مسألة · قراءة في 7 دقائق
كيف تقدّر مدة مشروعك وكلفته دون أن تخدع نفسك؟
طريقة عملية تبدأ بها من مشاريع مشابهة قبل خطتك، وتحسب بها احتمال نجاح السلسلة كلها، وتسأل عن المنافسين، وتكتب قاعدة توقّف قبل أن تبدأ.
تأتي تقديراتك لمدة المشروع وكلفته أقل من الواقع مرة بعد مرة، مع أن خطتك تبدو معقولة كلما كتبتها.
تقدير للمدة والكلفة يبدأ من مشاريع مشابهة، واحتمال مكتوب لنجاح خطواتك مجتمعة، وقائمة بما قد يُفشل المشروع، وقاعدة توقّف تقررها قبل أن تبدأ.
انظر إلى المشاريع المشابهة قبل أن تنظر إلى خطتك، ثم عدّل بقدر محدود وبسبب مكتوب، وحدّد مسبقاً متى ستعيد قرار الاستمرار.
يعرف هذه الحكاية أكثرُ من صنع متجراً إلكترونياً لعميل. يعده بأن المتجر سيكون جاهزاً بعد ستة أسابيع، وخطته مكتوبة، تصميم فبرمجة فربط لبوابة الدفع فإدخال للمنتجات. ثم يتأخر العميل في إرسال الصور، وترفض بوابة الدفع الحساب مرة، ويطلب العميل صفحة لم تكن في الاتفاق، فيسلّم المتجر بعد أربعة عشر أسبوعاً، وقد خسر جزءاً من أجره في ساعات لم يحسبها.
وما هذا سوء حظ في مشروع واحد. إنه ما يسمّيه دانيال كانمان في التفكير السريع والبطيء (مغالطة التخطيط)، أي خطط وتوقّعات تلتصق بأحسن الاحتمالات التصاقاً غير واقعي، وكان يمكن تحسينها لو نُظر في إحصاءات الحالات المشابهة. ومن الكتاب جاءت الخطوات الثلاث في التنبؤ بالفئة المرجعية، وحساب السلاسل، وإهمال المنافسة، وجلسة ما قبل الفشل. أما جمعها في طريقة واحدة، وقاعدة التوقف بصيغتها هنا، والمثال، فمن فكرغراف.
1. افصل الرؤية الداخلية عن الرؤية الخارجية
قاد كانمان فريقاً يكتب منهجاً مدرسياً، فقدّر أعضاؤه أنهم سينتهون في نحو سنتين، وكان خبير المناهج بينهم يعرف أن فرقاً مثلهم لم تُكمل في أقل من سبع سنوات. وانتهى الكتاب بعد ثماني سنوات، ولم يُستعمل.
ويسمّي كانمان التقدير الأول (الرؤية الداخلية)، لأنه يبدأ من تفاصيل خطتك، والثاني (الرؤية الخارجية)، لأنه يبدأ من مصير حالات تشبهها. واللافت أن الخبير كان يعرف الإحصاء، ولم يخطر له حين قدّر. فاكتب التقديرين منفصلين، ولا تدع الأول يحلّ محلّ الثاني. (والقصة بتفاصيلها في الرؤية الخارجية)
2. اختر فئة مرجعية مناسبة
وهذه أولى خطوات (التنبؤ بالفئة المرجعية) كما ينقله كانمان عن بِنت فليفبيرغ. فاسأل من أي نوع مشروعك، أهو من المتاجر الإلكترونية لعملاء صغار، أم من تجديد المطابخ، أم من إطلاق الدورات التدريبية؟ والمطلوب فئة يكثر فيها المثال وتُعرف نتائجه، وليس مشاريع تشبه مشروعك في كل شيء.
3. استخرج إحصاءات الفئة وتوقّعاً أساسياً
ثم تأتي الخطوة الثانية، فتسأل كم استغرقت هذه المشاريع فعلاً، وبكم تجاوزت ميزانياتها. وتجد الجواب في سجلّ مشاريعك السابقة، أو عند زملاء في المهنة، أو في بيانات منشورة.
والفجوة التي ستجدها ليست عيباً فيك وحدك. فقد توقّع أصحاب منازل أمريكيون جدّدوا مطابخهم عام 2002 أن يدفعوا 18,658 دولاراً في المتوسط، فدفعوا 38,769، كما وجد مسح أُجري عليهم. وفي مشاريع سكك حديدية حول العالم بين 1969 و1998، بالغ المخططون في عدد الركاب في أكثر من 90% من الحالات، وتجاوزت الكلفة الميزانية بنسبة 45% في المتوسط، ولم تتحسّن التوقّعات طوال ثلاثين سنة.
