فكرة · قراءة في 3 دقائق
ادعم ولا تنقذ
الفرق بين أن تعين من يتعثّر وأن تحمل عنه ما عليه أن يحمله، كما تشرحه ميل روبنز في كتاب نظرية التغافل. ومتى تنقلب هذه الفكرة خطراً.
الفكرة
الداعم يقف إلى جانب المتعثّر وهو يفعل الشيء الصعب، والمنقذ يفعله بدلاً منه. والإنقاذ المتكرّر يطيل المشكلة لأنه يعفي صاحبها من مواجهتها.
حين نخفّف عمّن نحبّ كل عاقبة، ونسهّل له كل تجنّب، يبقى حيث هو. والدعم أن نصدّق ألمه، ونثق بقدرته، ونبقى معه وهو يواجه، ونضع لعوننا شروطاً واضحة. لكن الخطر على النفس لا يُترك لعواقبه.
حين أصاب القلق ابنة ميل روبنز في المرحلة المتوسطة، صارت تخاف النوم وحدها، فسمحت لها أمها بأن تنام على فراش في أرض غرفة والديها. ودام ذلك ستة أشهر. وتقول روبنز في كتاب نظرية التغافل إن القلق ترسّخ وبقي معها سنوات.
ثم وضعت لهما معالجة نفسية خطة، أن تعيد الأم ابنتها إلى سريرها كلما جاءت. فبكت الطفلة خمس ليال، والأم تنتظر خلف الباب، وتقول إنها شعرت كأنها وحش. ثم نامت البنت في سريرها.
لماذا يطيل الإنقاذ المشكلة؟
ما فعلته الأم في الأشهر الستة كان حبّاً، لكنه كان إنقاذاً. فكل ليلة تنامها البنت بعيدة عن سريرها كانت تقول لها إن خوفها في محلّه، وإنها لا تقدر على مواجهته. ويسمّي المعالجون هذا "التكيّف الأسري"، أي أن يغيّر الأهل حياتهم ليُعفوا الطفل مما يخافه. ويقوم برنامج SPACE في جامعة ييل على تدريب الآباء أن يكفّوا عن ذلك، وأن يقولوا للطفل جملتين معاً، إنهم يفهمون خوفه، وإنهم يثقون بأنه يستطيع. ووجدت تجربة على 124 طفلاً أن تدريب الآباء وحده نفع كما نفع العلاج المعرفي للطفل نفسه.
وتشبّه روبنز الفرق بالكرة. فالداعم يرمي الكرة إلى صاحبها، والمنقذ يأخذها ويركض بها بدلاً منه. وخطواتها في الدعم: أن تصدّق ألمه ("أعرف أنك خائف")، وأن تفصل مشاعرك عن مشاعره، وأن تواسيه، وأن تقول له إنه يقدر، ثم تبقى إلى جانبه وهو يفعل.
"دعهم" لا تعني أن تتركهم وحدهم
وفي الكتاب وجه آخر لهذه الفكرة. فحين أصاب روبنز اكتئاب ما بعد الولادة، ولم تكن تقدر أن تبقى وحدها مع رضيعها، لم تطلب شيئاً، وجاء الناس من تلقاء أنفسهم. ابنة عمّها نظّفت البيت، وأهلها قطعوا البلاد بالسيارة ليكونوا معها، وصديقة جلست إلى جانبها، وأهل زوجها أخذوها إلى معرض للزهور.
ومنه نصيحتها لمن يحبّ مكتئباً أو مفجوعاً أن يأتي ولا يسأله ماذا يحتاج، فقد لا يعرف أو لا يقدر أن يقول. يأتي ومعه العشاء، ويفتح الستائر، ويملأ الثلاجة، ويرسل كل أسبوع رسالة يقول فيها إنه لا ينتظر رداً. وهذا أقرب ما يكون إلى ما تسمّيه جماعات أهالي المدمنين "الانفصال بمحبة"، أن تنفصل عن المشكلة لا عن الإنسان.
متى تنقلب الفكرة خطراً؟
تبدأ روبنز هذا الباب بقيد صريح، فمن يفعل شيئاً خطراً على نفسه يُتدخّل لحمايته، فتؤخذ منه مفاتيح السيارة، ويُطلب له العون. ثم تمضي فتقول إن المدمن قد يحتاج أن يبلغ القاع، أن يُسجن أو يفقد عمله أو يصير بلا مأوى، وإن قطع المال كله هو الحل الوحيد. وهنا تخالف الأبحاث. فالبرنامج الأسري المعتمد في علاج الإدمان (CRAFT) يرفض انتظار القاع، لأن القاع قد يكون جرعة زائدة، ويبدأ بتقدير خطر العنف في البيت، ويكافئ كل خطوة نحو التعافي بدل أن يسحب كل شيء دفعة واحدة. وبهذه الطريقة يدخل العلاج من الرافضين أكثر مما يدخله بالمواجهة.
فالدعم المشروط، كأن يدفع الأهل الإيجار ما دام الابن ملتزماً بعلاجه، أنفع من المال المفتوح. لكن من كان مريضاً نفسياً أو في خطر على نفسه لا يُترك لعواقبه، ولا يُقطع عنه كل شيء. وفي هذه الحالات يحتاج الأهل أنفسهم إلى مختص يرسم معهم الطريق.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
