فكرة · قراءة في 4 دقائق
النية المتناقضة: حين يفسد الحرص ما تحرص عليه
طريقة فيكتور فرانكل في كسر دائرة القلق، أن تتمنّى بروح الدعابة ما تخافه. روى عنها حالات مشهورة، وبقي منها في العلاج الحديث شيء، ولها حدود.
الفكرة
أن تتعمّد، ولو لحظة وبروح الدعابة، أن تريد الشيء الذي تخافه، فينقطع الخوف الذي كان يجلبه.
بعض المخاوف تصنع ما تخافه، فالخوف من الأرق يطرد النوم، والخوف من العرق يجلبه، ومحاربتها تغذّيها. فإذا تمنّى الإنسان العرَض بدل أن يحاربه، سحب الريح من أشرعة القلق، وانكسرت الدائرة.
كان طبيب شاب يخاف أن يعرق أمام الناس، فإذا توقّع أن يلقى أحداً جاءه الخوف، وجاء العرق في إثره، وظلّ على ذلك أربع سنوات. فأشار عليه فيكتور فرانكل بأن يقرّر، كلما عاوده الخوف، أن يُري من أمامه كم يقدر على أن يعرق، وأن يقول في نفسه: "عرقت لتراً من قبل، والآن سأصبّ عشرة لترات!". ويروي فرانكل في الإنسان يبحث عن المعنى أن الرجل تحرّر من خوفه بعد جلسة واحدة، في أسبوع.
دائرة الخوف
يبدأ فرانكل من ملاحظة يعرفها كل من احمرّ وجهه في اجتماع، فمن يخاف أن يحمرّ وجهه يحمرّ أكثر. والخوف يجلب ما يُخاف منه، حتى إن فرانكل قلب المثل القائل إن الرغبة أبو الفكرة، فجعل الخوف أمّ الحدث. ويسمّي ذلك (القلق الاستباقي).
ويضيف إليه علّة ثانية، هي أن الحرص المفرط على شيء يمنع حدوثه. فمن يجاهد لينام يطرد النوم، ومن يراقب أداءه في لحظة حميمة يفسدها. وبهذا تنغلق الدائرة، فالعرَض يولّد الخوف، والخوف يولّد العرَض، وكل محاولة لمحاربته تزيده. والوسواس كذلك، كلما قاوم الإنسان فكرته اشتدّت عليه.
الطريقة
وعلاج فرانكل أن يقلب المريض نيّته، فيتمنّى، ولو لحظة، الشيء الذي يخافه. فتحلّ محلّ الخوف رغبة مضحكة، وبذلك، كما يقول، "تُسحب الريح من أشرعة القلق". وقد وصف الطريقة أول مرة سنة 1939.
ومن حالاته محاسب كاد يفقد عمله، لأن تشنّجاً في يده كان يمنعه من الكتابة. فطُلب منه أن يكتب بأسوأ خط يقدر عليه، وأن يقول في نفسه: "سأُري الناس الآن أيّ خربشة أُحسن!". فلم يقدر على أن يخربش، وزال التشنّج في يومين. وأطرف منه متأتئ قال إنه لم يتكلم بطلاقة في حياته إلا مرة واحدة، يوم ضُبط في الترام بلا تذكرة، فحاول أن يتأتئ ليستدرّ عطف المحصّل، فلم يستطع.
وسرّ الطريقة في الضحك، إذ تقوم على قدرة الإنسان على أن يبتعد عن نفسه خطوة فينظر إليها، والدعابة أجلى صور هذه القدرة. ويستشهد فرانكل بعالم النفس غوردون ألبورت: "العُصابيّ الذي يتعلّم أن يضحك من نفسه قد يكون في طريقه إلى أن يملك نفسه، وربما إلى الشفاء".
وفي الأرق ينصح من لا ينام بأن يكفّ عن محاولة النوم، ويحاول أن يبقى مستيقظاً أطول ما يستطيع، فيأتيه النوم بعد قليل. ويضيف أن الجسد يأخذ وحده أقل ما يحتاج إليه من النوم، فالخوف من قلّة النوم أكبر من خطرها.
انصرف عن نفسك
وللطريقة أخت يسمّيها فرانكل (صرف الانتباه)، وهي أن يحوّل الإنسان انتباهه عن نفسه وعن عرَضه إلى ما ينبغي أن يُنظر إليه، إلى الشريك أو العمل أو الموقف. فالسعادة واللذة والنجاح تأتي أثراً جانبياً حين ينشغل الإنسان بشيء أكبر منه، وتفرّ ممن يطاردها. ويمثّل لذلك بالمصوّر الذي يأمر الناس بأن يبتسموا، فلا يحصل إلا على وجوه متجمّدة، فالابتسامة تحتاج إلى ما يُضحك، ولا يكفي فيها الأمر. ويجمع مدرسته في جملة: "مفتاح الشفاء أن يتجاوز الإنسان نفسه".
ما بقي منها اليوم
قصص فرانكل مدهشة، ولكنها حالات رواها هو وزملاؤه من عياداتهم، ولم يمتحنها أحد في تجارب مضبوطة. أما قوله إنها تنفع "أيّاً كان سبب العُصاب" ففيه مبالغة.
وأمتن ما بقي منها استعمالها في الأرق الذي يصيب المرء عند بدء النوم. فقد أوصت بها الأكاديمية الأمريكية لطب النوم سنة 2006 لهذا النوع من الأرق، ثم رأت في إرشاداتها سنة 2021 أن الدليل لا يكفي لاستعمالها وحدها. ووجدت مراجعة منهجية لنحو عشر تجارب أنها تحسّن النوم، وتخفّف قلق الأداء المرتبط به، وإن كانت الدراسات ضعيفة الجودة. فهي اليوم جزء من العلاج المعرفي السلوكي للأرق، ولا تُعدّ علاجاً قائماً بذاته.
أما في الرهاب والوسواس القهري فلم يتجاوز سندها في الغالب حالات فردية ودراسات صغيرة. والعلاج المعتمد فيهما اليوم العلاج بالتعرّض، ومنه التعرّض ومنع الاستجابة في الوسواس، وهو يشاركها فكرتها الأساسية، أن تقترب عمداً مما تخافه بدل أن تحاربه أو تهرب منه. فقد سبق فرانكل إلى حدس صار اليوم في قلب العلاج السلوكي، وإن صار فيه أدقّ وأبطأ من جلسته الواحدة.
جرّبها
اختر لها خوفاً صغيراً يعطّلك أحياناً، كأن يرتجف صوتك في اجتماع، أو يحمرّ وجهك، أو ليلة تعرف أن النوم سيتأخّر فيها، ولا تجرّبها في معاناة طويلة. ثم قل لنفسك مازحاً: "فليرتجف صوتي اليوم أكثر من أي مرة!"، أو استلقِ في فراشك وعيناك مفتوحتان، وحاول أن تبقى مستيقظاً، ولاحظ ما يحدث. أما إن كان الأرق يتكرّر أسابيع، أو كان القلق أو الوسواس يعطّل حياتك، فلا تجرّبها وحدك، وكلّم طبيباً أو معالجاً مختصاً.
المصادر والسياق
- الإنسان يبحث عن المعنى: الحرية التي لا تُنتزع
- Jansson-Fröjmark et al. — Paradoxical intention for insomnia, systematic review and meta-analysis, Journal of Sleep Research ↗
- AASM — Practice parameters for the psychological and behavioral treatment of insomnia (2006 update) ↗
- Wikipedia — Paradoxical intention ↗
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
