ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 3 دقائق

مشكلة الديك الرومي: حين يبلغ الأمان ذروته

The Turkey Problem

ديك رومي يُطعَم ألف يوم فتزداد ثقته، ثم يُذبح. صورة من البجعة السوداء لنسيم نقولا طالب تشرح لماذا قد يكون الهدوء الطويل علامة خطر، وعمّن تسأل قبل أن تطمئن.

الفكرة

أن تزداد ثقتك بشيء كلما طال هدوؤه، مع أن الهدوء الطويل قد يخفي خطراً يتراكم، فيصير ما تعلّمته من الماضي، في أسوأ الأحوال، مضلّلاً.

غياب الدليل على الخطر ليس دليلاً على غيابه. والحدث الذي يفاجئ الديك لا يفاجئ الجزّار، فاسأل عمّن يعرف ما لا تعرفه، وعن اليد التي تطعمك: هل تستطيع أن تؤذيك؟

يأتيه الطعام كل صباح، فيتعلّم الديك الرومي من كل يوم يمرّ أن البشر يعتنون به ويريدون له الخير. وبعد ألف يوم يبلغ يقينه ذروته. ثم يأتي يوم الأربعاء الذي يسبق عيد الشكر.

وعلى هذه الصورة من البجعة السوداء يعلّق نسيم نقولا طالب بجملة واحدة: "لاحظ أن الإحساس بالأمان بلغ أقصاه حين كان الخطر في أقصاه!".

والمثال قديم، فقد كتب الفيلسوف برتراند راسل سنة 1912، في فصل عن الاستقراء، أن الرجل الذي أطعم الدجاجة كل يوم من حياتها يلوي عنقها في النهاية. وجعل طالب الدجاجة ديكاً رومياً، على الطريقة الأمريكية.

الماضي الذي يعلّمك العكس

فما الذي يستطيع الديك أن يتعلّمه عن الغد من أيامه الألف؟ يجيب طالب: "الكثير ربما، لكنه أقل قليلاً مما يظن"، وفي هذا القليل كل شيء. فقيمة الخبرة هنا قد تنزل تحت الصفر، إذ يزيد كل يوم هادئ ثقة الديك، ولا يخبره بشيء عن اليوم الذي سيأتي.

وفي المصارف يجد طالب ديوكاً كثيرة. فالمصرف الذي يقرض بحذر يبدو آمناً لأن خسائره نادرة، وندرة الخسارة غير صغر الخطر، وأرباحه في نظر طالب مال يستعيره من القدر، ثم يردّه في موعد لا يعرفه أحد. ولما سمّى اقتصاديون سنوات الهدوء في الاقتصاد الأمريكي (الاعتدال الكبير)، وروّج بن برنانكي لهذه التسمية في خطاب سنة 2004، رأى طالب في ذلك كله ديكاً رومياً قبل العيد، فالانتقال إلى بلاد الأطراف، كما يكتب، يبدأ بانخفاض التقلّب اليومي. ونصيحته في اللاحقة صريحة: "لا تخلط بين غياب التقلّب وغياب الخطر".

لا دليل على الخطر، ودليل على غيابه

ويسمّي طالب خطأ الديك (مغالطة الذهاب والإياب)، وهي أن تسمع أن لا دليل على وجود الخطر، فتفهم أن هناك دليلاً على عدم الخطر. والجملتان متباعدتان في المنطق، متقاربتان في الأذن، والأطباء يعرفون ما بينهما، فيكتب الطبيب بعد الفحص "لا دليل على المرض"، ويتحاشى أن يكتب "دليل على عدم المرض".

وعلى هذا تقوم قاعدته في المعرفة، فألف يوم هادئ لا تثبت أنك على حق، ويوم واحد يكفي ليثبت أنك مخطئ، أو كما يقول: "أعرف أيّ قول خاطئ، لكني لا أعرف بالضرورة أيّ قول صحيح". وما لم يحدث قط قد يحدث غداً. ولمن احتجّ بعد أزمة 2008 بأن ما حدث لم يحدث مثله من قبل، يتخيّل طالب جواباً قصيراً: لم تمت قط في ثمانين سنة، فهل يجعلك ذلك خالداً؟

الجزّار يعرف

وفي آخر المثال ما يغيّر معناه كله. فيوم الأربعاء بجعة سوداء للديك، أما الجزّار فكان ينتظره. "البجعة السوداء نسبية إلى المعرفة"، والمفاجأة في عين من لم يرَ الحدث قادماً، وليست في الحدث نفسه.

ولهذا يتغيّر السؤال الذي تسأله. فإلى جانب سؤالك هل يمكن أن يحدث شيء، اسأل هل في الناس من يعرف عن وضعك ما لا تعرفه، كصاحب عمل يخطط لإغلاق فرع، أو منصة تستعد لتغيير شروطها، أو مورّد يتعثّر، أو شريك يتهيّأ للخروج. واسأل بعد ذلك عن اليد التي تطعمك، فهي، كما يكتب طالب، "قد تكون اليد التي تلوي عنقك". فإن كان رزقك كله من عميل واحد أو منصة واحدة، فأنت تعيش على يد واحدة.

ما لا تعنيه الفكرة

وليس في الفكرة أن كل هدوء خدعة، ولا أن تعيش في رعب دائم. فطالب يقصد المواضع التي تستطيع فيها حادثة واحدة أن تغيّر كل شيء، وفيها وحدها لا يصلح طول الهدوء حجة. أما في بلاد الوسط، حيث لا تغيّر حادثة واحدة المجموع، فالماضي دليل معقول. ولذلك يبقى السؤال الأول دائماً: في أي العالمين أنت؟

جرّبها

اكتب ثلاثة أشياء في حياتك أو عملك استقرّت منذ مدة طويلة، كوظيفة، أو عميل كبير، أو مورّد، أو منصة تبيع عبرها، أو ترتيب في السكن. واكتب أمام كل واحد منها أجوبة ثلاثة أسئلة. من الجزّار هنا، أي من يعرف أو يقرّر ما لا تراه؟ وما الحادثة التي تنهي هذا الاستقرار في يوم؟ وما الخطوة الصغيرة التي تستطيع أن تخطوها هذا الشهر حتى لا يكون رزقك كله في هذه اليد؟

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

مشكلة الديك الرومي: حين يبلغ الأمان ذروته