4. عدّل بقدر محدود، وبسبب مكتوب
والخطوة الثالثة أن تعدّل التوقّع الأساسي بمعلومات مشروعك، إذا كان عندك سبب يجعلك تتوقع أن يكون التفاؤل فيه أشد أو أخف من المعتاد في فئته. واجعل التوقّع الأساسي مرساتك، ودع رقم خطتك جانباً، فهو مرساة قوية، وكانمان يحذّر من الارتساء على الخطط لأنها تصف أفضل السيناريوهات. (الارتساء)
واكتب سبب كل تعديل، فقولك "فريقنا أسرع" لا يصير سبباً حتى يكون عندك سجلّ يثبته.
5. اكتب خطتك سلسلةً واضرب احتمالاتها
عرضت مايا بار-هيلل على المشاركين في تجربة لها رهانين. في الأول يسحب المراهن كرة حمراء من كيس نصفه أحمر، واحتماله 0.50. وفي الثاني يسحب كرة حمراء سبع مرات متتالية، مع الإرجاع، من كيس 90% منه أحمر، واحتماله 0.48. فراهنت أغلبية واضحة على الثاني، وهو الأقل احتمالاً.
ويفسّر كانمان وتفرسكي ذلك بأننا نرتسي على احتمال الخطوة الواحدة، ولا نعدّل عنه بما يكفي. والمشروع سلسلة من هذا النوع، لا ينجح إلا إذا نجحت كل حلقة فيه. فاكتب خطواتك، وأعطِ كل خطوة احتمال أن تُنجَز في موعدها، ثم اضرب الاحتمالات بعضها في بعض. فست خطوات احتمال كل منها 85% لا تعطيك إلا نحو 38% لأن تمضي كلها كما خطّطت.
والخطأ نفسه يقع في الاتجاه المعاكس، فالنظام المعقد يتعطّل إذا تعطّل أي مكوّن أساسي فيه، ويُبخس احتمال تعطّله، لأن خطر كل مكوّن يبدو صغيراً وحده.
6. اسأل عن المنافسين، لا عن جودتك وحدك
ينقل كانمان عن رئيس استوديوهات ديزني تفسيره لإطلاق أفلام كثيرة كبيرة الميزانية في العطلة نفسها، فكل استوديو يفكّر في جودة فيلمه، ولا يفكّر في ما سيفعله الآخرون. والسؤال الحقيقي كم شخصاً سيشاهد الفيلم بالنظر إلى ما سيفعله الآخرون، غير أن الاستوديو يضع مكانه سؤالاً أسهل، هو هل فيلمنا جيد. ويسمّي كاميرر ولوفالو هذا (إهمال المنافسة).
ويذكر كانمان أن نحو 35% من المشاريع الصغيرة في الولايات المتحدة تبقى خمس سنوات. لكن أصحاب المشاريع في أحد المسوح قدّروا فرص "أي مشروع مثل مشروعك" بـ60% في المتوسط، وقدّر 81% منهم فرصهم الشخصية بـ7 من 10 فأكثر، وقال 33% إن احتمال فشلهم صفر.
فاكتب في تقديرك من غيرك يستهدف العميل نفسه في الفترة نفسها، وماذا يعني ذلك للمبيعات أو للمدة.
7. اعقد جلسة ما قبل الفشل على الخطة
قبل أن تلتزم بالموعد، اجمع من يعرفون المشروع، وقل لهم: "تخيّلوا أننا بعد سنة، وقد نفّذنا الخطة كما هي، فانتهت بكارثة، واكتبوا في 5 إلى 10 دقائق تاريخاً موجزاً لها". والفكرة لغاري كلاين، ويقدّمها كانمان علاجاً جزئياً، ولا يعد بأنها تضمن شيئاً.
ثم حوّل كل سبب يُكتب إلى خطوة في السلسلة لم تحسبها، أو إلى هامش في المدة.
