كتاب · مدروس · قراءة في 34 دقيقة
البجعة السوداء: سطوة ما لم يكن في الحسبان
The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable — Nassim Nicholas Taleb
ويُعرف بالعربية أيضاً باسم البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة
كتاب نسيم نقولا طالب عن الأحداث النادرة التي لم يتوقعها أحد ثم صنعت أكثر ما يهمّ في حياتنا، وعن التفسير الذي نخترعه لها بعد وقوعها، وعن الطريقة التي يحمي بها الإنسان نفسه منها.
رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

لماذا هذا الكتاب؟
غيّر هذا الكتاب طريقة كلام الناس عن المخاطر والمفاجآت، وترك في يد قارئه أسئلة تصلح لكل قرار كبير. هل تستطيع حادثة واحدة أن تغيّر المجموع؟ ومن يرى ما لا تراه؟ وماذا يصيبك إن كنت مخطئاً؟ وقد صدر قبل أزمة 2008 بسنة ونصف، فعاد العالم يقرؤه بعدها بعين أخرى.
حكم فكرغراف
يعيش الكتاب في صوره: الديك الرومي، وصور الغرقى، وبلاد الوسط وبلاد الأطراف، والقرار الذي يُقاس بضرره ولا يُقاس باحتماله. على أن نبرته هجومية، وتعميماته عن الخبراء والتنبؤ أوسع من أدلتها، وفي تفاصيله التاريخية أخطاء، ولصاحبه مصلحة تجارية في أطروحته. فهو مقالة فلسفية طويلة في حدود المعرفة، ومن طلب فيه كتاب إحصاء أو دليل استثمار لم يجده.
الفكرة المركزية
قليل من الأحداث النادرة العظيمة الأثر، التي لم يتوقعها أحد ثم بدت بعد وقوعها مفهومة، يفسّر أكثر ما يهمّ في التاريخ والأسواق وحياة الناس. ولن نتنبأ بها، فعقولنا وأدواتنا صُنعت لعالم أهدأ من عالمنا. والحكمة أن نرتّب حياتنا وأعمالنا بحيث لا تحطّمنا السلبية منها، ونبقى معرّضين للإيجابية، بدل أن نراهن على التنبؤ بها.
ظلّ الأوروبيون قروناً يقولون إن البجع كله أبيض، ولم يكن عندهم ما يكذّب القول. وقد كتب الشاعر الروماني جوفينال قبل نحو ألفي سنة عن "طائر نادر في الأرض، أشبه شيء ببجعة سوداء"، يقصد الزوجة الصالحة، ويعني أنها لا تكاد توجد. ثم دخل البحّار الهولندي ويليم دي فلامينغ نهراً على الساحل الغربي لأستراليا في يناير 1697، فوجده يعجّ بالبجع الأسود، فسمّاه نهر البجع. فهدم مشهدٌ واحد ما بنته ملايين المشاهدات.
على أن هذا البجع لم يفاجئ أهل البلاد الأصليين، فقد عرفوه منذ آلاف السنين، ودخل في حكاياتهم. كان بجعة سوداء في عيون الأوروبيين وحدهم.
من هذا الطائر أخذ نسيم نقولا طالب اسم كتابه، ومن هذه المفارقة أخذ لبّ فكرته. وُلد طالب سنة 1960 في أميون، في الكورة شمال لبنان، لعائلة من الروم الأرثوذكس عُرف رجالها بالطب والقضاء والسياسة، وكان جدّه لأمه فؤاد غصن وزيراً ونائباً لرئيس الحكومة. درس في بيروت وباريس، ثم في كلية وارتون الأمريكية، وعمل قرابة عشرين سنة متداولاً للمشتقات المالية، متخصصاً في الرهان على الأحداث النادرة. فالأطروحة التي يكتبها هي المهنة التي عاش منها.
صدر الكتاب في أبريل 2007، قبل انهيار المصارف بسنة ونصف، وبقي ستة وثلاثين أسبوعاً في قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً. وبيع منه قرابة ثلاثة ملايين نسخة حتى 2011، وتُرجم إلى أكثر من ثلاثين لغة، منها العربية بعنوان البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة (الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009). وفي 2010 أعاد طالب نشره مع لاحقة طويلة كتبها بعد الأزمة، عنوانها عن المتانة والهشاشة، ولم يغيّر في النص الأصلي إلا حواشي قليلة. وهو الثاني في سلسلة سمّاها Incerto، بعد Fooled by Randomness وقبل Antifragile.
ويقول طالب إن قليلاً من الأحداث النادرة، العظيمة الأثر، التي لا يتوقعها أحد، يصنع أكثر ما يهمّ في التاريخ والأسواق وحياة كل واحد منا. لا نراها قادمة، ثم نخترع لها بعد وقوعها تفسيراً يجعلها تبدو حتمية، فنظن أننا فهمنا، ونستعد للمرة القادمة بأدوات لا ترى المرة القادمة.
ما البجعة السوداء؟
تجتمع في البجعة السوداء، كما يعرّفها طالب في مقدمته، ثلاث صفات. فهي حدث شاذّ لم يكن في الماضي ما يشير إليه إشارة مقنعة، وأثرها هائل، ثم نخترع لها بعد وقوعها تفسيراً يجعلها مفهومة متوقَّعة. ويختصرها في ثلاث كلمات: "الندرة، والأثر الهائل، وقابلية التنبؤ بأثر رجعي، لا مسبقاً".
وفي الحواشي يضيف ما تُسقطه أكثر الملخصات، وهو أن البجعة السوداء صفة في معرفة من يرى الحدث، وليست صفة في الحدث نفسه. فهجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت بجعة سوداء لضحاياها، ولم تكن كذلك لمن خطّطوا لها. ولا شيء يضيق به طالب في فهم الناس لكتابه كما يضيق بمن يبحث عن (بجعة سوداء موضوعية) واحدة يراها الجميع. وما توقّعه الجميع فلم يقع بجعة سوداء أيضاً. وقد تكون البجعة إيجابية، ككتاب ينتشر فجأة، أو اكتشاف يبدّل عيش الملايين، أو لقاء عابر يغيّر مجرى حياتك.
ويقترح طالب على قارئه تمريناً صغيراً. عُدّ الأحداث الكبيرة التي وقعت في العالم منذ وُلدت، وما جرى لك أنت، من مهنتك إلى لقائك بمن تزوّجت، وانظر كم منها جاء في موعده المتوقع.
وفي المقدمة صورة يسمّيها (البطل الصامت). تخيّل مشرّعاً فرض في العاشر من سبتمبر 2001 أبواباً مصفّحة مقفلة على قمرات الطيارين. لن تقع الهجمات، ولن يعرف أحد أنها كانت ستقع، وسيرى الناس في قانونه هدراً للمال، ثم يموت ظانّاً أنه لم يفعل شيئاً نافعاً. فالناس يكافئون من يعالج الأزمة، وينسون من منعها، إذ ما مُنع لا يُرى.
وقد صار المصطلح اليوم في كل عنوان صحفي، حتى ضاق به طالب نفسه حين أُلصق بكل حدث مفاجئ. فلما سُمّيت به جائحة كورونا قال إنها بجعة بيضاء، إن كان في الدنيا بجعة بيضاء، لأنها كانت متوقعة، وكان قد شارك في 26 يناير 2020 في ورقة تطالب بتقييد التنقّل مبكراً. والحكومات، كما قال، "لم ترد أن تنفق قروشاً في يناير، وستنفق الآن تريليونات". واستعار كريس فوس المصطلح في التفاوض بمعنى قريب من أصله، فالبجعة السوداء في كتابه معلومة لم تكن تعرف أنك تجهلها.
