ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 5 دقائق

الارتداد إلى المتوسط: لماذا يبدو أن التوبيخ ينجح؟

Regression to the Mean

بعد أفضل شهر يأتي غالباً شهر أقل، وبعد أسوأ شهر يأتي تحسّن. كيف تقرأ هذا دون أن تخترع له سبباً، وكيف تصحّح توقّعاتك؟

الفكرة

ميل النتيجة المتطرّفة إلى أن تتبعها نتيجة أقرب إلى المتوسط، كلما كان الارتباط بين القياسين أقل من تامّ، ولهذا الميل تفسير إحصائي، وليس له سبب.

في كل نتيجة متطرّفة نصيب من الحظ لن يتكرّر غالباً، فلا تنسب التحسّن أو التراجع إلى تدخّلك دون مقارنة، واجعل توقّعك أقرب إلى المتوسط بقدر ضعف دليلك.

يدير خالد ثلاثة فروع لمحلّ هواتف. وفي الشهر الماضي سجّل أحد الفروع أسوأ مبيعات منذ سنة، فاجتمع بفريقه ووبّخهم، وسجّل فرع آخر رقماً قياسياً، فكافأ مديره علناً. وفي هذا الشهر تحسّن الفرع الأول، وتراجع الثاني، فخرج خالد بدرس يبدو له واضحاً، أن الشدّة تنفع، وأن المديح يفسد.

كيف يصفها المؤلف؟

يروي دانيال كانمان في التفكير السريع والبطيء أنه كان يحاضر مدرّبي طيران في سلاح الجو الإسرائيلي، ويشرح لهم أن مكافأة التحسّن أجدى من معاقبة الخطأ. فاعترض مدرّب خبير قائلاً: "حين أمدح طالباً على مناورة نظيفة يسوء أداؤه في المحاولة التالية غالباً، وحين أصرخ في سمّاعته بعد مناورة سيئة يتحسّن في الأغلب".

وكانت ملاحظة المدرّب صحيحة، أما استنتاجه فخطأ من أوله إلى آخره. ذلك أنه لا يمدح إلا أداءً أفضل كثيراً من المعتاد، والأرجح أن الطالب كان محظوظاً في تلك المحاولة، فسيتراجع مُدح أم لم يُمدح. ولا يصرخ إلا بعد أداء سيئ على غير العادة، فسيتحسّن الطالب على الأرجح أياً كان ما يفعله المدرّب. ولكي يبيّن كانمان ذلك رسم هدفاً على الأرض، وطلب من كل ضابط أن يرمي نحوه قطعتين نقديتين وظهره إليه، فتراجع أكثر من أصابوا في الرمية الأولى، وتحسّن أكثر من أخطؤوا، بلا مديح ولا عقاب.

وخلاصة كانمان مُرّة، فالتغذية الراجعة التي تقدّمها لنا الحياة معكوسة. نلطف بالناس حين يرضوننا، ونقسو عليهم حين لا يرضوننا، فإذا اللطف يُعاقَب إحصائياً، والقسوة تُكافأ.

ويلخّص كانمان الفكرة في معادلتين: النجاح = موهبة + حظ، والنجاح الكبير = موهبة أكثر قليلاً + حظ أكثر كثيراً. ففي بطولة غولف متوسط نتائجها 72، يدلّ تسجيل لاعب 66 في اليوم الأول على موهبة فوق المتوسط، ويدلّ كذلك على حظ فوق المعتاد في ذلك اليوم. والموهبة تبقى، أما الحظ فلا يُتوقَّع أن يتكرّر، ولذلك يُتوقَّع أن يبقى اللاعب جيداً في اليوم الثاني، وأن يكون دون ما كان في الأول. ومن سجّل 77 يتحسّن على الأرجح، فيضيق الفارق بين الاثنين. ولو رُتّب اللاعبون بنتائج اليوم الثاني ونُظر في نتائجهم في الأول، لظهر النمط نفسه. وارتدادٌ يعمل في اتجاه الزمن وفي عكسه لا يمكن أن يكون له سبب.

والارتداد يقع، كما يقول كانمان، كلما كان الارتباط بين قياسين أقل من تامّ. غير أن عقولنا تميل إلى التفسير السببي، فتخترع له القصص، كاللعنة التي يُقال إن غلاف مجلة رياضية يصيب بها كل من يظهر عليه، أو قافز التزلّج الذي يُقال إنه توتّر لأنه يحمي تقدّمه. ولذلك لا يُحكم على أي علاج إلا بمقارنته بـمجموعة ضابطة. ويضرب كانمان مثلاً بعنوان صحفي اختلقه، عن أطفال يعانون الاكتئاب تحسّنوا كثيراً بعد ثلاثة أشهر من شرب مشروب طاقة. والتحسّن متوقّع بلا مشروب، لأن المجموعة المتطرّفة ترتدّ نحو المتوسط مع الوقت، فالسؤال الصحيح هو هل تحسّنت المجموعة المعالَجة أكثر مما يفسّره الارتداد وحده.

