فكرة · قراءة في 3 دقائق
الطرق الثلاث إلى المعنى
يجد الإنسان المعنى عند فيكتور فرانكل في ثلاثة أبواب، عمل يؤدّيه، وإنسان يحبه أو جمال يعيشه، وموقف كريم من ألم لا مفرّ منه. فما هذه الأبواب، ومتى يُفتح الثالث منها؟
الفكرة
معنى يُكتشف في موقف بعينه، ولا يُخترع في الرأس، ويأتي من ثلاثة أبواب، ما تعطيه للعالم بعملك، وما تأخذه منه بالحب والجمال، والموقف الذي تتخذه مما لا تملك تغييره.
ليس للحياة معنى عام يصلح للناس جميعاً، غير أن في كل موقف معنى ممكناً. فإن أُغلق باب العمل وباب الحب والتجربة، بقي باب ثالث لا يُغلق، أن تحمل بكرامة ألماً لا مفرّ منه. ولا يُفتح هذا الباب إلا حين يكون الألم بلا مخرج حقاً.
ما أفضل نقلة في الشطرنج؟ لو سألت بطل العالم لما وجد لسؤالك جواباً، فليس في الشطرنج نقلة هي الأفضل في كل حال. النقلة تكون أفضل في رقعة بعينها، أمام خصم بعينه، في لحظة بعينها.
وبهذا المثال يجيب فيكتور فرانكل في الإنسان يبحث عن المعنى من يسأله عن معنى الحياة. فالمعنى لا تحيط به جملة عامة، لأنه يختلف "من إنسان إلى إنسان، ومن يوم إلى يوم، ومن ساعة إلى ساعة". على أنه موجود في كل موقف، ويُكتشف من ثلاثة أبواب.
الباب الأول: ما تصنعه
الباب الأول أن تُنجز عملاً أو تفعل خيراً، وهو أوضح الأبواب، حتى إن فرانكل يراه غنياً عن الشرح. غير أن له فيه قصة تبيّن أنه أوسع من الوظيفة. ففي سنة 1933 عالج في فيينا شبّاناً عاطلين مكتئبين، يرون أن من لا عمل له لا نفع فيه، وأن من لا نفع فيه لا معنى لحياته. فأقنعهم بأن يتطوّعوا في جمعيات الشباب والمكتبات العامة وتعليم الكبار، فزال اكتئابهم، وحالهم المادية على ما كانت، وجوعهم كما كان. ويكتب في ذلك: "لا يحيا الإنسان بالمعونة وحدها".
الباب الثاني: ما تعيشه، ومن تحب
والباب الثاني أن تعيش شيئاً، كالخير أو الحق أو الجمال أو الطبيعة أو الفن، أو أن تلقى إنساناً في فرادته، وهذا هو الحب. وينقل فرانكل عن عالمة النفس إديث فايسكوبف-يولسون أن في هذا الباب دواءً لزمن يقيس الناس بما ينجزون، فقد يكون لما يعيشه الإنسان من القيمة ما لما ينجزه.
وقد رأى فرانكل هذا الباب مفتوحاً في أقسى مكان. ففي مساء من أمسيات المعسكر في بافاريا دخل سجين الكوخ مسرعاً، ونادى رفاقه المنهكين ليخرجوا ويروا الغروب، فلما مضت دقائق من الصمت قال أحدهم: "كم يمكن أن يكون العالم جميلاً!". وكان فرانكل في طريقه إلى العمل، في ظلام الفجر، يحادث صورة زوجته في ذهنه، ولا يعرف أحيّة هي أم ميتة، ففهم أن "خلاص الإنسان بالحب وفي الحب". والحب عنده شعور ورؤية معاً، أن ترى فيمن تحب ما هو عليه، وما يمكن أن يصيره، فتعينه على أن يصيره.
الباب الثالث: موقفك مما لا مفرّ منه
جاءه طبيب عجوز ماتت زوجته قبل سنتين، فأثقله الاكتئاب، ولم يقدر على أن يتجاوز فقدها. فلم يعظه فرانكل، واكتفى بأن سأله: "ماذا لو متّ أنت أولاً، وعاشت هي بعدك؟". فقال الرجل إن ذلك كان سيكون فظيعاً عليها. فقال فرانكل: "فأنت الذي جنّبتها هذا الألم، وثمنه أن تبقى وتحزن عليها". فصافحه الرجل، وخرج هادئاً.
بقي قدر الرجل على حاله، وتبدّل موقفه منه، فصار حزنه فداءً لمن أحب. وهذا هو الباب الثالث، ويقول فرانكل إنه لا يُغلق أبداً، فقد يُحرم الإنسان العمل ومتعة الحياة، ويبقى له مع ذلك أن يختار كيف يحمل ما لا مهرب منه. ولهذا يرى للحياة معنى "حتى آخر لحظة".
الشرط الذي تُسقطه الملخّصات
ويضع فرانكل لهذا الباب شرطاً صريحاً، فالمعنى لا يحتاج إلى الألم، وإنما يبقى ممكناً رغم الألم حين لا يكون منه مفرّ. أما إن أمكن تجنّبه "فالفعل ذو المعنى أن تزيل سببه، نفسياً كان أو جسدياً أو سياسياً. فأن تتألم بلا ضرورة مازوخية لا بطولة". ويقول في موضع آخر إن الأولوية دائماً لأن تغيّر الموقف إن استطعت.
فليس في الفكرة تمجيد للألم، ولا دعوة للمظلوم إلى أن يرضى بظلم يقدر على دفعه، ولا حقّ لأحد في أن يقول لمتألّم إن لألمه معنى. إنها سؤال يسأله الإنسان نفسه، بعد أن يفعل كل ما يستطيع.
وللفكرة سند حديث محدود. فقد بنى الطبيب النفسي ويليام برايتبارت على أفكار فرانكل علاجاً جماعياً لمرضى السرطان المتقدّم، وفي تجربة على 253 مريضاً تحسّنت عندهم جودة الحياة والطمأنينة الروحية، وقلّ اليأس والاكتئاب، أكثر مما تحسّنت عند من تلقّوا دعماً جماعياً عادياً.
جرّبها
اقسم ورقة ثلاثة أعمدة، ما تصنعه، وما تعيشه ومن تحب، وما لا تملك تغييره. واكتب تحت كل عمود شيئاً واحداً محدداً من أسبوعك هذا، عملاً أنجزته أو تقدر على أن تنجزه، وإنساناً أو لحظة تستحق انتباهك، وأمراً لا تملكه وكيف تريد أن تحمله. فإن وجدت في العمود الثالث شيئاً يمكن تغييره، فانقله إلى الأول.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
