ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 4 دقائق

القرار الذي يبقى بعد أن يسقط سببه

لماذا يبقى المرء على قرار سقط سببه؟ يجيب روبرت تشالديني في كتاب التأثير بأن الالتزام يصنع لنفسه أسباباً جديدة، ويشرح حيلة الكرة المنخفضة التي تقوم على ذلك، والسؤال الذي يكشفها.

الفكرة

أن يصنع القرار بعد اتخاذه أسباباً جديدة تسنده، فيبقى قائماً حتى إذا سُحب السبب الذي اتُّخذ من أجله.

الالتزام يغيّر صورتنا عن أنفسنا، ولا سيّما إذا كان فعلاً معلناً اخترناه بأنفسنا وكلّفنا جهداً، فنضيف إليه مبرّرات لم تكن فيه. وعلى هذا يعوّل بائع السيارات في حيلة الكرة المنخفضة، وبه أيضاً يدوم الالتزام الحرّ. والحماية منه سؤال واحد يقترحه تشالديني: "لو عدت بالزمن، وأنا أعرف ما أعرفه الآن، هل كنت سأختار الشيء نفسه؟"

يزداد المراهن في سباق الخيل ثقةً بفرسه في الثواني التي تلي دفعه ثمن التذكرة. وقد وجد ذلك عالمان كنديان قارنا ثقة المراهنين قبل الدفع بثوانٍ وبعده بثوانٍ، ولم يتغيّر في الفرس شيء، وإنما صار فرسهم.

ومن هذه الملاحظة الصغيرة يبني روبرت تشالديني في كتاب التأثير فصلاً من أذكى فصوله، عن رغبة الإنسان في أن يكون متّسقاً مع ما قاله وفعله، وأن يبدو كذلك. وفي هذه الرغبة جانب خفيّ، يصفه تشالديني بأن القرار، بعد أن يُتّخذ، "ينبت لنفسه أرجلاً"، أي يصنع لنفسه أسباباً جديدة يقف عليها.

الكرة المنخفضة

تعلّم تشالديني هذه الحيلة وهو متخفٍّ بين باعة السيارات. يعرض البائع على الزبون سعراً أقل من سعر المنافسين بسبعمئة دولار، ولا ينوي أن يلتزم به. فيملأ الزبون الأوراق، ويرتّب التمويل، ويأخذ السيارة ليلة يجرّبها ويريها جيرانه. ثم يظهر في الحساب خطأ مزعوم، إضافة نُسيت، أو مصرف اعترض، أو مدير رفض، فيعود السعر إلى سعر المنافسين، ويسأل البائع: "هذه هي السيارة التي اخترتها، أليس كذلك؟".

يشتري كثيرون مع ذلك، لأنهم صنعوا في تلك الليلة أسباباً جديدة للسيارة، كلونها، وراحة مقاعدها، وإعجاب الجيران بها. فقد كان السعر الرخيص أول ما قام عليه القرار، فلما سُحب بقي القرار قائماً على ما صنعوه له.

وقد امتحنها تشالديني مع زملائه في تجربة على طلاب. فلما عرف الطلاب من البداية أن التجربة تبدأ في السابعة صباحاً قبل 31% منهم، ولما وافقوا أولاً ثم أُخبروا بالموعد ارتفعت النسبة إلى 56%، ولم يتراجع أحد ممن وافقوا حين عرف. وهي من أساليب الإقناع القليلة التي ثبتت حين أُعيدت تجاربها.

متى يقوى الالتزام؟

للالتزام عند تشالديني أربع خصال تجعله يغيّر صورتنا عن أنفسنا، فهو فعل قام به صاحبه، وأعلنه أمام الناس، وكلّفه جهداً، واختاره بنفسه. وآخرها أشدّها أثراً، لأن من اختار بلا ضغط كبير لا يجد ما يفسّر به فعله إلا نفسه.