8. اكتب قاعدة التوقف قبل أن تبدأ
ويعترف كانمان بأن خطأه الأكبر في قصة المنهج لم يكن التقدير، بل الاستمرار، ويقول: "كان ينبغي أن نتوقف ذلك اليوم". ولم يناقش أحد البديل، لأن الفريق أنفق جهداً كبيراً، ولأن التوقف محرج، ولأن المعلومة الجديدة لم تأتِ في صورة أزمة. ويسمّي كانمان الاستثمار الإضافي الذي يُراد به تجنّب الاعتراف بالفشل (مغالطة التكلفة الغارقة). ويروي عن مخترعين قيل لهم إن مشروعهم بلا أمل، فتوقف نحو نصفهم، وواصل 47%، فضاعف هؤلاء خسائرهم الأولى في المتوسط قبل أن يتوقفوا. (تجنّب الخسارة)
فاكتب قبل البدء شرطاً له موعد: "إذا لم نصل إلى كذا في تاريخ كذا، نعيد قرار الاستمرار". فإذا حان الموعد فاسأل نفسك: لو لم أكن أنفقت شيئاً على هذا المشروع، أكنت أبدؤه اليوم بما أعرفه الآن؟ وكل ما تلزمك به القاعدة أن تقرّر من جديد، فلا تمضي في المشروع لمجرد أنك بدأته.
مثال كامل: متجر إلكتروني لعميل
وفي حكاية المتجر الإلكتروني تقول الرؤية الداخلية ستة أسابيع. فإذا راجعت آخر خمسة مشاريع مشابهة، لك ولزميلين، وجدت أنها استغرقت بين تسعة أسابيع وستة عشر، وأن أكثر التأخير جاء من محتوى العميل.
فتجعل التوقّع الأساسي اثني عشر أسبوعاً، ثم تعدّله قليلاً، لأن هذا العميل جهّز صوره مسبقاً، وهذا سبب مكتوب لأسبوع أقل. ثم تكتب السلسلة، تصميماً يُعتمد من أول مرة، ومحتوى يصل في موعده، وبوابة دفع تُفعَّل دون رفض، وإدخالاً للمنتجات، واختباراً نهائياً، وتضرب احتمالاتها، فيتبيّن لك أن الموعد الأقصر لا يتحقق إلا في أقل من نصف الحالات.
وفي جلسة ما قبل الفشل يكتب شريكك: "طلب العميل صفحات إضافية، وقبلنا دون تعديل الأجر"، فتضيف إلى العقد بنداً للإضافات بسعر منفصل. وتكتب قاعدتك، وهي أن موعد التسليم يتغيّر بقدر التأخير إذا لم يصل المحتوى كاملاً بنهاية الأسبوع الرابع.
متى لا تكفي الرؤية الخارجية؟
حين يكون مشروعك جديداً حقاً، قد لا تجد فئة مرجعية كافية، والكتاب لا يجيب عن هذه الحالة. فاستعمل أقرب فئتين أو ثلاث، ووسّع المدى بدل أن تكتب رقماً واحداً.
واحذر من نقل الأرقام بين الأسواق. فأرقام بقاء المشاريع وتجديد المطابخ التي مرّت هنا من مسوح أمريكية بعينها، ولا تصلح معدّلاً أساسياً لمدينتك قبل أن تتحقق منها.
ولا تجعل الاحتياطي حلاً سحرياً. فكانمان ينقل عن مسؤول قوله لفليفبيرغ إن احتياطي الميزانية عند المقاولين كاللحم الأحمر عند الأسود، يلتهمونه. ويرى كانمان أن أثر التفاؤل في القرار مختلط، وأن إسهامه في التنفيذ إيجابي بلا شك. والاستنتاج من فكرغراف وليس من كانمان: قدّر بحذر، ثم نفّذ بحماسة.
وإن كان في المشروع مال تستثمره، فهذه طريقة لتنظيم التقدير، وليست نصيحة استثمارية.
بطاقة تستعملها اليوم
- ما المشروع؟ …
- ما تقديري للمدة والكلفة من الرؤية الداخلية؟ …
- ما الفئة المرجعية؟ …
- كم استغرقت مشاريعها فعلاً؟ …
- ما التوقّع الأساسي؟ …
- ما تعديلي، وما سببه المكتوب؟ …
- ما الخطوات التي يجب أن تنجح كلها، وما احتمال كل منها؟ …
- كم حاصل ضربها؟ …
- من ينافسني على العميل نفسه؟ …
- ما أهم سبب للفشل خرج من جلسة ما قبل الفشل؟ …
- ما قاعدة التوقف، بشرطها وموعدها؟ …
أساس المسألة: الرؤية الخارجية ومغالطة التخطيط والتنبؤ بالفئة المرجعية والتكلفة الغارقة (الفصل 23 من Thinking, Fast and Slow)، والتفاؤل وإهمال المنافسة وجلسة ما قبل الفشل (الفصل 24)، والارتساء (الفصل 11)، وتجربة بار-هيلل في الأحداث المقترنة (الملحق أ، مقالة كانمان وتفرسكي 1974). أما ترتيب الخطوات، وقاعدة التوقف بصيغتها هنا، والمثال، فمن فكرغراف.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