الجزء الأول: مكتبة إيكو التي لم تُقرأ
الكتب التي لم تقرأها
يفتتح طالب الجزء الأول بمكتبة الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو، وفيها نحو ثلاثين ألف كتاب. وزوّارها صنفان، كثرة تسأل صاحبها كم قرأ منها، وقلّة تفهم أن المكتبة الخاصة أداة بحث تُستعمل ولا يُراد بها الزينة، وأن ما لم يُقرأ منها أثمن مما قُرئ. ويسمّي طالب هذه الكتب (المكتبة المضادة)، والتسمية له وليست لإيكو، ويتمنّى لو حمل كل منا (سيرة ذاتية مضادة) يُكتب فيها ما لم يدرسه وما لم يجرّبه.
وعلى هذا الميل يقوم الجزء الأول كله. نحتفي بما نعرف كأنه ملك نحرسه، ونهمل الرفوف التي لم نقرأها، ومن تلك الرفوف تأتي البجعة السوداء.
لبنان، وثلاثية الغموض
ومن مكتبة إيكو ينتقل إلى سيرته. يصف جبل لبنان والساحل بأنهما اتّسعا أكثر من ألف سنة لاثنتي عشرة طائفة وجماعة على الأقل، وقد سمع في المدرسة عن "استقرار تاريخي فريد". فلما اندلعت الحرب الأهلية في أبريل 1975 جاءت، كما يقول، "من حيث لا يدري أحد". ويكتب طالب هذا التاريخ من ذاكرة عائلته، ويعترف بأن صورة ما قبل الحرب فيها قد تكون أبهى مما كانت.
قال الكبار إن الحرب ستنتهي "في أيام"، وجلس المهجّرون في فنادق قبرص واليونان وفرنسا ينتظرون العودة، كما انتظر الكوبيون في ميامي بحقائب نصف مرتّبة. ودامت الحرب نحو خمسة عشر عاماً ونصف، من 1975 إلى 1990، وإن جعلها طالب قرابة سبعة عشر، وكانت حرباً متعددة الأطراف تداخلت فيها السياسة والطوائف والقضية الفلسطينية وتدخّلات من خارج لبنان.
ومن هذه التجربة يستخرج ما يسمّيه (ثلاثية الغموض)، ويرى بها التاريخ كله. نرى الأحداث ولا نرى المطبخ الذي خرجت منه، فنقع في ثلاثة أخطاء. أولها وهم الفهم، إذ يظن كل واحد أنه يعرف ما يجري في عالم أعقد مما يظن. وثانيها التشويه بأثر رجعي، فيبدو التاريخ في الكتب أبين وأحسن ترتيباً منه في الواقع. وثالثها المبالغة في قيمة المعلومات، وفي قيمة أهل العلم والسلطة حين يقطّعون الواقع فئات.
وفي قبو البيت، أيام القصف، قرأ يوميات الصحفي الأمريكي وليام شيرر في برلين بين 1934 و1941. وكانت قيمتها في عينه أنها كُتبت قبل أن يعرف صاحبها ما سيأتي، فلا أحد فيها يتخيّل حجم الحرب القادمة. وارتاب في أن شيرر غشّ قليلاً قبل النشر، وصدق ارتيابه، إذ قارن باحث سنة 2013 الكتاب بالمذكرات الأصلية، فوجد أن كثيراً من صفحاته الأولى كُتب لاحقاً.
وأبلغ ما يصوّر به الثلاثية جدّه الوزير. فلم يكن الجدّ يعرف مما سيحدث أكثر مما يعرفه سائقه ميخائيل، غير أن ميخائيل كان يعلّق على كل خبر بعبارة واحدة: "الله أعلم". والفرق أن السائق كان يعرف أنه لا يعرف. ويكتب طالب: "لم يكن أحد يعرف شيئاً، لكن النخبة ظنّوا أنهم يعرفون أكثر من غيرهم لأنهم نخبة".
وانتقل بعد ذلك إلى نيويورك وصار متداولاً. وفي 19 أكتوبر 1987 خسرت البورصة الأمريكية 22.6% من قيمتها في يوم واحد، وهو أكبر هبوط يومي في تاريخها، فرأى طالب رجالاً يبكون بصمت في قاعة التداول، ونام تلك الليلة اثنتي عشرة ساعة. كان قد راهن على هذا النوع من الأحداث، وأكثر من حوله "يلتقطون القروش أمام مدحلة"، فخرج من ذلك اليوم بما يكفيه ليختار عمله بحرية، وبدرس واحد تعلّمه من الحرب والانهيار معاً، وهو أن العلّة في طريقة إدراكنا للأحداث، وليست في الأحداث نفسها.
يفغينيا، والمهن التي تتّسع
في الفصل الثاني حكاية متخيّلة عن روائية اسمها يفغينيا كراسنوفا، رفض الناشرون كتابها لأنه ليس رواية ولا بحثاً، فنشرته على الإنترنت، فباع ملايين النسخ. فلما نجحت اكتشف النقّاد فجأة أن أسلوبها كان حتمياً، ووجدوا لها أسلافاً لم تقرأهم قط. ففي حكايتها البجعة السوداء كلها مصغّرة، ندرةً وأثراً وتفسيراً بعد الحدث.
وفي الفصل الثالث يفرّق بين نوعين من المهن. فطبيب الأسنان والخبّاز والمستشار بالساعة لا يخدم أحدهم في اليوم إلا عدداً محدوداً من الناس، ولا يغنيه يوم واحد، فهذه مهن لا تتّسع. أما الكاتب فلا يكتب كتابه من جديد لكل قارئ، والمضارب يشتري مئة سهم أو مليوناً بالمكالمة نفسها، فهذه مهن تتّسع، وفيها عمالقة قليلون وأقزام كثيرون، والحظ فيها أكبر مما يعترف به الناجحون. ولهذا ينصح طالب قارئه بأن يختار مهنة لا تتّسع، على عكس ما نُصح به هو في شبابه.
ومن هذا التفريق تخرج الأداة التي عُرف بها الكتاب. ضع في ملعب ألف شخص اختيروا عشوائياً، وأضف إليهم أثقل إنسان تتخيّله، فلن يتجاوز وزنه واحداً في المئة من وزنهم جميعاً. ثم أضف إليهم أغنى رجل في العالم، فتصير ثروته قرابة 99.9% من ثروتهم جميعاً، ويصير الباقون فاصلة عشرية. هذان عالمان يسمّيهما بلاد الوسط (Mediocristan) وبلاد الأطراف (Extremistan). في الأولى لا تغيّر مشاهدة واحدة المجموع، كالطول والوزن ودخل الخبّاز، وتكفيك عينة معقولة لتعرف المتوسط. وفي الثانية تستطيع مشاهدة واحدة أن تغيّره، كالثروة ومبيعات الكتب وضحايا الحروب وحركة الأسواق، فلا تأمن ما تعلّمته من الماضي، لأن المتوسط نفسه قد يتغيّر بحادثة واحدة. (عالمان: بلاد الوسط وبلاد الأطراف)
الديك الرومي، وقصة الاستقراء
ويأتي بعدها المشهد الذي يذكره كل من قرأ الكتاب. ديك رومي يُطعَم كل يوم، فتزداد ثقته كل صباح بأن البشر يعتنون به، حتى يبلغ يقينه ذروته في اليوم الألف. وفي اليوم التالي، قبيل عيد الشكر، يُذبح. ويكتب طالب: "لاحظ أن الإحساس بالأمان بلغ أقصاه حين كان الخطر في أقصاه!"، فاليد التي تطعمك قد تكون اليد التي تلوي عنقك. وأصل المثال دجاجة عند الفيلسوف برتراند راسل، جعلها طالب ديكاً رومياً على الطريقة الأمريكية.