ولهذا قد يبدأ كل شيء بموافقة صغيرة. ففي تجربة مشهورة قبل أصحاب بيوت وضعوا على نوافذهم ملصقاً صغيراً يدعو إلى القيادة الآمنة أن تُنصب في حدائقهم، بعد أسبوعين، لوحة ضخمة قبيحة بالمعنى نفسه، فوافق منهم 76%، مقابل 17% ممن لم يُسألوا من قبل، لأنهم صاروا في أعينهم من الناس الذين يعملون للصالح العام. على أن الأثر في الدراسات اللاحقة جاء أصغر كثيراً وأقل ثباتاً.

الوجه النافع

الأسباب التي يصنعها الإنسان لقراره بنفسه هي أيضاً ما يجعل الالتزام الحرّ يدوم. وفي ولاية آيوا وعد باحثون أسراً تتدفّأ بالغاز بأن تذكرها الصحيفة بالاسم "مواطنين يوفّرون الوقود" إن قلّلت استهلاكها، فوفّرت 12% في الشهر الأول. فلما قيل لها بعد ذلك إن الصحيفة لن تنشر شيئاً، ارتفع توفيرها إلى أكثر من 15% بقية الشتاء. ذلك أن النشر كان الدافع الوحيد الذي جاءها من خارجها، فلما سقط صار التوفير قرارها هي.

وعلى هذا تقوم نصيحة تشالديني للآباء، أن يعطي الأب ولده سبباً يكفي ليطيع، ولا يزيد. ففي تجربة الروبوت الممنوع قيل لصبيان إن اللعب بروبوت غالٍ خطأ، وهُدّد بعضهم تهديداً شديداً، فلما تُركوا معه بعد ستة أسابيع لعب به 77% ممن هُدّدوا، و33% فقط ممن لم يُهدّدوا. فقد تعلّم المهدَّد أن يطيع إذا رآه أحد، وتعلّم الآخر أنه هو لا يريد.

السؤال الذي يكشفها

وما كل اتساق حماقة، فمن أعاد التفكير في كل قرار كل يوم لم ينجز شيئاً. ولهذا يصحّح تشالديني جملة إيمرسون المشهورة، فأصلها "الاتساق الأحمق غول العقول الصغيرة". وللاتساق الأحمق علامتان، أولاهما انقباض في المعدة يأتيك حين تدرك أنك وقعت في موافقة لا تريدها، وحينها تقول لصاحب الطلب ما يفعله بك. والثانية لما لا تحسّه المعدة، حين يكون القرار قد صنع لنفسه أسبابه، وحينها تسأل نفسك:

"لو عدت بالزمن، وأنا أعرف ما أعرفه الآن، هل كنت سأختار الشيء نفسه؟"

انتبه إلى أول شعور يأتيك، قبل أن تتوافد الأسباب. فقد توقّف تشالديني مرة في محطة وقود، فوجد سعرها أعلى من سعر اللافتة، فتوالت عليه الأعذار، فهو يحتاج إلى الوقود، وهو مستعجل، وسيارته تحب هذا النوع. ثم سأل السؤال، فجاءه الجواب سريعاً، لو عاد بالزمن لمرّ دون أن يتوقّف. لم تصنع الأعذار القرار، وإنما صنعها القرار.

ويحذّر من أن التمسّك بالالتزام يشتدّ بعد الخمسين، ومحتالو الهاتف يعرفون ذلك، فيعيدون على مسامع كبار السن: "لقد قلت نعم. لقد قلت نعم".

جرّبها

خذ التزاماً تحمله منذ مدة ولم تراجعه، اشتراكاً أو مشروعاً أو صفقة لم تُغلق بعد، واكتب السبب الذي اخترته من أجله أول مرة، ثم اكتب تحته الأسباب التي تقولها لنفسك اليوم. ثم اسأل السؤال، وسجّل أول جواب يأتيك قبل أن تدافع عنه.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

القرار الذي يبقى بعد أن يسقط سببه