ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 3 دقائق

حين نوافق قبل أن نفكّر

الفكرة التي يقوم عليها كتاب التأثير لروبرت تشالديني، وهي أن إشارة واحدة قد تطلق فينا قراراً كاملاً. ومعها متى يفكّر الإنسان حقاً، وكيف يزيّف المقلّدون الإشارة.

الفكرة

أن يطلق فينا تفصيل واحد من الموقف، كسعر، أو لقب، أو كلمة "لأن"، استجابة جاهزة كاملة، قبل أن نزن بقية الموقف.

نعتمد على إشارات مختصرة لأننا لا نملك الوقت والطاقة لنزن كل شيء، وهي تصدق في أغلب الأحوال. لكننا لا نفكّر تفكيراً كاملاً إلا حين يهمّنا الأمر ونقدر على فحصه، فإذا استعجلنا أو تعبنا قرّرت الإشارة عنّا، ومن يعرفها يستطيع أن يزيّفها.

بيعت في متجر للحليّ في أريزونا مجموعة كاملة من قطع الفيروز بضعف سعرها، لأن بائعة قرأت ورقة تركتها صاحبة المتجر، فرأت "السعر × 2" حيث كُتب "السعر × ½". وكانت القطع لا تجد من يشتريها والسياح في أوج موسمهم، ولم يتغيّر فيها شيء غير الرقم. وبهذه الحكاية يفتتح روبرت تشالديني كتابه التأثير، ويفسّرها بأن الزبائن، وأكثرهم سياح لا يعرفون الفيروز، احتكموا إلى قاعدة تنفعهم في أغلب الأحوال، أن الغالي جيد.

صوت واحد يكفي

صورة هذه الفكرة عند تشالديني مأخوذة من علماء سلوك الحيوان. فأنثى الديك الرومي تحنو على فرخها إذا سمعت صوته، "تشيب تشيب"، وقد تهمل الفرخ الذي لا يصدره. وفي تجربة قديمة هاجمت ابنَ عرس محشوّاً، وهو من أعدائها، إلى أن وُضع في جوفه جهاز يردّد صوت الفراخ، فضمّته تحت جناحيها. والعلماء اليوم يرون سلوك الحيوان أقل جموداً من ذلك، وتبقى الصورة مع ذلك دالّة، فقد يكفي تفصيل واحد لينطلق سلوك كامل.

ويسمّي تشالديني هذا العمل (click, run)، أي اضغط فينطلق، كأن في الإنسان أزراراً، إذا ضغطتها الإشارة انطلقت الاستجابة وحدها، وصاحبها يظن أنه قرّر.

سبب لا يقول شيئاً

أرادت عالمة النفس إلين لانغر أن تسبق الواقفين في طابور آلة التصوير. فإذا قالت إن معها خمس صفحات وإنها مستعجلة وافقها 94%، وإذا طلبت بلا سبب وافقها 60%. فلما سألتهم أن تسبقهم "لأنني أحتاج أن أصوّر بعض الأوراق"، وهو سبب لا يزيد شيئاً على ما يعرفه كل من في الطابور، وافقها 93%. فقد قامت أداة التعليل وحدها مقام السبب.

وللتجربة نصف ثانٍ قلّما يُروى. فحين صار الطلب عشرين صفحة سقط السبب الفارغ، فلم يوافق إلا نحو ربع الناس، كما لو أنها لم تذكر سبباً، ولم يرتفع العدد إلا حين جاء السبب الحقيقي. فالإشارة تعمل وحدها ما دامت الكلفة صغيرة، فإذا كبرت التفت الناس إلى ما وراءها.

متى نفكّر؟

ليست هذه الاختصارات غباءً في نظر تشالديني. فالعالم أعقد من أن يُوزن فيه كل شيء، فيراهن الناس على إشارات تصدق في الغالب، كأن يكون الغالي جيداً، والخبير أعلم، وما يفعله الجمهور صواباً، ومن عاش على هذا الرهان كان أعقل ممن يفحص كل تفصيل بنفسه.

ولا يفكّر الإنسان تفكيراً كاملاً إلا حين يجتمع له أمران، أن يهمّه الأمر، وأن يقدر على فحصه. ففي تجربة يستشهد بها استمع طلاب إلى خطبة تدعو إلى امتحان شامل قبل التخرّج، فاقتنع بقوة الحجج من قيل لهم إن الامتحان سيُطبّق عليهم هم، واقتنع بمكانة الخطيب من قيل لهم إنه سيُطبّق بعد تخرّجهم بسنوات. غير أن هذه الحماية تسقط حين يستعجل المرء أو يتعب، وحين ينشغل أو ينفعل، وحين يكون الأمر أعقد من طاقته، فيعود إلى الإشارة، ولو في أخطر قراراته.

المقلّدون

ما دامت الإشارة تكفي، فتزييفها يكفي أيضاً. ففي الطبيعة إناث يراع تقلّد ومضات نوع آخر من اليراع، فإذا جاءت ذكوره تطلب التزاوج أكلتها. وفي الناس من يقلّد الإشارة ليستغلّ ما تطلقه، فيرفع السعر ليوحي بالجودة، أو يختلق التقييمات.

لا يكاد المقلّد يبذل في ذلك جهداً، فهو يستعير قوة المبدأ نفسه، كما يستعير لاعب الجوجيتسو قوة خصمه، ويبدو كأنه لم يرتّب شيئاً. فوكيل العقارات الذي يريك بيتين رديئين قبل البيت الذي يريد بيعه لا يكذب عليك بكلمة، والتباين وحده يجعل البيت الثالث رائعاً، وتحسب أنت أنك قرّرت بنفسك.

ولهذا يختم تشالديني كتابه بقاعدة أخلاقية بيّنة. فمن يعطيك الإشارة صادقة حليفك، كالمعلن الذي يقول إن منتجه الأكثر مبيعاً وهو كذلك، ومن يزيّفها عدوّك وعدوّ الناس جميعاً، لأنه يفسد اختصاراً يحتاج إليه الجميع. فلا عيب في الاعتماد على الإشارات، والعيب في تزييفها، وعلى كل امرئ أن يفحصها حين تكبر الكلفة.

جرّبها

إذا وافقت في المرة القادمة على عرض أو طلب بسرعة، فتوقّف، وسمِّ التفصيل الواحد الذي حرّكك، سعراً كان أو لقباً أو زحاماً. ثم اسأل نفسك أهو دليل حقيقي على ما تحتاجه، أم علامة يسهل تزييفها. فإن كانت الكلفة كبيرة فامنح التفكير وقته، وخذ ورقة تكتب عليها أسبابك.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

حين نوافق قبل أن نفكّر