فالسجل الطويل من الهدوء قد يكون علامة على خطر يتراكم. وهكذا يبدو المصرف المحافظ آمناً، لأن خسائره نادرة، وندرة الخسارة غير صغر الخطر، وأرباحه "مال مستعار من القدر". ويلاحظ طالب أن الهدم أسرع من البناء، فقد نُسفت بيوت عائلته في أميون أيام الحرب في ساعات، وأخذ بناؤها سنتين. (مشكلة الديك الرومي)
وللمسألة عند الفلاسفة اسم، هو (مشكلة الاستقراء)، أي كيف ننتقل من مشاهدات محدودة إلى حكم عام. ويروي طالب تاريخها، فيمرّ بالفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم، ثم بسكستوس إمبيريكوس، الطبيب الشكّاك في القرن الثاني الميلادي، وبمدرسة الأطباء التجريبيين الذين لم يثقوا بالنظرية، وباسمهم سمّى شركته إمبيريكا.
وفي هذا التاريخ يصل إلى أبي حامد الغزالي، في فقرة يقرؤها القارئ العربي بانتباه. يقول إن الغزالي وصف صنفاً من أهل العلم المتشدّدين بالأغبياء، وهاجم المعرفة العلمية في تهافت الفلاسفة، ففتح بذلك جدالاً مع ابن رشد، وإن كثيرين يحمّلونه تخلّي العرب لاحقاً عن المنهج العلمي، وإنه غذّى تصوّفاً يقطع الصلة بالدنيا. ثم تراجع طالب عن ذلك في لاحقة 2010، فكتب أنه بالغ في شأن الخلاف بين الرجلين، وظن كما ظن غيره أنه كان حدثاً كبيراً قتل الفلسفة العربية، وأن باحثين مثل ديمتري غوتاس وجورج صليبا هدموا هذه الفكرة. واعترف بأنه "خجل بعض الشيء"، فالعربية من لغاته الأم، وقد نقل عن مصادر تداولتها الأيدي، كتبها باحثون لا يقرؤون العربية.
والصورة أدقّ من ذلك. فلم يكن بين الرجلين جدال حيّ، إذ وُلد ابن رشد بعد وفاة الغزالي بخمس عشرة سنة، وردّ عليه في تهافت التهافت. والغزالي يقول في مقدمة كتابه إنه لا ينازع فيما ثبت بالبرهان الرياضي، ككسوف الشمس وخسوف القمر، والأغبياء في كلامه هم الذين تركوا الفرائض تقليداً لأسماء الفلاسفة الكبار، ولم يُرد بهم العلماء عامة. والذي أنكره في المسألة السابعة عشرة ضرورةُ الاقتران بين السبب والمسبَّب، أما انتظام الحوادث فلم ينكره. فالنار عنده لا تحرق القطن بطبعها، وإنما يخلق الله الاحتراق عند ملاقاتها على عادة جارية. وهنا يقترب حقاً من هيوم، الذي قال بعده بأكثر من ستة قرون إن المشاهدة لا تُرينا إلا اقتران الشيئين، وإن اختلف دافع الرجلين. ويذكّر صليبا بأن الفلك العربي ازدهر بعد الغزالي بقرون، في مرصد مراغة في القرن الثالث عشر، وعند ابن الشاطر في الرابع عشر. أما التصوّف فأقدم من الغزالي بقرون.
الخطأ في التأكيد: حين نبحث عمّا يؤكّد ظنّنا
وفي الفصول التالية خمسة وجوه لعمى واحد، أولها الخطأ في التأكيد. إذ نخلط بين غياب الدليل على المرض ووجود الدليل على عدم المرض، والطبيب يعرف الفرق، فيكتب في تقريره "لا دليل على المرض"، ولا يكتب "دليل على عدم المرض". ونقلب الجملة فلا ننتبه، فأكثر لاعبي كرة السلة طوال، أما أكثر الطوال فليسوا لاعبي كرة سلة. وبهذا المنطق يبيّن طالب كيف تضخّم الصور النمطية الشكّ في جماعة كاملة بسبب قلّة منها.
والمعرفة في رأيه تتقدّم بالنفي. فبجعة سوداء واحدة تكفي لتكذيب القول بأن البجع كله أبيض، وملايين البجعات البيض لا تثبته. "أعرف أيّ قول خاطئ، لكني لا أعرف بالضرورة أيّ قول صحيح". وهذا أحبّ ما في فلسفة كارل بوبر إلى أهل الممارسة، وإن لم يكن أعمق أفكاره ولا أبعدها أصالة. ويستشهد بالمستثمر جورج سوروس، الذي كان كلما راهن بحث عن الدليل على أنه مخطئ، ويرى في ذلك الثقة الحقيقية بالنفس، وهي أن تنظر إلى العالم دون حاجة إلى ما يطمئن غرورك.
مغالطة السرد
وثاني الوجوه مغالطة السرد، وهي عجزنا عن النظر إلى سلسلة من الوقائع دون أن ننسج بينها قصة. ويستعير طالب مثال الروائي إي. إم. فورستر، فقولك "مات الملك ثم ماتت الملكة" خبران، وقولك "مات الملك ثم ماتت الملكة حزناً" حبكة. والحبكة أطول، لكنها أسهل حفظاً، لأنها تضغط الخبرين في وحدة واحدة. فالقصة طريقتنا في ضغط المعلومات، والضغط يُظهر العالم أقل عشوائية مما هو. "والبجعة السوداء هي ما نحذفه حين نبسّط".
ومن أمثلته عنوانان نشرتهما وكالة بلومبرغ يوم القبض على صدام حسين في ديسمبر 2003. ففي الواحدة ظهراً كتبت "السندات الأمريكية ترتفع، فالقبض على صدام قد لا يكبح الإرهاب"، وبعد نصف ساعة كتبت "السندات الأمريكية تنخفض، فالقبض على صدام يزيد جاذبية الأصول الخطرة". فصار الخبر الواحد سبباً لحركتين متعاكستين.
والقصة تجعلنا فوق ذلك نخشى البجعات الخطأ، فنبالغ في احتمال ما يُحكى عنه ويُصوَّر، ونهمل ما لا يتخيّله أحد. ويربط طالب ذلك بما سمّاه علماء النفس النظامين، فالسريع منهما يقفز إلى القصة، والبطيء يحتاج إلى جهد ليفحصها. والعلاج أن تقدّم التجربة على الحكاية، وأن تكتب توقعاتك قبل وقوع الأحداث، ثم تعدّ كم أصبت منها. (ما تراه هو كل ما هنالك)
في ردهة الأمل
وثالث الوجوه أن طبيعتنا لم تُخلق لعمل ثماره نادرة كبيرة. خذ باحثاً يعود إلى بيته كل مساء ولم يجد شيئاً، وصهره في وول ستريت يقبض عمولاته كل شهر، والعائلة تنظر إليهما. ذلك أن السعادة تأتي من تكرار الأخبار الطيبة أكثر مما تأتي من حجمها.
ويستعير لذلك رواية الإيطالي دينو بوتزاتي صحراء التتار. يُرسَل فيها الضابط الشاب جوفاني دروغو إلى قلعة نائية على حدود الصحراء، وتُتاح له فرصة الرحيل بعد أربعة أشهر، فينظر إلى الصحراء ويبقى. وينتظر خمساً وثلاثين سنة هجوماً يعطي حياته معناها، ثم يموت في نزل على الطريق في الساعة التي يأتي فيها العدو أخيراً.
