فكرة · قراءة في 3 دقائق
ميزان اللذة والألم
لماذا يتبع كلَّ متعة فراغٌ أطول منها، ولماذا نحتاج مع التكرار إلى المزيد لنشعر بالقدر نفسه؟ هذه هي الصورة التي يقوم عليها كتاب أمة الدوبامين.
الفكرة
يعالج الدماغ اللذة والألم كأنهما كفّتا ميزان يريد أن يبقى مستوياً، فكل لذة يتبعها ميل مقابل إلى الألم، ومع التكرار تضعف اللذة ويطول الألم بعدها.
المتعة القوية المتكرّرة تنقل ميزانك إلى جهة الألم، فتحتاج إلى أكثر لتشعر بأقل. والطريق إلى المتعة البسيطة يمرّ بمدّة امتناع يعود فيها الميزان إلى استوائه.
تنتهي الحلقة فيضغط أكثرنا على التالية قبل أن يقرّر. ويأكل قطعة الشوكولاتة فيشتهي الثانية أكثر مما اشتهى الأولى، ويغلق التطبيق ثم يفتحه بعد دقيقة بلا سبب. ولهذه اللحظة في كتاب أمة الدوبامين للطبيبة النفسية آنا ليمبكي صورة، هي ميزان مال إلى جهة الألم.
الصورة
تخيّل في دماغك ميزاناً، اللذة في كفّة والألم في الأخرى. فإذا استمتعت بشيء مالت الكفّة إلى اللذة. غير أن الميزان يريد أن يبقى مستوياً، فيعيده الجسم من تلقاء نفسه، دون قرار منك، ثم يتجاوز نقطة التوازن، فيميل بالقدر نفسه إلى الألم. وتصوّر ليمبكي هذه القوة الخفية عفاريت صغيرة تقفز على الكفّة الأخرى.
وليست الفكرة جديدة. فقد سمّاها عالما النفس ريتشارد سولومون وجون كوربت في السبعينيات (نظرية العملية المضادة)، ومفادها أن لكل ابتعاد طويل أو متكرّر عن الحياد ثمناً، وثمنه أثر معاكس، أو كما يقال في المثل، ما يصعد لا بدّ أن ينزل.
ثلاثة أشياء تشرحها الصورة
التحمّل. مع التكرار تكبر العفاريت وتكثر، فتضعف اللذة وتقصر مدّتها، ويأتي الألم بعدها أشدّ وأطول. فتحتاج إلى جرعة أكبر، أو إلى شيء أشدّ، لتشعر بما كنت تشعر به. وقد قرأت ليمبكي سلسلة روايات واحدة أربع مرات، وكانت كل مرة أقلّ متعة من سابقتها، وأشدّ فراغاً بعدها، فراحت تبحث عن روايات أجرأ.
فقدان المتعة. ومع الإفراط الطويل يستقرّ الميزان مائلاً إلى الألم، فلا يعود الشيء يمتع، ويصير الإنسان يستهلكه ليعود إلى حاله العادية فحسب. وتلخّص ليمبكي المفارقة في جملة، فطلب اللذة لذاتها ينتهي إلى العجز عن أي لذة.
الاشتهاء. والميزان يتحرّك كذلك بما يذكّر بالشيء، كصوت الإشعار، والأريكة التي تشاهد عليها، والطريق الذي تمرّ فيه بالمخبز. فالدوبامين يرتفع حين ترى الإشارة، ثم ينخفض تحت مستواه، وهذا الانخفاض هو الرغبة التي تدفعك. ويقوى الشدّ حين لا تعرف ما سيأتي، فلا تدري أوصلت رسالة، ولا كم إعجاباً جاءك.
الدوبامين يريد أكثر مما يستمتع
تنبّه ليمبكي إلى أن الدوبامين يتصل بالرغبة في الشيء أكثر مما يتصل بالاستمتاع به. وهذا ما بيّنه الباحثان كنت بيريدج وتيري روبنسون، فالحيوانات التي فقدت الدوبامين لا تسعى إلى الطعام، لكنها إذا ذاقته استمتعت به. ولهذا تفسّر الصورة شعوراً يعرفه كثيرون، أن تريد الشيء بشدّة، ثم لا تستمتع به حين تناله.
الخبر الطيب
إذا ابتعدت مدة كافية عاد الميزان في الغالب مستوياً، وعادت الأشياء البسيطة تمتعك، كنزهة، أو كتاب، أو حديث مع صديق. وتقدّر ليمبكي هذه المدة بنحو شهر لأكثر الناس، فالأسبوعان الأولان أصعب ما في الطريق، لأنك تدفع فيهما ثمن ما مضى.
حدود الفكرة
- صورة تُفهم ولا تُقاس. ليمبكي نفسها تسمّي الميزان استعارة. فليس في الدماغ ميزان، والدوبامين واحد من أنظمة كثيرة تشترك في الرغبة والإدمان. فخذ الصورة لتفهم بها تجربتك، ولا تحسب بها شيئاً.
- ليست تشخيصاً. أن تفرط في الهاتف أو الحلوى لا يجعلك مدمناً بالمعنى الطبي. والصورة تصلح لوصف علاقة مرهقة بشيء، ولا تصلح لتسمية مرض.
- ولا تنطبق على الجميع بالقدر نفسه. فما يمتع واحداً لا يمتع آخر، ومن يعيش قلقاً أو اكتئاباً أو ألماً مزمناً يبدأ وميزانه مائل أصلاً، وقد يحتاج إلى مختصّ، ولا يغني عنه الامتناع.
جرّبها
اختر شيئاً تشعر بأنك تحتاج منه اليوم إلى أكثر مما كنت تحتاج قبل سنة، واكتب متى بدأت، وكم كانت الجرعة يومها، وكم هي اليوم، وكيف تشعر بعدها بساعة. ثم قرّر هل يستحق ميزانك شهراً من الهدوء.
المصادر والسياق
- أمة الدوبامين: ميزان اللذة والألم
- Solomon & Corbit — An opponent-process theory of motivation: I. Temporal dynamics of affect، Psychological Review، 1974 ↗
- Berridge & Robinson — What is the role of dopamine in reward، Brain Research Reviews، 1998 ↗
- Koob & Volkow — Neurocircuitry of addiction، Neuropsychopharmacology، 2010 ↗
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
