ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 4 دقائق

تجنّب الخسارة والنقطة المرجعية

Loss Aversion

لماذا يؤلمنا أن نخسر مبلغاً أكثر مما يسعدنا أن نكسب مثله، وكيف يدفعنا هذا إلى رفض فرص معقولة، والتمسك بما نملك، والاستمرار في مشروع خاسر؟

الفكرة

نحكم على النتائج مكاسبَ وخسائر قياساً إلى نقطة مرجعية، ونزن الخسارة أثقل من مكسب يساويها، بنحو الضعف في المتوسط.

لا يزول تجنّب الخسارة بالإرادة، لكن أثره يضعف حين تنظر إلى قراراتك المتكررة مجتمعة وتضع لها سياسة مسبقة، بدل أن تحكم على كل خسارة وحدها.

في بيوت كثيرة سيارة ثانية لا تكاد تُستعمل. يسأل صاحبها عن سعرها فيجده معقولاً، ويعرف أنه لو لم يكن يملكها لما دفع فيها هذا المبلغ اليوم، ومع ذلك يثقل عليه أن يبيعها به. فالسيارة هي هي، غير أنها صارت له، وصار بيعها خسارة.

كيف يصفها المؤلف؟

يبدأ كانمان في التفكير السريع والبطيء من خطأ قديم في نظرية الاختيار، إذ ربط برنولي قيمة المال بمقدار الثروة، وأغفل الطريق إليها. فمن يملك اليوم خمسة ملايين وكان يملك أمس مليوناً، حاله بعيدة عن حال من يملك الخمسة نفسها وكان يملك أمس تسعة. ولهذا تقوم نظرية التوقّع، التي وضعها كانمان وتفرسكي، على أن الناس يقيسون النتائج إلى نقطة مرجعية، هي في الغالب الوضع القائم، وقد تكون ما يتوقعونه أو هدفاً وضعوه. وتجمع النظرية ثلاث خصائص، هي القياس إلى النقطة المرجعية، وتناقص الحساسية كلما ابتعدنا عنها، وتجنّب الخسارة.

ويعرض تجربة بسيطة، هي رمية عملة يخسر فيها المرء 100 دولار أو يربح 150. القيمة المتوقعة للرهان موجبة، ومع ذلك يرفضه أكثر الناس. ولو سأل المرء نفسه عن أقل ربح يعادل في نظره خسارة 100، لكان الجواب عند كثيرين نحو 200. وتتراوح (نسبة تجنّب الخسارة) في التجارب عادة بين 1.5 و2.5، وهي متوسط يتفاوت فيه الناس، والمتداولون المحترفون أقل تأثراً بالخسارة من غيرهم. وحين طُلب من مشاركين في تجربة أن "يفكروا كمتداول"، انخفض تجنّبهم للخسارة، وخفّت استجابتهم الانفعالية لها.

وعن تجنّب الخسارة يصدر أثر الملكية (endowment effect). ففي تجربة الأكواب طلب حائزو الكوب ثمناً لبيعه بلغ في المتوسط 7.12 دولار، وقدّر قيمته بـ3.12 من خُيّر بين الكوب والمال، وبـ2.87 من أراد شراءه. والبائع والمخيَّر أمام الخيار نفسه، ولا يفرق بينهما إلا أن الأول سيتخلّى عن شيء يملكه. ومن الأصل نفسه الانحياز إلى الوضع القائم، إذ تبدو عيوب التغيير أكبر من مزاياه. ويظهر ذلك في القرارات الكبيرة أيضاً، فالمؤلف يذكر شركة أنفقت 50 مليون دولار على مشروع متعثّر، وتحتاج إلى 60 مليوناً أخرى، وأمامها بديل أفضل، وكثيراً ما تختار أن تواصل، لأن الإيقاف يغلق الحساب على خسارة. وهذه هي مغالطة التكلفة الغارقة.

