ما الانحيازات المعرفية؟
في قوائم كثيرة تُعرض الانحيازات المعرفية واحداً بعد آخر، كأنها عيوب متفرقة في العقل. أما كانمان فيبدأ من مصدرها، وهو أن في العقل طريقتين في التفكير، حدساً سريعاً يعمل بلا جهد، وتفكيراً بطيئاً يكسل فيوقّع في الغالب على ما يقترحه الحدس. ومن هاتين الطريقتين تخرج أكثر الأخطاء، ولهذا يشبه بعضها بعضاً. فالانحياز عند كانمان أثر جانبي لعقل يقتصد في جهده، وليس عيباً في الشخصية، ولا عاطفة تفسد التفكير.
خريطة الأخطاء: متى يخطئ الحدس؟
حين نحكم بما رأيناه وحده. يبني الحدس قصة متماسكة مما بين يديه، ولا يسأل عمّا ينقصها، ويسمّي كانمان ذلك ما تراه هو كل ما هنالك. وإذا صعب السؤال أجبنا عن سؤال أسهل منه، وهذا الاستبدال. ويجمع الفكرتين رابط الثقة لا تساوي الصحة، فثقتك تقيس تماسك القصة، ولا تقيس كفاية الأدلة.
حين نقدّر بالأرقام. يعلق التقدير بأول رقم يُطرح ولو كان عشوائياً، وهو ما تشرحه صفحة الارتساء. ونقدّر مدة مشاريعنا وكلفتها على أحسن الاحتمالات، فننسى ما جرى لمشاريع مثلها، وفي صفحة الرؤية الخارجية ومغالطة التخطيط الداء ودواؤه. ونخترع سبباً لما ليس إلا حظاً يعود إلى متوسطه، فلا نرى الارتداد إلى المتوسط.
حين نختار بين مكسب وخسارة. توجعنا الخسارة أكثر مما يفرحنا مكسب يساويها، وذلك تجنّب الخسارة. وتتغيّر قيمة النتيجة الواحدة في أعيننا إن وُصفت بكلمات أخرى، وتلك صفحة أثر التأطير. حتى الذاكرة تحكم على التجربة بذروتها ونهايتها، وتهمل مدتها، كما تبيّن صفحة النفس المستشعِرة والنفس المتذكِّرة.
حين نتعلّم من الماضي. هنا يكمل نسيم نقولا طالب ما بدأه كانمان. نقرأ قصص الناجحين، ولا نرى الدليل الصامت، أي الذين فعلوا الشيء نفسه وغرقوا. ونطمئن إلى سجل طويل من الهدوء، كما اطمأن الديك الرومي ألف يوم قبل أن يُذبح. وننسج بين الوقائع قصة فنظن أننا فهمنا ما لم نفهمه، وهذا ما يسمّيه طالب (مغالطة السرد).
أين تخطئ كتب الانحيازات نفسها؟
لم تصمد تجارب هذا الباب كلها. ففي كتاب كانمان فصل عن (التهيئة)، أي الكلمات العابرة التي تغيّر سلوكنا، وقد بُني على دراسات صغيرة لم تتكرر نتائجها، فاعترف كانمان بأنه وثق بها أكثر مما ينبغي. ولم يظهر (استنفاد الأنا) في تكرار شارك فيه 23 مختبراً. أما الارتساء والتأطير ومغالطة التخطيط والارتداد إلى المتوسط فصمدت، وصمد تجنّب الخسارة وإن اختُلف في حجمه. ويبقى أن كثيراً من الأدلة أسئلة افتراضية أجاب عنها طلاب جامعيون، وأن النظامين مجاز، وقد نبّه كانمان نفسه إلى أنهما لا يصفان تشريح الدماغ.
وفي كتاب البجعة السوداء تعميمات لا يحسن أن تؤخذ على إطلاقها، كقول طالب إن أحداً لا يتنبأ جيداً بأي شيء، وقد بيّن تتلوك بعده أن التنبؤ القصير المدى في أسئلة محددة ممكن، وأنه يُتعلَّم.
وثمة حذر من نوع آخر، هو أن تصير أسماء الانحيازات سلاحاً تشهره في وجه غيرك. صحيح أن كانمان يكتب لأحاديث المكتب عند مبرّد الماء، حيث نرى أخطاء الآخرين أسهل مما نرى أخطاءنا، غير أنه يعلّق أمله على الإجراءات، ولا يعلّقه على الوعي، فيوصي بقوائم التحقق، والأحكام المستقلة، وتمرين (ما قبل الفشل). وعلى هذه الإجراءات تقوم مسألة كيف تقيّم مرشحاً أو عرضاً دون أن تخدعك الانطباعات؟، ومسار من الانطباع الأول إلى قرار مُراجَع.
إن كان عندك وقت لكتاب واحد
اقرأ التفكير السريع والبطيء، كتاب صاحب التجارب نفسه، بعيوبها التي اعترف بها. فإلى تجاربه مع عاموس تفرسكي يعود أكثر ما في قوائم الانحيازات المتداولة. ومن أراد أن يرى الباب في صورته الأوسع، فله صفحة كتب علم النفس.