وفي هذا الفصل يفرّق بين طريقتين في الرهان. فمن الناس من يربح القروش باستمرار ويغامر بالدولارات، فيبدو رابحاً أبداً حتى ينفجر، ومنهم من يخسر القروش باستمرار ليربح الدولارات في النادر، ولا يدع حادثة واحدة تقضي عليه. والثانية طريقة طالب نفسه في التداول، وصعوبتها نفسية قبل أن تكون مالية. ولذلك ينصح من يعيش على ثمار نادرة بأن يختار من يقارن نفسه بهم، وأن يكون في جماعة تشاركه الطريق، وألّا يحكم على عمله بسجل قصير.
صور الغرقى: الدليل الصامت
ورابع الوجوه الدليل الصامت، وهو عند طالب أشدّها خطراً. يروي شيشرون أن رجلاً من اليونان اسمه دياغوراس، وكان لا يؤمن بآلهة قومه، أُري ألواحاً مرسومة لبحّارة دعوا الآلهة فنجوا من الغرق، عسى أن يقتنع بأن الدعاء ينجّي، فسأل: "وأين صور الذين دعوا ثم غرقوا؟". والغرقى لا يُرسمون ولا يحكون.
وبهذا السؤال يقرأ التاريخ كله. يُقال إن الفينيقيين لم يتركوا أدباً لأنهم قوم تجارة، ويرى طالب أنهم كتبوا على البردي، والبردي يبلى. ونقول إن بلزاك عبقري لأن رواياته واقعية، ولا نعرف كم رواية بمثل صفاتها ماتت في أدراج الناشرين. ونقرأ الكتب التي تعدّد صفات الأثرياء، من جرأة وتفاؤل وإقدام على المخاطرة، ولا نرى مقبرة الذين حملوا الصفات نفسها وأفلسوا. ولهذا يعرّف طالب الانحياز بأنه "الفرق بين ما تراه وما هو موجود".
وأقسى صوره ما يسمّيه (نادي الفئران الرياضي). تتعرّض مجموعة من الفئران لإشعاع قوي، فيموت الضعيف منها، ويبدو الناجون أصلب من الفأر العادي، مع أن كل فأر خرج من التجربة أوهن مما دخلها. وكلما كان العلاج أفتك بدت التقوية أكبر. ومثلها حكاية كازانوفا، الذي ظن أن نجمه ينقذه كل مرة، فمن بين آلاف المغامرين ينجو بعضهم بالمصادفة مرة بعد مرة، وهؤلاء وحدهم يكتبون مذكراتهم. وحين يقول اقتصادي إن نيويورك "تعود دائماً أقوى"، يتذكّر طالب أن قرطاج وصور وأريحا كان لكل منها من يقول ذلك.
ويستعين في الفصل نفسه بما قاله الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا عمّا يُرى وما لا يُرى. إذ نرى ما تبنيه الحكومة بالمال، ولا نرى ما كان المال سيبنيه في مكان آخر. والدواء الذي ينقذ كثيرين ويؤذي قليلين يُتّهم، لأن من أُنقذ رقم، ومن تأذّى قصة. ولذلك يكتب طالب: "من السهل أن تبيع للناس: انظروا ماذا فعلت لكم، وصعب أن تبيعهم: انظروا ماذا جنّبتكم". (الدليل الصامت)
مغالطة اللعبة
وخامس الوجوه مغالطة اللعبة، وهي أن نظن الشك في الحياة كالشك في النرد والامتحانات. ويضع طالب سؤالاً واحداً أمام شخصيتين متخيّلتين، هما الدكتور جون، المهندس الذي صار خبير تأمين، وتوني البدين، رجل الأعمال من بروكلين. افترض أن قطعة نقود عادلة رُميت تسعاً وتسعين مرة فجاءت صورة في كل مرة، فما احتمال أن تأتي كتابة في الرمية التالية؟ يقول الدكتور جون إنه النصف، فالرميات مستقلة. ويقول توني: "لا يزيد على واحد في المئة. القطعة مغشوشة". فالمهندس محق داخل الافتراض، والخطر في أن يثق بالافتراض نفسه.
ويروي لقاءً في كازينو كبير بلاس فيغاس، وهو، كما يقول، المكان الوحيد الذي تُعرف فيه الاحتمالات. ومع ذلك جاءت أكبر خسائر الكازينو كلها من خارج نماذجه. فقد هاجم نمرٌ نجمَ العرض الرئيسي، وحاول مقاول غاضب أن يفجّر أعمدة المبنى، وخبّأ موظف تحت مكتبه تقارير كان عليه أن يرسلها إلى مصلحة الضرائب، فدفع الكازينو غرامة قياسية، واختُطفت ابنة المالك.
وفي آخر الجزء الأول يجمع طالب هذه الوجوه في فكرة واحدة. فما يُرى ويُحكى يطفو على السطح، وما لا يُرى يبقى في الظلام، لأن إضاءته تكلّف جهداً. ولذلك ينصح قارئه بأن يطفئ التلفاز ويقلّل قراءة الصحف، "فالتنبؤ لا السرد هو الامتحان الحقيقي لفهمنا العالم".
الجزء الثاني: لا نستطيع أن نتنبأ
دار الأوبرا في سيدني
يبدأ الجزء الثاني بمساء من مارس أمام دار الأوبرا في سيدني، وهي عند طالب "رمز لغرور الإنسان المعرفي". فقد كان يُفترض أن تُفتتح في أوائل 1963 بكلفة سبعة ملايين دولار أسترالي، فافتُتحت في أكتوبر 1973، بصورة أقل طموحاً من التصميم الأول، وبكلفة بلغت 102 مليون.
والقصة أعقد مما يرويه. فقد بدأ البناء سنة 1959 لأسباب سياسية، قبل أن تُحلّ مسألة القشور في التصميم، واستقال المعماري الدنماركي يورن أوتزون سنة 1966 بعد خلاف مع الحكومة، فأكمل غيره الداخل. وصارت الدار بعد ذلك من مواقع التراث العالمي، فهي فشل في التخطيط، وقد تكون أيضاً بجعة سوداء إيجابية.
كم نعرف حقاً؟
ويقيس طالب هذا الغرور بتمرين يستطيع القارئ أن يجرّبه الآن. اختر كمية لا تعرفها، كعدد سكان ولاية هندية أو عدد الكتب في مكتبة إيكو، واكتب مدىً أنت واثق منه بنسبة 98%. كان ينبغي أن يخطئ اثنان من كل مئة، أما في دراسة ألبرت وريفا على طلاب إدارة الأعمال في هارفرد فأخطأ قرابة 45%. وفي ورشة بلندن سأل طالب ستين حاضراً عن مكتبة إيكو، فلم يصب منهم أحد.
والمعلومات الإضافية، فوق ذلك، تزيد الثقة ولا تزيد الصواب. فقد أُعطي خبراء في الرهان على سباقات الخيل خمسة متغيرات، ثم عشرة، ثم عشرين، ثم أربعين، فبقيت دقتهم نحو 17%، وارتفعت ثقتهم من نحو 19% إلى أكثر من 30%. ومن هنا يستنتج طالب أن نشرة الأخبار كل ساعة أسوأ من مجلة أسبوعية، لأن الفاصل بين عددين يصفّي الضجيج.
ويفرّق بين خبير وخبير. فمقيّمو الماشية والفلكيون ولاعبو الشطرنج خبراء حقاً، أما سماسرة الأسهم ومحلّلو الاستخبارات والاقتصاديون فخبرتهم دون ما يظنون، لأن "الأشياء التي تتحرك لا خبراء لها في الغالب". ويسمّي من لا يملك إلا مظهر الخبرة (البدلة الفارغة).
