ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 3 دقائق

الفسحة بين المثير والاستجابة

بين ما يحدث لك وما تفعله ردّاً عليه مسافة، فيها حريتك. على هذه الفكرة بنى ستيفن كوفي عاداته السبع، ومنها خرجت عبارة ذائعة تُنسب إلى فيكتور فرانكل، وليست من كلامه.

الفكرة

مسافة قصيرة بين ما يستفزّك وما تردّ به عليه، إن ملأتها أنت باختيارك كانت لك، وإن تركتها ملأتها العادة أو ملأها الانفعال.

ليس كل ما يحدث لك باختيارك، أما ردّك عليه فهو في أغلب الأحيان بيدك. والمهارة أن تنتبه إلى تلك المسافة قبل أن تضيع، فيكون ردّك ممّا تريده أنت، وإن ألحّ عليك الموقف بغيره.

"بين المثير والاستجابة فسحة، فيها نملك أن نختار استجابتنا، وفي استجابتنا نموّنا وحريتنا".

يتناقل الناس هذه العبارة في كل مكان، وتحتها اسم فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي النمساوي الذي نجا من معسكرات النازية. وهي ليست له. فمعهد فيكتور فرانكل في فيينا يعدّها من الأقوال المنسوبة إليه خطأً، ولم يعثر عليها أحد في شيء من كتبه.

من أين جاءت؟

في آخر العادات السبع للناس الأكثر فعالية يحكي ستيفن كوفي أنه كان في إجازة علمية في هاواي، يتجوّل بين رفوف مكتبة إحدى الكليات، فسحب كتاباً، فوقعت عينه على فقرة ظلّ يعيد قراءتها. كانت تقول إن بين المثير والاستجابة فجوة، وإن مفتاح نموّنا وسعادتنا في الطريقة التي نستعمل بها هذه الفجوة. ويصف ما أحدثته فيه بأنه "ثورة داخلية". ولا يسمّي كوفي ذلك الكتاب. وقد ذكر في كتب لاحقة أنه لم يدوّن عنوانه ولا اسم مؤلفه، وأنه عاد بعد سنوات فلم يجد المكتبة.

وأقرب ما اهتدى إليه الباحثون من أصول هذه الفكرة مقالٌ كتبه عالم النفس رولو ماي سنة 1963، يعرّف فيه الحرية بأنها القدرة على "التوقّف بين المثير والاستجابة". فالعبارة المشهورة إذن صياغة كوفي لفكرة قرأها ولم يحتفظ بمصدرها. ولكوفي نفسه يدٌ في نسبتها إلى فرانكل، ذلك أنه يقدّم في العادة الأولى حرية الإنسان بين المثير والاستجابة على أنها ما اكتشفه فرانكل في المعسكر، فمضى الناس بعده خطوة أخرى، ونسبوا إلى فرانكل العبارة كلها.

وما الذي قاله فرانكل؟

قال ما هو أعمق. ففي Man's Search for Meaning يكتب أن كل شيء يمكن أن يُنتزع من الإنسان إلا شيئاً واحداً، هو "آخر الحريات الإنسانية، أن يختار موقفه في أي ظرف، وأن يختار طريقه". وكاتب هذه الجملة رجل فقد في المعسكرات أباه وأمه وأخاه وزوجته. وكان في أشد أيامه يتخيّل نفسه يلقي محاضرة عن نفسية السجين في قاعة دافئة، فينظر إلى عذابه من خارجه، كأنه موضوع يدرسه.

وفي هذا الموضع يفرّق كوفي بين حريتين. فالحرية الخارجية هي ما بين يديك من خيارات، والحرية الداخلية هي قدرتك على أن تختار بينها. وقد كان لسجّاني فرانكل من الأولى أكثر بكثير مما كان له، وكان له من الثانية أكثر مما كان لهم.

الفسحة في يومك

ولا يحتاج أحد إلى معسكر ليختبر هذه الفكرة. فكوفي يجعل التمرين عليها في أحداث اليوم العادية، كزحمة السير، والزبون الغاضب، والطفل الذي لا يسمع الكلام. ومثلها اليوم رسالةٌ تصلك في آخر الليل فتستفزّك.

وتعرف أن الفسحة ضاعت منك حين تجد أنك رددت قبل أن تقرّر. ولهذا تبدأ المهارة بأن تلاحظ، ولا تبدأ بأن تقاوم نفسك.

  • أعطِ الفسحة اسماً. إذا أحسست الحرارة تصعد فيك فقل لنفسك إن هذا هو المثير، وإنك لم تردّ بعد. فالتسمية وحدها تطيل المسافة.
  • اسمع لغتك. ينبّه كوفي إلى عبارات مثل "هو الذي أغضبني" و"ما في يدي شيء" و"مضطر"، فكل واحدة منها تعلن أن الفسحة ليست لك. وجرّب أن تقول مكانها "أنا اخترت أن أغضب"، أو "لننظر في البدائل". سيبدو لك هذا متكلّفاً أول الأمر، غير أنه يردّ إليك الاختيار.
  • جهّز ردّك قبل الموقف. ومن تمارين الكتاب أن تختار موقفاً قريباً تعرف أنك تنفعل فيه عادة، كاجتماع مع شخص بعينه، ثم تسأل نفسك عمّا في يدك منه. تخيّله بتفاصيله قبل أن يأتي، وتخيّل نفسك تردّ كما تريد، فإذا مضى فانظر ما الذي جرى.

ما لا تعنيه الفكرة

ليس في الفكرة أن ما يصيبك لا يؤلمك، ولا أنك مسؤول عمّا فُرض عليك. وكوفي نفسه يذهب أحياناً إلى أبعد من ذلك، فيقول إننا مسؤولون في النهاية عن "أكثر ظروفنا". ولو أُخذ هذا على إطلاقه لحمّل من عاش حرباً أو تهجيراً أو فقراً تبعةَ ما لم يختره. وأعدلُ منه ما كتبه ابنه شون كوفي، أن الوراثة والنشأة والشدائد تؤثّر فينا، لكنها لا تحدّدنا.

يبقى الظرف كما هو، وتبقى لك في داخله فسحة صغيرة.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

الفسحة بين المثير والاستجابة