فكرة · قراءة في 4 دقائق
الدليل الاجتماعي: نفعل ما يفعله أمثالنا حين لا نعرف
لماذا يزيد مبيع الطبق إذا كُتب عليه أنه الأكثر طلباً؟ في كتاب التأثير يبيّن روبرت تشالديني الأحوال الثلاثة التي يقوى فيها الدليل الاجتماعي، والخطأ الذي تقع فيه حملات التوعية.
الفكرة
أن نحكم على صواب فعل بقدر ما نرى غيرنا يفعله، وخاصةً حين لا نعرف ما الصواب، وحين يكثر الفاعلون، وحين يشبهوننا.
اتباع الناس اختصار سليم في الغالب، ويشتدّ كلما قلّ يقيننا، ولهذا يسهل تزييفه بجمهور مأجور أو تقييمات مختلقة، وقد تنشر الخطأَ حملةُ توعية تعلن أن الجميع يرتكبونه. والحماية أن يُعامَل كما يُعامَل الطيّار الآلي، يُوثق به في أكثر الطريق، ويُفصل حين تفسد معطياته.
لافتة صغيرة تقول إن الطبق هو الأكثر طلباً رفعت مبيعات كل طبق عُلّقت عليه بين 13% و20%، في سلسلة مطاعم ببكين يذكرها روبرت تشالديني في كتابه التأثير. ولم يتغيّر في الأطباق شيء، وإنما صار الناس يطلبونها لأن غيرهم يطلبها.
وهذا ما يسمّيه تشالديني (الدليل الاجتماعي)، أي أن يرى المرء الفعل صواباً بقدر ما يرى غيره يفعله. وهو في أكثر الأحوال اختصار سليم، فمن تبع الناس أخطأ أقل ممن خالفهم. غير أن قوته هذه هي موضع ضعفه.
ثلاثة أحوال يقوى فيها
حين لا نعرف. في محطة من محطات مترو لندن توقّف قطار ولم يُعلن عن شيء، فانتقل بضعة ركاب إلى القطار المقابل، فتبعهم نحو مئتين، ثم عاد بضعة إلى القطار الأول فعاد الجميع، وكان بين هؤلاء طالب دنماركي كتب بما جرى إلى المؤلف. وفي الحوادث يصير الشك خطراً، لأن كل واحد ينظر إلى من حوله ليعرف هل الأمر طارئ، والكل يتظاهر بالهدوء، فلا يرى أحد حوله إلا هدوءاً. فالمارّة، كما يقول تشالديني، لا يمتنعون عن المساعدة قسوةً، وإنما لأنهم غير متأكدين. ولذلك ينصح من احتاج إلى مساعدة وسط الناس أن يختار واحداً منهم بعينه، ويشير إليه، ويكلّفه بأن يتصل بالإسعاف، فيزول الشك، ويصير لرجل واحد مهمة، فإذا تحرّك تبعه غيره.
حين يكثر الناس. كان المصفّقون في دور الأوبرا بباريس يُستأجرون بالرأس، فالرؤوس المتفرّقة في القاعة توهم بجمهور أكبر. فالكثرة تقنع الناظر بأن الفعل صواب، وبأنه ممكن، وبأن أحداً لن يستغربه منه. وفي تجربة على بيوت في كاليفورنيا وفّرت رسالة "أكثر جيرانك يحاولون توفير الطاقة" ثلاثة أضعاف ونصف ما وفّرته رسائل البيئة والمال والمسؤولية، وكان السكان أنفسهم يتوقّعون أن تكون أضعفها.
حين يشبهوننا. قضى تشالديني شهرين يحاول أن يعلّم ابنه، وهو في الثالثة، أن يسبح بلا عوّامة، واستأجر له مدرّب سباحة، فلم يفلحا. ثم قفز الصبي في مخيّم نهاري إلى الماء العميق، وقال لأبيه: "تومي عمره ثلاث سنوات مثلي، وتومي يسبح بلا عوّامة، إذن أنا أستطيع".
الخطأ الكبير
وتقع حملات توعية كثيرة في خطأ يحذّر منه تشالديني، فهي تحارب السلوك السيئ بالشكوى من انتشاره. وعند مدخل غابة الأشجار المتحجّرة في أريزونا لوحة تشكو من أن زوارها يأخذون منها كل سنة أربعة عشر طناً من الخشب، "قطعة صغيرة كل مرة". فلما قرأتها شابة شديدة الأمانة همست لخطيبها: "علينا أن نأخذ قطعتنا نحن أيضاً". فالشكوى من كثرة السارقين تقول للقارئ، من حيث لا تريد، إن السرقة هي ما يفعله الناس.
جرّب فريقه لافتات مختلفة في ممرّات الغابة، فرفعت اللافتة التي تقول إن كثيرين أخذوا الخشب السرقة إلى نحو 8% من القطع المعلّمة. ويقول الكتاب إن الحل أن توحي اللافتة بأن السارقين قلّة، والدراسة المنشورة أدقّ من ذلك. فالفائزة، بأقل من 2%، كانت لافتة نهي واضحة تقول "لا تأخذوا الخشب المتحجّر"، عليها صورة سارق واحد مشطوبة بخط أحمر، ولم تنفع اللافتة التي تطمئن الزائر إلى أن أكثر الزوار تركوا الخشب، فقد سُرق معها 5% من القطع، وهي نسبة لا تفضل بها غيرها. والعبرة أن يُنهى عن الخطأ صراحة، دون إعلان أن كثيرين يرتكبونه.
ويصحّح تشالديني خطأً وقع فيه هو، إذ ظهر له أن السلوك الذي يفعله القليلون لا يُيأس منه إن كان يزداد. ففي تجربة شارك فيها زاد استهلاك الماء حين قيل للطلاب إن قلة منهم يوفّرونه، ونقص أكثر مما نقص مع أي رسالة أخرى حين قيل لهم إن هذه القلة يزيد عددها منذ سنتين. فالاتجاه الصاعد، إن كان صادقاً، دليل اجتماعي على ما سيأتي.
الجمهور المزيّف
ما دام الزحام يقنع، فصناعة الزحام تجارة رائجة، من الضحك المسجّل الذي يُضاف إلى البرامج الكوميدية، إلى طوابير الممثّلين المأجورين أمام المتاجر، والتقييمات التي يكتبها الموظفون. ويروي الكتاب كيف انتشرت على فيسبوك سنة 2019 شائعة عن رجال في شاحنات بيضاء يخطفون النساء، فحذّر منها عمدة بالتيمور على التلفاز، ولم يجد أحد حالة واحدة حقيقية، وكان دليل العمدة أنها "كانت في كل مكان على فيسبوك".
ويستعير تشالديني لهذا الدليل صورة الطيّار الآلي، فالطيار يتركه يقود في أكثر الرحلة، ويفصله إذا فسدت المعطيات التي يقرؤها. والمعطيات تفسد بالتزوير، وتفسد أيضاً بخطأ بريء يتضخّم، حين يتبع جمهورٌ لا يعرف أكثر منك بعضُه بعضاً.
جرّبها
قبل أن تتبع الزحام في قرار يهمّك، اسأل نفسك أتتبعه لأنك لا تعرف، وهل هذه الكثرة حقيقية أم مصنوعة، وهل يشبهك أصحابها في ما يهمّ هذا القرار. وإن كنت تبيع شيئاً أو تدعو إليه، فلا تقل إنه الأكثر طلباً إلا إن كان كذلك، ولا تشكُ من انتشار ما تحاربه.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