ويستند هنا إلى عالم النفس فيليب تتلوك، الذي جمع نحو سبعة وعشرين ألف توقع من 284 خبيراً، فوجد أنهم بالكاد تفوّقوا على المصادفة، وأن ذائعي الصيت منهم كانوا أسوأهم توقعاً. وللقصة تكملة جاءت بعد الكتاب. ففي مسابقة نظّمتها وكالة أبحاث تابعة للاستخبارات الأمريكية بين 2011 و2015 قاد تتلوك (مشروع الحكم الجيد)، فوجد أن بعض الناس يحسنون التوقع في أسئلة محددة لا يتجاوز أفقها سنة تقريباً، وأن هذه القدرة تُقاس وتُتعلّم. ثم كتب طالب وتتلوك معاً سنة 2013 ورقة تفرّق بين أن تتوقع وقوع حدث وأن تعرف حجم ما يصيبك منه. فالتنبؤ ممكن أحياناً، غير أن الذي يحسم الأمر في بلاد الأطراف حجم الضرر.
مغالطة التخطيط: لماذا يتأخر المتأخر أكثر
ومن الغرور بالمعرفة إلى مغالطة التخطيط. طُلب من طلاب أن يقدّروا متى ينهون أطروحاتهم، في أحسن الاحتمالات وأسوئها، فكان متوسط أسوأ تقديراتهم نحو 49 يوماً، وأنهوها في المتوسط في 55 يوماً ونصف، فتجاوزوا حتى أسوأ ما تخيّلوه. والمفاجأة، كما يقول طالب، تدفع الكلفة والوقت إلى الأعلى في كل مرة تقريباً، والاستثناء النادر مبنى إمباير ستيت، الذي انتهى قبل موعده وبأقل من ميزانيته. (الرؤية الخارجية ومغالطة التخطيط)
ويعقد بعدها مقارنة تبقى في الذاكرة. فالمرأة التي بلغت التاسعة والسبعين يُتوقع أن تعيش نحو عشر سنين أخرى، فإن بلغت المئة فنحو سنتين ونصف، وكلما عاش الإنسان أطول قلّ ما يُتوقع أن يبقى له. أما المشروع الذي كان يُفترض أن ينتهي في 79 يوماً ولم ينته، فيحتاج نحو 25 يوماً أخرى، فإن بلغ اليوم المئة فنحو 89. "كلما طال انتظارك، طال ما ينبغي أن تنتظره". والحرب التي قيل إنها ستدوم ستة أشهر، فدامت سنتين، ستدوم سنين أخرى.
والتوقع بلا هامش للخطأ لا قيمة له. "لا تعبر نهراً عمقه أربعة أقدام في المتوسط". وحين تضع سياسة فالذي يهمّك أسوأ الاحتمالات، ولا يهمّك متوسطها.
روث الحمام: الاكتشاف بالصدفة وحدود التنبؤ
في الفصل الحادي عشر يذهب طالب إلى أن بعض حدود التنبؤ في طبيعة الأشياء نفسها، وليس في عيوبنا. فكثير مما يهمّ اليوم جاء مصادفة. وللمصادفة السعيدة في الإنجليزية كلمة، هي serendipity، صاغها الكاتب الإنجليزي هوراس والبول سنة 1754 من حكاية فارسية عن أمراء سرنديب. ووجد ألكسندر فليمنغ عفناً أفسد طبقاً من البكتيريا، فكان البنسلين. وكان عالما الفلك آرنو بنزياس وروبرت ويلسون ينظّفان هوائيهما من روث الحمام ليتخلّصا من ضجيج لا يزول، فإذا الضجيج أثر الانفجار العظيم، ونالا عليه جائزة نوبل. وقيل عن الليزر إنه "حلّ يبحث عن مشكلة". ويكتب طالب: "نحن نصنع ألعاباً، وبعض هذه الألعاب يغيّر العالم".
ويجمع على ذلك ثلاثة براهين. أولها برهان بوبر، فمن أراد أن يتنبأ بالتاريخ فعليه أن يتنبأ بالاختراعات، ومن استطاع في العصر الحجري أن يتنبأ باختراع الدولاب فقد عرف كيف يصنعه، أي أنه اخترعه. وثانيها برهان بوانكاريه، ففي مسألة الأجسام الثلاثة يكفي خطأ صغير في البداية ليتضخّم حتى يفسد التوقع كله. ومنه مثال ينقله عن الفيزيائي مايكل بيري، فلكي تتنبأ بالاصطدام التاسع لكرة بلياردو عليك أن تحسب جاذبية من يقف قرب الطاولة، وللاصطدام السادس والخمسين عليك أن تحسب إلكتروناً على طرف الكون. ووجد عالم الأرصاد إدوارد لورنز سنة 1961 أن تقريب رقم في حساب الطقس يُخرج طقساً آخر، ومن هنا سؤاله المعروف عن فراشة في البرازيل تُحدث إعصاراً في تكساس. وثالثها برهان هايك، فلا يستطيع مخطط مركزي أن يجمع معرفة موزّعة على ملايين الناس، والسوق تفعل ذلك بلا قصد.
مكعب الثلج وعمى المستقبل
يحلم طالب في الفصل الثاني عشر بمجتمع يقوم على وعي الناس بجهلهم، ومثاله مونتين، الذي اعتزل في برجه وسمّى ما يكتبه محاولات. ويشرح لماذا نخطئ في المستقبل مرة بعد مرة. نضحك من يقين أجدادنا الذي كذّبته الأيام، ولا نتخيّل أن أحفادنا سيضحكون من يقيننا، ونشتري سيارة جديدة متوقعين منها فرحاً دائماً، وقد ذبل فرحنا بالسابقة بعد أسابيع. وهذا ما يسمّيه (عمى المستقبل).
وفي الفصل صورة مكعب الثلج. تستطيع أن تتنبأ بالبركة التي يتركها المكعب بعد ساعتين، لكنك إن رأيت البركة لم تعرف أيّ مكعب صنعها، ولا إن كانت من مكعب أصلاً. وهكذا التاريخ، نرى البركة ونخترع المكعب. "القيود التي تمنعنا من إعادة البيضة المقلية إلى قشرتها تمنعنا أيضاً من استنطاق التاريخ". أما العشوائية في الحياة العملية فليست إلا معلومات ناقصة.
إسفنجة أبيليس: ماذا تفعل إن لم تستطع التنبؤ؟
يحكي سكستوس إمبيريكوس أن الرسام اليوناني أبيليس كان يرسم حصاناً، فعجز عن رسم الزبد على فمه، فرمى اللوحة غاضباً بالإسفنجة التي ينظّف بها فرشاته، فتركت عليها أثراً يشبه الزبد تماماً. وأراد سكستوس بالحكاية أن الطمأنينة تأتي حين تكفّ عن ملاحقتها، وأخذها طالب مثلاً للاكتشاف بالمصادفة، فالحكمة عنده أن تدع التنبؤ، وتنتفع مما لم تتوقعه.
ونصيحته في الأمور الصغيرة أن تكون إنساناً، فلك أن تتوقع طقس نزهتك وأن تخطئ، وأن تكون "أحمق في المواضع الصحيحة". أما في الأمور الكبيرة فقاعدته: "رتّب معتقداتك لا بحسب احتمالها، بل بحسب الضرر الذي قد تسببه". فأنت لا تعرف احتمال زلزال في مدينتك، لكنك تعرف ما يفعله بك إن وقع، وتستطيع أن تخفّف أثره.