وفي الفصل التالي طريقة لتصحيح التوقّع الحدسي. فكانمان يذكر طالبة اسمها جولي كانت تقرأ بطلاقة في الرابعة من عمرها، ويسأل عن معدّلها الجامعي، فيقفز التقدير غالباً إلى 3.7 أو 3.8، لأن الذهن يطابق شدّة الدليل بشدّة النتيجة. ويُصحَّح هذا التقدير في أربع خطوات.

  1. ابدأ بالمعدّل المتوسط.
  2. حدّد المعدّل الذي يطابق انطباعك عن الدليل.
  3. قدّر الارتباط بين الدليل والنتيجة. وأكثر ما يذهب إليه كانمان تفاؤلاً في هذا المثال نحو 30%.
  4. تحرّك من المتوسط نحو انطباعك بنسبة الارتباط، أي 30% من المسافة.

مثال

وفي حساب خالد، بأرقام افتراضية، متوسط مبيعات الفرع في الشهر 20 ألف دينار، وقد باع الفرع الممتاز 32 ألفاً. فإذا أراد أن يتوقّع الشهر القادم، قال له حدسه 32 ألفاً أو أكثر. غير أن مبيعات الشهر الواحد يدخلها الحظ كثيراً، كعرض من المورّد، أو طلبية كبيرة من شركة. فإذا قدّر أن الارتباط بين الشهر والذي يليه نحو 0.4، صار توقّعه 20 ألفاً، زائداً 40% من فرق الـ12 ألفاً، أي نحو 24,800 دينار.

ولكي يعرف هل نفع التوبيخ، يحتاج إلى مقارنة بفروع سجّلت شهراً سيئاً ولم يوبّخ فيها أحداً، فإن تحسّنت هي أيضاً كان الارتداد كافياً لتفسير ما رآه.

كيف تستخدم الفكرة؟

  1. حين تنظر في حالة لأنها متطرّفة، توقّع الارتداد قبل أن تبحث عن سبب، سواء كانت أفضل موظف عندك، أو أسوأ شهر، أو أنجح حملة.
  2. لا تنسب التغيّر إلى تدخّلك دون مقارنة. سجّل حالات تدخّلت فيها، وأخرى لم تتدخّل فيها.
  3. في التوقّعات العددية طبّق الخطوات الأربع. وإن لم تعرف الارتباط فافترضه منخفضاً.
  4. صحّح أكثر حين تكون العيّنة صغيرة. يقارن كانمان بين كيم، صاحبة المقابلات اللامعة التي لا سجلّ لها يُذكر، وجين، صاحبة السجلّ الممتاز والمقابلات الأقل بريقاً، ويقول إنه يختار جين، وإن مقاومته لانطباعه عن كيم صراع.

حدود الفكرة

يقرّ كانمان بأن التوقّع المصحَّح يحرم صاحبه من التنبؤ بالحالات النادرة، فلن يقول أبداً "كنت أعرف" حين ينجح مشروع ناشئ نجاحاً كبيراً. ويعدّ الاعتراض على التصحيح جدّياً حين يكون أحد الخطأين أسوأ كثيراً من الآخر، كمستثمر يخشى أن يفوته المشروع الكبير التالي. لكنه يطلب ممّن يقبل التوقّعات المتطرّفة أن يبقى واعياً بأنه يجامل نفسه.

والحلقة الواهية في الطريقة هي تقدير الارتباط نفسه، فالكتاب يتركه لتقدير القارئ. ويعرّف كانمان الارتباط تعريفاً مبسّطاً بأنه نسبة العوامل المشتركة بين القياسين، وهذا تبسيط يعين الحدس، ولا يصلح للحساب الدقيق. والملاحظة لفكرغراف، ولا يقولها الكتاب.

ويعرض كانمان في الفصل العاشر (اليد الساخنة) في كرة السلة مثالاً على رؤية أنماط في العشوائية. غير أن ميلر وسانخورخو بيّنا (2018) خللاً في طريقة الحساب الأصلية، وأن تصحيحه يُظهر أثراً صغيراً في بعض البيانات. فالدرس العام باقٍ، ومثاله الذائع صار محلّ نقاش.

أمّا الارتداد إلى المتوسط فنتيجة رياضية لا تحتاج إلى تكرار تجريبي. وليس شيء مما سبق نصيحة استثمارية.

صلة عملية: كيف تقيّم مرشحاً أو عرضاً دون أن تخدعك الانطباعات؟.

المصدر: الفصلان 17 و18 من Thinking, Fast and Slow، وفيهما مدرّبو الطيران، ومعادلتا النجاح، والغولف، والمجموعة الضابطة، وجولي والخطوات الأربع، وكيم وجين، مع إشارة إلى اليد الساخنة في الفصل 10. أما مثال خالد وأرقامه الافتراضية وخطوات الاستخدام والملاحظة على تعريف الارتباط فمن فكرغراف.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

الارتداد إلى المتوسط: لماذا يبدو أن التوبيخ ينجح؟