ولا يطلب كانمان من أحد أن يكفّ عن كره الخسارة. علاجه أن يتّسع الإطار. فقد رفض صديق للاقتصادي بول سامويلسون رهاناً واحداً يخسر فيه 100 دولار أو يربح 200، وقال إنه يقبل مئة رهان مثله. وحسب ماثيو رابين وريتشارد ثالر أن للرهانات المئة مجتمعة عائداً متوقعاً قدره 5,000 دولار، وأن احتمال خسارة أي مبلغ فيها 1 من 2,300. فالنظرة الواسعة ترى الحزمة كلها، والنظرة الضيقة ترى كل رمية وحدها. ويقترح المؤلف سياسة مخاطرة، وهي قاعدة تقرّرها مرة واحدة وتطبّقها كلما تكرر الموقف، كأن تختار دائماً أعلى نسبة تحمّل في التأمين، وألّا تشتري الضمان الممتد أبداً. ويروي ثالر أنه سأل مديري 25 قسماً في شركة كبيرة عن رهان متساوي الاحتمال، يخسر فيه القسم مبلغاً كبيراً أو يكسب ضعفه، فرفضوه جميعاً، وقال الرئيس التنفيذي: "أريدهم جميعاً أن يقبلوا".

مثال

خصّصت صاحبة متجر صغير لملابس الأطفال مبلغاً تجرّب به الإعلان على منصة جديدة، فانتهت التجربة الأولى دون مبيعات تُذكر، فقرّرت ألّا تعيدها. لقد حكمت على التجربة وحدها، فبدت لها خسارة صافية.

وكان بوسعها أن تكتب لنفسها سياسة: "أخصّص كل شهر مبلغاً ثابتاً لا يهدد المتجر، وأوزّعه على تجارب صغيرة، ولا أحكم عليها إلا بعد عشر تجارب". وحينئذ تصير الخسارة الأولى بنداً في محفظة. وتحتاج السياسة أيضاً إلى شرط إيقاف تحدّده مسبقاً، حتى لا تجرّها التكلفة الغارقة إلى مواصلة قناة لم تنجح.

والمثال عن طريقة التفكير في القرار، وليس نصيحة استثمارية.

كيف تستخدم الفكرة؟

  1. سمِّ نقطتك المرجعية. بماذا تقيس هذه النتيجة، أبما تملكه الآن، أم بما توقعته، أم بهدف وضعته؟
  2. اسأل سؤال المتداول. لو لم أكن أملك هذا الشيء، هل أدفع فيه هذا السعر اليوم؟
  3. اجمع المتشابه. إن كان القرار يتكرر، فاحكم على المجموعة كلها، ودع المرة الواحدة.
  4. اكتب سياسة مخاطرة قبل أن تواجه الموقف، فيها سقف للإنفاق، وشرط للإيقاف، وما ترفضه دائماً.
  5. عامل ما أُنفق على أنه غارق. واسأل: لو جاءني هذا المشروع اليوم من الصفر، هل أضع فيه المبلغ الإضافي؟

حدود الفكرة

ولا يصلح الإطار الواسع لكل قرار. فكانمان يقيّد شعار "تربح بعضها وتخسر بعضها" بثلاثة شروط، أن تكون الرهانات مستقلة فعلاً، وألّا تُقلقك الخسارة على ثروتك كلها، وألّا تكون الرهانات بعيدة الاحتمال. وصاحب المشروع الصغير قد يعجز عن الشرط الثاني في قرارات كثيرة، فحذره هناك في موضعه، وليس انحيازاً.

ونسبة الضعف متوسط تقريبي داخل مدى، وليست ثابتاً. وقد دار بعد صدور الكتاب نقاش أكاديمي في حجم تجنّب الخسارة ومدى عمومه. ولأثر الملكية نفسه حدود يذكرها كانمان، فهو يختفي في ما يُحفظ للتبادل دون الاستعمال، ويضعف عند المتداولين المتمرّسين، ويحتاج إلى حيازة فعلية، وقد يختلف بين الثقافات. ونوقشت إجراءات تجارب البيع والشراء في أبحاث لاحقة، منها دراسة بلوت وزايلر (2005). وكثير من المسائل في هذه الفصول افتراضية، لا مال حقيقياً فيها.

صلة عملية: تجنّب الخسارة والإطار الواسع.

المصدر: الفصول 25 و26 و27 و31 و32 من Thinking, Fast and Slow، وفيها خطأ برنولي، ونظرية التوقّع، وأثر الملكية، وسياسات المخاطرة، والتكلفة الغارقة. والتجارب والأرقام والعلاج بالإطار الواسع من المؤلف. أما مثال المتجر وصيغة الأسئلة فمن فكرغراف.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

تجنّب الخسارة والنقطة المرجعية