ومن هذه القاعدة تخرج استراتيجية الحديدين (barbell)، وقد أخذها من عمله متداولاً، وسُمّيت باسم قضيب الأثقال لأن ثقلها كله في طرفيها، ولا شيء في وسطها. فبدل أن تضع مالك في استثمارات متوسطة الخطر، تضع أكثره، من 85 إلى 90 في المئة، في آمن الأدوات، والباقي في رهانات جريئة جداً، ربحها مفتوح، وخسارتها محدودة بما وضعت فيها. فيكون أسوأ ما يصيبك معروفاً، وأحسن ما قد يأتيك بلا سقف. والنسب مثال يوضّح الفكرة، ولا تصلح نصيحة استثمار، والفكرة نفسها تصلح خارج المال، فاحمِ ما لا تحتمل خسارته، وأكثر من التجارب الصغيرة التي قد تكبر.
ويفرّق بعد ذلك بين أعمال تعيش على البجعات الإيجابية، كالنشر والسينما والبحث العلمي، وأعمال لا تعرف إلا السلبية منها، كالإقراض، إذ غاية ما يرجوه المُقرض أن يعود إليه ماله. ونصائحه هنا متواضعة، فهو يدعوك إلى أن تستعدّ ولا تتنبأ، وأن تغتنم كل ما يشبه الفرصة، فالفرص أندر مما تظن، وأن تذهب إلى الحفلات واللقاءات. ويجمع ذلك كله في قاعدة يسمّيها "الفكرة المركزية في هذا الكتاب"، وهي أن تضع نفسك حيث تكون النتائج الطيبة أكبر كثيراً من السيئة.
الجزء الثالث: البجعات الرمادية في بلاد الأطراف
لا أحد يبقى ملكاً
يفسّر الفصل الرابع عشر كيف يتركّز النجاح. فالباحثون يقتبسون مراجع لم يقرؤوها نقلاً عن قوائم غيرهم، فيصير ثلاثة من خمسين كاتباً متساوين أعلامَ المجال بالمصادفة. وهذا ما سمّاه عالم الاجتماع روبرت ميرتون (أثر متّى)، من قول في إنجيل متّى: "من له يُعطى فيزداد".
غير أن الحظ الذي يرفع يُسقط أيضاً. ففي بيوت أقاربه في بيروت يرى طالب سلسلة مجلّدة بالجلد الأبيض، فيها كتاب لكل فائز بنوبل الأدب، فمن يقرأ اليوم سولي برودوم، أول من نالها، أو بيرل باك؟ وبلاد الأطراف ظالمة للصغير، وقد صارت ظالمة جداً للكبير أيضاً.
إلا أن موضعاً واحداً يقلقه، هو المصارف. فقد كتب قبل الأزمة أنها اندمجت في مصارف عملاقة متشابهة، "إذا سقط واحد سقطت كلها"، وأن مؤسسة الرهن العقاري الأمريكية فاني ماي تبدو له "جالسة على برميل من الديناميت". وفي 6 و7 سبتمبر 2008 وُضعت فاني ماي وشقيقتها تحت وصاية الحكومة، وبعد أسبوع أفلس مصرف ليمان براذرز. لم يتنبأ طالب بموعد، لكنه رأى الهشاشة.
منحنى الجرس: الطول والثروة
ويأتي بعده الفصل الذي يسمّي فيه منحنى الجرس، أو التوزيع الطبيعي، "الاحتيال الفكري الكبير". ويبدأه بورقة من فئة عشرة ماركات ألمانية في مطار فرانكفورت، عليها صورة عالم الرياضيات غاوس ومنحناه، وهي عملة بلد انهار ماركه في العشرينيات من أربعة للدولار إلى أربعة تريليونات. ويكفي أن يحدث هذا مرة واحدة ليسقط المنحنى.
وجوهر الفصل مقارنة بين الطول والثروة. فإن كان متوسط الطول متراً و67 سنتيمتراً، فاحتمال أن يزيد طول أحد عليه بستين سنتيمتراً واحد في مليار، وبسبعين واحد في 780 ملياراً، أي أن عشرة سنتيمترات إضافية جعلت النادر أندر بنحو ثمانمئة مرة. فالاحتمال في بلاد الوسط يهبط أسرع فأسرع كلما ابتعدت عن المتوسط، ولذلك تستطيع أن تهمل الشواذ. أما في الثروة، في المثال الذي يرسمه، فكلما ضاعفت المبلغ قلّ عدد من يملكه أربع مرات، أياً كان المستوى، فلا شيء يكبح الطرف. ولهذا إن قيل لك إن شخصين يزيد طولهما معاً على أربعة أمتار، فالأرجح أن كلاً منهما نحو مترين، وإن قيل لك إن كاتبين باعا معاً مليون نسخة، فالأرجح أن أحدهما باع 993 ألفاً والآخر سبعة آلاف.
ويروي كيف صار المتوسط مثالاً أعلى حين اخترع البلجيكي أدولف كيتليه (الإنسان المتوسط)، فردّ عليه معاصره كورنو بأن هذا الإنسان سيكون مسخاً.
ماندلبروت والبجعة الرمادية
ويكتب طالب عن عالم الرياضيات بنوا ماندلبروت بمودّة نادرة، ويسمّيه "الأستاذ الوحيد من لحم ودم" الذي عرفه. وماندلبروت هو الذي أدخل إلى العلم الأشكال الكسيرية (fractals)، وهي أنماط تتكرر في كل مقياس، فعرق الورقة يشبه الغصن، والحجر يشبه جبلاً صغيراً. والسجادة تبدو خشنة تحت المجهر، ملساء للعين، كما تذوب التقلبات في بلاد الوسط، أما الجبل فيبقى وعراً حتى إذا نظرت إليه من الطائرة.
وبهذه النظرة تصير بعض البجعات السود رمادية، فلا تستطيع أن تحسب احتمالها بدقة، لكنك تستطيع أن تتخيّل وقوعها. وقد افترض طالب أن أغنى رجل في العالم يملك خمسين ملياراً، وكتب أن ظهور من يملك أكثر من خمسمئة مليار احتمال "ضئيل، لكنه ليس صفراً". وفي أكتوبر 2025 صار إيلون ماسك أول من بلغ هذه الثروة.
ويروي أن الفرنسية تفرّق بين الهازار (hasard)، وهو المصادفة التي تُحسب كما في النرد، والفورتوي، وهو العارض الذي لا يُحسب، وأن الهازار مأخوذ من الزَّهر العربي، أي النرد، وهذا هو الأرجح. ويقول إن العرب ربما أدخلوا إلى عالم المخاطرة كلمة الرزق، ويفسّرها بالملكية، وهذا خطأ، فالرزق ما يقسمه الله للإنسان من قوت وعطاء. أما أن كلمة risk مأخوذة منه فرأي في أصلها، وليس حقيقة ثابتة.
مجانين لوك، وسقوط لونغ تيرم
يأخذ طالب على الاقتصاد المالي أنه يعالج بلاد الأطراف بأدوات بلاد الوسط، "كمن يطوّر دواءً للنبات ثم يعطيه للبشر". فالأيام العشرة الأشدّ تطرفاً في خمسين سنة من الأسواق الأمريكية، كما يحسبها، تمثّل نصف العوائد. ومع ذلك نال أصحاب نظرية المحفظة، بعد انهيار 1987، جائزة المصرف المركزي السويدي في الاقتصاد في ذكرى ألفرد نوبل، ونالها مايرون شولز وروبرت ميرتون الابن سنة 1997 على صيغة تسعير الخيارات.
