يبقى معك بعد القراءة

  • إذا وجدت نفسك توافق بسرعة، فسمِّ الإشارة التي حرّكتك، هدية كانت، أو مودّة، أو زحاماً، أو لقباً، أو قطعة أخيرة، أو كلمة قلتها من قبل، أو انتماءً.
  • اقبل المعروف بحسن نية، فإن ظهر أنه حيلة بيع فسمّه باسمه، ولا دين عليك. وإذا أحببت البائع أكثر مما تقتضيه معرفة قصيرة، فافصله عن عرضه.
  • اسأل الخبير قبل أن تطيعه أهو خبير في هذا بعينه، وماذا يكسب إن وافقته. واسأل نفسك أمام النادر أتريد أن تملكه أم أن تستعمله.
  • قبل أن تمضي في التزام قديم، اسأل نفسك: لو عدت بالزمن، وأنت تعرف ما تعرفه الآن، أكنت تختاره؟
  • إن أردت أن تُقنع، فلا تستعمل إلا الإشارة الصادقة، فقل إن الطبق الأكثر طلباً إن كان كذلك، واذكر العيب قبل الميزة، واطلب من الناس نصيحتهم بدل رأيهم.

الدفاع أمام الكتاب نفسه

  • حجم الأثر. أكثر تجارب الكتاب أُجريت بين الستينيات والتسعينيات على عيّنات صغيرة من الطلاب، وبعضها جاء أصغر أثراً حين أُعيد. فتجربة حديقة الحيوان أُعيدت سنة 2021 في جامعة كولونيا على نحو أربعمئة مشارك، فخرجت بالنتيجة نفسها تقريباً، غير أن أثر الرفض ثم التراجع صغير في مجموع الدراسات، والأدلة المجمّعة لا تؤيّد قول الكتاب إن الأسلوب يجعل الناس ينفّذون ما وعدوا به أكثر من غيرهم. وأثر الملصق الصغير، وهو ما يُعرف بـ(القدم في الباب)، جاء في الدراسات اللاحقة أصغر كثيراً وأقل ثباتاً مما في تجربته الأولى، وأثر التزامن حقيقي، لكنه أصغر من أرقام المختبر، أما أثر روميو وجولييت فقد انقلب. وتجربة مخيّم أوكلاهوما تُروى اليوم مع تحفّظات على توجيه الباحثين للصبيان. وسُحبت في أكتوبر 2020 دراسة للباحث الفرنسي نيكولا غيغان عن جاذبية الشبّان الذين يحملون علب الغيتار، وبقيت في الطبعة الجديدة برهاناً علمياً، وقد سُحبت له أوراق أخرى، والكتاب يستند إليه في غير موضع. وفيه حكايات بلا مصدر تُروى وقائع، كحكاية الفيروز التي لا اسم فيها ولا تاريخ، وروايات تاريخية مضغوطة، كقصة الأسرى في كوريا.
  • مصلحة المؤلف. يعلّم تشالديني المبادئ نفسها للشركات بأجر، وله شركة استشارات، وكان كبير العلماء في شركة طاقة يستشهد بنتائجها، وبعض أرقامه تجارب تجارية لشركته لم تُنشر في مجلات محكّمة. وهو لا يخفي شيئاً من هذا، غير أن ذلك يفسّر حرصه على أن تبدو المبادئ قوية مضمونة، ويفسّر أن الكتاب يعلّم الأساليب بقدر ما يعلّم الاحتماء منها.
  • الوحدة والمودّة. يقدّم الوحدة مبدأً جديداً، والعلم الذي تقوم عليه قديم، يعود إلى نظرية الهوية الاجتماعية في السبعينيات. وكثير من أمثلتها يفسّره التشابه والمودّة كما تفسّره الهوية، ولا يعطي الكتاب اختباراً يفصل بين المبدأين، وإن كان أمتن أدلّته أن الهوية نفسها تشتدّ وتضعف بحضورها في الذهن دون أن يتغيّر في الناس شيء. وفيه قراءة وراثية متحمّسة لروابط الصداقة والسياسة والدين، تذهب أبعد مما تحتمله الأدلة.

لمن هذا الكتاب؟

هو لكل من يشتري ويبيع ويفاوض، ويدير فريقاً أو بيتاً، ولكل من وقّع مرة على شيء ثم سأل نفسه كيف وافق. ولمن يكتب الإعلانات، ويبني المتاجر الإلكترونية، ويجمع التبرّعات، على أن يأخذ أخلاقه مع أدواته، ولمن يحمي والديه الكبيرين من محتالي الهاتف. ومن جاءه يطلب وصفات للتلاعب بالناس وجده يحاربها، ومن طلب أحدث التجارب وجد كتاباً كلاسيكياً، كثير من أدلّته قديم.

ولثلاث من أفكار الكتاب صفحات تمضي فيها أبعد، حين نوافق قبل أن نفكّر، والدليل الاجتماعي، والقرار الذي يبقى بعد أن يسقط سببه. وأبواب الدفاع مجموعة في مسألة واحدة، كيف تعرف أنك تُدفَع إلى قول نعم قبل أن تقولها؟. ومن أراد المودّة كما مارسها صاحبها فليقرأ كيف تكسب الأصدقاء، والعقل السريع الذي تعمل عليه هذه المبادئ في التفكير السريع والبطيء، والإقناع في التفاوض في لا تقسّم الفرق، والتسويق الصادق الذي يستعمل الإشارات الحقيقية في خطة التسويق في صفحة واحدة.

المصدر

الطبعة الجديدة الموسّعة (Harper Business، 2021)، بفصولها التسعة ومقدمتها وتمهيدها ورسائل القرّاء والأبواب الجديدة عن الإقناع على الإنترنت والحواشي، وقد رُوجعت أبرز قصصها وأرقامها على الدراسات الأصلية. وللكتاب ترجمة عربية بعنوان التأثير: علم نفس الإقناع.

قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

الكتاب في الشبكة

ما الذي يتّصل بهذا الكتاب

  • ٣ أفكار
  • مسألة واحدة
فكرة: حين نوافق قبل أن نفكّر حين نوافق قبل أن نفكّر فكرة: القرار الذي يبقى بعد أن يسقط سببه القرار الذي يبقى بعد أن ي… فكرة: الدليل الاجتماعي: نفعل ما يفعله أمثالنا حين لا نعرف الدليل الاجتماعي: نفعل ما… مسألة: كيف تعرف أنك تُدفَع إلى قول نعم قبل أن تقولها؟ كيف تعرف أنك تُدفَع إلى ق…

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

التأثير: علم نفس الإقناع