فكرة · قراءة في 5 دقائق
الارتساء: كل رقم على الطاولة يؤثّر فيك
Anchoring
لماذا يبقى تقديرك قريباً من أول رقم سمعته، حتى حين تعرف أنه عشوائي؟ وكيف تحمي سعرك وتقديرك منه؟
الفكرة
أن يبقى تقديرك لكمية مجهولة قريباً من رقم نظرت فيه قبل أن تقدّر، ولو كان الرقم بلا قيمة.
لا تستطيع أن تمنع الرقم الأول من التأثير فيك، لكنك تستطيع أن تكتب تقديرك قبل أن تراه، وأن تبحث عمداً عن حجج ضدّه حين يكبر الرهان.
يتّصل عميل بمصمّم يريد هوية لمتجره، ويقول في أول المكالمة: "ميزانيتنا في حدود 300 دينار". وكان المصمّم ينوي أن يطلب 900. فإذا أغلق الهاتف وجلس يسعّر العمل، وجد نفسه يكتب 500، وأحسّ مع ذلك بأنه تجرّأ.
كيف يصفها المؤلف؟
يروي دانيال كانمان في التفكير السريع والبطيء أنه صنع مع عاموس تفرسكي عجلة حظّ مرقّمة من 0 إلى 100، غير أنها لا تقف إلا عند 10 أو 65. وكان أحدهما يديرها أمام طلاب، ويطلب منهم أن يكتبوا الرقم الذي وقفت عنده، ثم يسألهم هل نسبة الدول الإفريقية بين أعضاء الأمم المتحدة أكبر من هذا الرقم أم أصغر، وكم يقدّرونها. فكان متوسط تقدير من رأوا 10 نحو 25%، ومتوسط من رأوا 65 نحو 45%. وهكذا غيّر التقديرَ رقمٌ لا يحمل أي معلومة.
ويسمّي كانمان هذا (أثر الارتساء)، ويعدّه من أوثق نتائج علم النفس التجريبي. وقد اختلف هو وتفرسكي في تفسيره، ثم تبيّن بعد عقود أن كليهما كان محقاً، لأن للأثر آليتين.
- تعديل يتوقّف قبل أوانه. يبدأ الذهن من المرساة، ثم يبتعد عنها شيئاً فشيئاً، ويتوقف حين يفقد يقينه بأن عليه أن يبتعد أكثر، أي عند حافة منطقة الشك القريبة من المرساة. ولهذا يظل السائق مسرعاً أكثر مما ينبغي حين يخرج من الطريق السريع إلى شوارع المدينة. وهذا عمل التفكير البطيء، ولذلك يقلّ التعديل حين يكون الذهن مشغولاً أو متعباً.
- إيحاء. يستدعي الرقم من الذاكرة ما ينسجم معه دون أن يشعر صاحبه. ففي تجارب توماس موسفايلر وفريتز ستراك سُئل المشاركون عن متوسط حرارة ألمانيا، أهو فوق 20 درجة أم دونها، فصارت كلمات الصيف أسهل عليهم في التعرّف. ومن سُئلوا عن 5 درجات صارت كلمات الشتاء أسهل عليهم. وهذا عمل التفكير السريع.
وللأثر مقياس يسمّيه كانمان مؤشّر الارتساء. ففي متحف علمي بسان فرانسيسكو سُئل زوّار هل أطول شجرة سيكويا أعلى من 1,200 قدم أم أقل، وسُئل آخرون عن 180 قدماً، فكان الفرق بين المرساتين 1,020 قدماً. وجاء متوسط التقديرين 844 قدماً و282، بفرق 562. والمؤشّر نسبة الفرق الثاني إلى الأول، أي 55%. ويبلغ المؤشّر 100% عند من يتبنّى المرساة كما هي، وصفراً عند من يتجاهلها تماماً، ويرى كانمان في الـ55% قيمة معتادة.
ولا ينجو الخبراء أيضاً. زار وكلاء عقار بيتاً معروضاً للبيع واطّلعوا على ملفه، فرأى نصفهم سعراً مطلوباً مرتفعاً، ورأى النصف الآخر سعراً منخفضاً. وأصرّ الوكلاء على أن السعر المطلوب لم يؤثّر فيهم، وقد بلغ مؤشّر الارتساء بينهم 41%، وبين طلاب إدارة أعمال لا خبرة لهم في العقار 48%. ولم يفترق الفريقان إلا في أن الطلاب اعترفوا بالتأثّر. وفي تجربة أخرى رمى قضاة ألمان نرداً مغشوشاً يقف عند 3 أو 9 قبل أن يحكموا في قضية سرقة من متجر، وكانت خبرتهم تزيد في المتوسط على خمس عشرة سنة. فحكم من رأوا 9 بثمانية أشهر في المتوسط، ومن رأوا 3 بخمسة أشهر.