وكان الاثنان شريكين في صندوق لونغ تيرم كابيتال مانجمنت. ففي صيف 1998، بعد تخلّف روسيا عن سداد ديونها، خسر الصندوق 4.6 مليار دولار في أقل من أربعة أشهر، وكان يقترض نحو خمسة وعشرين ضعف رأس ماله. فتدخّل المصرف المركزي الأمريكي في نيويورك ونظّم أربع عشرة مؤسسة ضخّت فيه نحو 3.6 مليار من مالها، دون مال عام، ثم صُفّي الصندوق سنة 2000. ويرى طالب أن نماذجهم أسقطت احتمال الانحرافات الكبيرة، على حين يرى محلّلون آخرون أن الاقتراض والسيولة كانا سبباً لا يقلّ عن النماذج.
ويسمّي أصحاب هذه النظريات (مجانين لوك)، من قول الفيلسوف جون لوك إن المجنون هو من "يستدلّ استدلالاً صحيحاً من مقدّمات فاسدة"، ويفضّل أن يكون "على صواب تقريبي" على أن يكون "على خطأ دقيق". وفي الفصل الثامن عشر يسخر من فلاسفة يشكّون في أن الأحمر أحمر، ولا يسألون عن نصيب رواتبهم الذي يذهب إلى البورصة. أما الشك الحقيقي فقد عاشه في صيف 2006، حين لم يستطع أن يبلغ قريته أثناء الحرب.
الجزء الرابع: نصف ونصف
في الفصل الأخير، وهو قصير، يرسم طالب نفسه أزواجاً متقابلة. فهو متشكك حيث يصدّق الناس، ومصدّق حيث يتشككون، وجريء حيث الخسارة صغيرة والربح مفتوح، وحذر حيث يتهدّده ما لا يُحتمل. ويقلقه السكري أكثر مما يقلقه الإرهاب.
وينقل نصيحة سمعها من زميل له في باريس صار روائياً، إذ منعه مرة من الركض ليلحق بالمترو، وقال: "أنا لا أركض وراء القطارات". ويكتب طالب: "فوات القطار لا يؤلم إلا إن ركضت وراءه". فإذا اخترت معاييرك بنفسك، وتركت وظيفة مجزية بقرارك، لم تخرج من السباق، وإنما ارتفعت فوقه. ويذكّر قارئه بأن مجرد وجوده مصادفة هائلة، فلا يكن كمن أُهدي قصراً فشغله العفن في الحمّام، و"تذكّر أنك أنت بجعة سوداء".
ويعود في الختام إلى يفغينيا. فقد قضت ثماني سنين في كتابها الثاني، فأثنى عليه النقّاد ولم يشتره أحد، وتوقّف طبعه بعد سنة ونصف. كان الجميع ينتظرون له النجاح، فكان إخفاقه بجعة سوداء أيضاً.
اللاحقة: عن المتانة والهشاشة (2010)
كتب طالب اللاحقة بعد الأزمة، وقد أقنعه دانيال كانمان بأن عليه أن يقول للناس ماذا يفعلون، فجاءت أقرب إلى مسودة لكتابه التالي Antifragile.
ما تعلّمه الطبيعة
والطبيعة في رأيه أقدم نظام نجا من البجعات السود، وفيها ثلاثة دروس. أولها التكرار الاحتياطي، فلنا عينان ورئتان وكليتان، وكل منها أكبر من حاجتنا اليومية، وهذه القدرة الزائدة ثمن التأمين. ويسخر من الاقتصادي الذي يرى ذلك هدراً، فيبيع كليتك ويشاركك في كلية مركزية بالتناوب، ويعير عينيك في الليل لأنك لا تحتاج إليهما لتحلم. وثانيها ألا يكبر شيء أكثر مما ينبغي، فموت فيل لا يهزّ الغابة، أما سقوط مصرف عملاق فيهزّ كل شيء. وثالثها الحذر من الدين، لأنه رهان على أنك تعرف المستقبل، إذ تبقى مديناً بالمبلغ أياً كان ما يحدث. ويقول إن أديان الشرق الأدنى حرّمت الدين، والصحيح أنها حرّمت الربا أو قيّدته، وأطول آية في القرآن، آية الدَّين، تنظّم الدين وتأمر بكتابته: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾.
ويكتب أن أزمة 2008 كانت ثمرة هشاشة في نظام بُني على إنكار البجعات، فلم تكن بجعة سوداء، و"الطائرة التي يقودها طيار غير كفء ستسقط يوماً". ويرى أن إطفاء كل حريق صغير في الغابة، أو إنقاذ كل شركة، يخزّن الحريق الكبير.
الربع الرابع: أين يحدث الضرر؟
ويردّ طالب في هذا القسم على من أساء فهمه. فهو لم يقل لقارئه لا تتنبأ، ولم يقل لا تستعمل النماذج، وإنما قال لا تستعملها في الربع الرابع. وحين يحذّر من المصائب يحدّد موضعها، فهي تقع في الربع الرابع. ونصيحته في الغالب أن تترك ولا تفعل: "أنا أدعو إلى الامتناع، لا إلى الإقدام".
والربع الرابع خريطة يرسمها سؤالان. أولهما هل يهمّك أن يقع الحدث أو لا يقع فقط، كأن تكون المرأة حاملاً أو غير حامل، إذ لا معنى لأن تكون حاملاً جداً، أم يهمّك حجمه أيضاً، كعدد ضحايا وباء أو حجم خسارتك؟ وثانيهما هل أنت في بلاد الوسط أم في بلاد الأطراف؟ والأرباع في ترقيم الكتاب أربعة، فالأول قرارات بسيطة في بلاد الوسط، والثاني قرارات معقّدة فيها، والثالث قرارات بسيطة في بلاد الأطراف، والرابع قرارات معقّدة في بلاد الأطراف، وهو موطن البجعات السود. ففي الأرباع الثلاثة الأولى استعمل خير ما عندك من نماذج. أما في الرابع فلا تحاول أن تتنبأ، وغيّر تعرّضك، فأنت "لا تستطيع أن تغيّر التوزيع، لكنك تستطيع أن تغيّر تعرّضك له"، وانتقل منه إلى الثالث.
ومن أمثلته محلّل في ليمان براذرز قال في أغسطس 2007 إن ما حدث في تلك الأيام لا يقع إلا مرة في عشرة آلاف سنة، وقد وقع ثلاث مرات في ثلاثة أيام. فالاحتمالات الصغيرة جداً لا تُحسب من التجربة. ويضيف أن سؤالك هل ستقع حرب لا معنى له إن لم تسأل عن حجمها، فكثيرون توقعوا الحرب العالمية الأولى، ولم يتوقع أحد حجمها.
ونصائحه في هذا القسم بالنفي، "كيف تعيش طويلاً؟ بأن تتجنّب الموت". فاحترم ما صمد طويلاً، لأن عبء الإثبات على من يعبث بنظام معقّد، ومن يحميه لا يُطالب بدليل، ولا تخلط بين غياب التقلّب وغياب الخطر. ويستعير من الطب فكرة (الضرر الذي يُحدثه المعالج)، ويذكّر بأن الأطباء القدماء، يونانيين وعرباً، احترموا حدود المعرفة، ومنهم إسحاق بن علي الرهاوي، صاحب كتاب أدب الطبيب في القرن التاسع.