وفي السوق عرض متجر في مدينة سو سيتي الأمريكية حساء كامبلز بخصم نحو 10%. وفي الأيام التي كُتب فيها على الرفّ "الحدّ 12 علبة للشخص"، اشترى المتسوقون 7 علب في المتوسط، أي ضعف ما اشتروه حين أُزيل الحدّ. ويقرّ كانمان بأن الحدّ يوحي كذلك بأن البضاعة توشك أن تنفد.
وفي التفاوض يرى كانمان أن للبادئ ميزة حين يكون السعر هو المسألة الوحيدة. وأمام عرض فاحش ينصح ألّا يُردّ عليه بعرض فاحش مثله، وأن يوضح المفاوض لنفسه وللطرف الآخر أنه لن يكمل النقاش والرقم على الطاولة. ويذكر طريقة اقترحها آدم غالينسكي وموسفايلر، وهي أن يركّز المفاوض على أدنى ما يقبله الطرف الآخر، أو على ما سيكلّفه إن فشل الاتفاق. ذلك أن البحث المتعمّد عن حجج ضدّ المرساة يضعف أثرها.
ويخلص من ذلك إلى أن يفترض المرء أن كل رقم على الطاولة قد أثّر فيه، وأن يستدعي تفكيره البطيء لمقاومته كلما كبر الرهان.
مثال
ولمصمّم الهوية مخرج من هذا. فقبل أن يكلّم العميل يستطيع أن يكتب سعره من حسابه هو، بعدد الساعات، وأجر الساعة، وما يتقاضاه زملاؤه في أعمال مشابهة. فإذا سمع رقم الـ300 دينار بعد ذلك صار معلومةً عن العميل، ولم يعد نقطة يبدأ منها التسعير. ويستطيع أيضاً أن يسأل نفسه ماذا يحدث للعميل إن لم يتفقا، ومن سيصمّم له بهذا المبلغ، وبأي جودة.
وفي الجهة الأخرى من البيع يضع صاحب المتجر السعر القديم بجانب سعر الخصم. وهذه مرساة أيضاً، واستعمالها مقبول ما دام السعر القديم صادقاً.
وليس في شيء من هذا نصيحة استثمارية أو مالية لحالة بعينها.
كيف تستخدم الفكرة؟
- اكتب تقديرك قبل أن ترى رقم غيرك، في التسعير والشراء وتقدير مدة المشروع.
- عامل الأرقام التي تصلك على أنها مراسٍ، كخطة العمل التي يرسلها شريك محتمل، والسعر المطلوب، والميزانية التي يذكرها العميل.
- ابحث عن حجج ضدّ الرقم. اسأل نفسك لماذا قد يكون الرقم الحقيقي بعيداً جداً عنه.
- في التفاوض، فكّر في الطرف الآخر. ما أدنى ما يقبله؟ وما الذي سيخسره إن فشل الاتفاق؟
- لا تبدأ من رقم فاحش. وإن كان العرض بعيداً عن المعقول، فقل بوضوح إن النقاش لا يبدأ منه.
حدود الفكرة
يشرح كانمان الآلية الثانية بلغة (التهيئة المسبقة)، ويصلها في آخر الفصل بتجارب التهيئة السلوكية التي عرضها في الفصل الرابع. وكثير من تلك التجارب لم يصمد حين أُعيد، وقد اعترف كانمان عام 2017 بأنه وثق كثيراً بدراسات ضعيفة في ذلك الفصل. أما تجارب موسفايلر وستراك فتقيس سهولة التعرّف إلى الكلمات، ولم يُتحقَّق من حال تكرارها. والارتساء نفسه نتيجة متينة، تكرّرت بنجاح في مشروع Many Labs 1 (Klein وزملاؤه، 2014).
ويذكر كانمان أن آخر أرقام الضمان الاجتماعي استُعملت مرساةً فأحدثت أثراً مشابهاً، ولم يُتحقَّق من ثبات هذه النتيجة في تكرارات كبيرة.
وليس كل رقم أول مضلّلاً، فقد يأتي الرقم معلومةً نافعة من شخص يعرف أكثر منك. غير أن الأثر يقع في الحالين، نافعاً كان الرقم أو عشوائياً، ولهذا لا يصلح الشعور دليلاً تميّز به بينهما.
صلة عملية: كيف تقدّر مدة مشروعك وكلفته دون أن تخدع نفسك؟.
المصدر: الفصل 11 من Thinking, Fast and Slow، وفيه عجلة الحظّ، وآليتا الارتساء، ومؤشّر الارتساء، ووكلاء العقار، والقضاة الألمان، وحساء كامبلز، ونصائح التفاوض. أما المثالان (المصمّم والمتجر) وخطوات الاستخدام والإشارة إلى تكرار Many Labs 1 فمن فكرغراف.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