عشرة مبادئ لمجتمع يصمد
ويعيد طالب هنا نشر عشرة مبادئ كتبها في فايننشال تايمز في أبريل 2009. فما هو هشّ ينبغي أن ينكسر مبكراً وهو صغير، ولا شيء ينبغي أن يكون أكبر من أن يُترك ليسقط. ولا تُحمَّل الخسائر للمجتمع بينما تبقى الأرباح خاصة. ومن قاد حافلة المدرسة معصوب العينين فحطّمها لا يُعطى حافلة جديدة. ولا تدع من يقبض مكافأة على الربح يدير محطة نووية أو مخاطرك. وقابل التعقيد بالبساطة. ولا تعطِ الأطفال أصابع الديناميت وإن حملت تحذيراً. ولا شيء يعتمد على الثقة إلا الاحتيال الهرمي، فلا ينبغي لحكومة أن تحتاج إلى استعادة الثقة. ولا تعطِ المدمن مزيداً من المخدر حين تؤلمه أعراض الانقطاع، أي لا تعالج الديون بمزيد منها. ولا ينبغي أن يعتمد المواطن على الأصول المالية مستودعاً لقيمته، ولا على نصائح من يُسمَّون خبراء لتقاعده. واصنع عجّة من البيض المكسور.
حبّ القدر
يختم طالب اللاحقة في أميون، قرية أجداده في وادي الكورة، وفيها أجداد أجداده الستة عشر مدفونون كلهم بين أشجار الزيتون. يزور عند الغروب مقبرة العائلة في مار سركيس ليسلّم على أبيه وعمّه، وينظر إلى موضع قبره هو، ويقول: "هذه خطتي البديلة". ثم يكتب: "لا تستطيع بجعة سوداء أن تحطّم بسهولة رجلاً يعرف وجهته الأخيرة".
ويستعين بالرواقي سينيكا، الذي كان من أغنى أهل زمانه ويستعد كل يوم لأن يخسر كل شيء، ويروي عنه قصة ستيلبو، الذي سقطت مدينته وفقد أهله، فسُئل عمّا خسر، فقال: "كل ما أملكه معي". ويسمّي ذلك حبّ القدر، والتعبير لنيتشه وليس لسينيكا، وإن كانت الفكرة رواقية. وآخر كلمة في الكتاب فالي (vale)، وهي الكلمة التي كان سينيكا يختم بها رسائله، ولا تعني وداعاً، بل تعني "كن قوياً، وكن جديراً".
ما الذي يبقى معك بعد القراءة
- قبل أن تثق بمتوسط أو بسجل طويل، اسأل هل تستطيع حادثة واحدة أن تغيّر المجموع، فإن استطاعت فلا تطمئن إلى الماضي.
- حين تعجبك قصة نجاح، اسأل عن الذين فعلوا الشيء نفسه ولم ينجحوا، وعن الذين لم يبقوا ليرووا.
- رتّب ما تخشاه بضرره إن وقع، ودع احتمال وقوعه.
- احمِ ما لا تحتمل خسارته، واجعل الباقي تجارب صغيرة خسارتها محدودة وربحها مفتوح، واخرج إلى الناس والفرص.
- لا تقبل توقعاً بلا هامش للخطأ، ولا تخلط بين هدوء طويل وأمان حقيقي، ولا بين غياب الدليل على الخطر ووجود الدليل على غيابه.
متى تشكّ في المتشكّك؟
- النبرة والتعميم. يهاجم طالب الاقتصاديين والإحصائيين والصحفيين، ويسخر من أشخاص أحياء بأسمائهم، ويبالغ حتى يكتب: "لا أحد بعينه يتنبأ جيداً بأي شيء". وقد بيّنت تجارب تتلوك اللاحقة أن التنبؤ القصير المدى بأسئلة محددة ممكن ويُتعلّم، وردّ خصومه بأن الإحصاء يدرس الأطراف الثقيلة منذ زمن. وفي اللاحقة آراء في الصيام والرياضة هي تجربته ورأيه، ولا تُعدّ علماً ثابتاً.
- التفاصيل. كثير من قصصه صحيح في جوهره خاطئ في تفصيله، كمدة الحرب اللبنانية، ومعنى الرزق، وما حرّمته الأديان من الدين. وفيما يكتبه عن تاريخ لبنان والمشرق أحكام عامة عن العرب والإسلام لا تصمد، وقد تراجع هو نفسه عن أبعدها صدى، وهو كلامه في الغزالي. ويستعمل في فصل وفي اللاحقة تشبيهاً طبياً يَصِم فئة من الناس، ليصف من لا يتخيّل أن غيره يرى غير ما يرى، والفكرة تُفهم بدونه، فلا حاجة إلى نقله.
- المصلحة. لطالب نصيب مالي في الأطروحة التي يدافع عنها، فمنذ 2007 يستشيره صندوق يونيفرسا، الذي أسسه شريكه مارك سبيتسناغل لبيع الحماية من الانهيارات، وقيل إنه ربح بين 65% و115% في أكتوبر 2008. وهذا لا يجعله مخطئاً، لكنه يجعل استراتيجية الحديدين فلسفة مهنة بعينها، تكلّف صاحبها خسارة صغيرة مستمرة في السنوات الهادئة، وقد أُغلق صندوقهما الأول بعد سنوات هادئة. فلا تؤخذ نصيحةً للاستثمار.
لمن هذا الكتاب؟
هو لمن يتخذ قرارات كبيرة في المال أو العمل أو السياسة العامة، ولمن يدير مشروعاً قد تقضي عليه حادثة واحدة، ولمن يعمل في مهنة ثمارها نادرة، كالكتابة والبحث وريادة الأعمال. ولن يجد فيه حاجته من يريد خطة خطوة بخطوة، فأكثر نصائحه فيما لا ينبغي أن تفعله، ولا من يضيق بالاستطراد والسخرية، فالكتاب مليء بهما. وفي الجزء الثالث إحصاء يستطيع القارئ أن يتجاوزه، كما يقول طالب نفسه.
ومن أراد أصل الانحيازات التي يستند إليها طالب وجدها عند صاحب تجاربها في التفكير السريع والبطيء، ومن شغله وجه الفكرة في المال الشخصي فليقرأ سيكولوجيا المال. ولثلاث من صور الكتاب صفحات تمضي بها أبعد، فسؤال الغرقى في الدليل الصامت، والملعب الذي دخله أغنى رجل في العالم في عالمان: بلاد الوسط وبلاد الأطراف، وطائر عيد الشكر في مشكلة الديك الرومي. أما من أراد أن يحمي بها مشروعه أو ماله فخطواته في كيف تحمي مشروعك أو مالك من حدث لا تتوقعه؟.
المصدر
الطبعة الثانية من الأصل الإنجليزي (Random House، 2010)، وفيها المقدمة والأجزاء الأربعة بفصولها التسعة عشر، والخاتمة، ولاحقة عن المتانة والهشاشة بأقسامها التسعة، والمسرد والحواشي. وقد رُوجعت أشهر قصصه وأرقامه على مصادرها، والترجمة العربية منشورة بعنوان البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة (الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009).
قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.
اشترِ الكتاب من أمازونرابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.
المصادر والسياق
- Wikipedia — The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable ↗
- Wikipedia — Nassim Nicholas Taleb ↗
- أبجد — البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة (الترجمة العربية) ↗
- Bloomberg — Taleb says portfolios to blow up without tail hedges (30 March 2020) ↗
- Stanford Encyclopedia of Philosophy — Al-Ghazali (Frank Griffel) ↗
- Muslim Heritage — Did Medieval Islamic Theology Subvert Science? ↗
- Wikipedia — Sydney Opera House ↗
- Wikipedia — Good Judgment Project ↗
- Taleb & Tetlock — On the Difference between Binary Prediction and True Exposure (2013) ↗
- Wikipedia — Long-Term Capital Management ↗
- Wikipedia — Universa Investments ↗
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
الكتاب في الشبكة
ما الذي يتّصل بهذا الكتاب
- ٣ أفكار
- مسألة واحدة

