فكرة · قراءة في 4 دقائق
الدليل الصامت: أين صور الذين غرقوا؟
Silent Evidence
لماذا تخدعنا قصص الناجحين؟ فكرة نسيم نقولا طالب في البجعة السوداء عن المقبرة التي لا نراها خلف كل نجاح، وكيف تحسب حسابها قبل أن تقلّد أحداً.
الفكرة
ما لا نراه من الأدلة لأن أصحابه لم يبقوا ليرووا، كالغرقى الذين لم تُرسم صورهم، والمشاريع التي أفلست، والكتب التي لم تُنشر. وهو يغيّر الحكم على كل قصة نجاح.
نرى الناجين وحدهم، فننسب نجاحهم إلى صفات حملها كثير ممن فشلوا. ولا تعرف سبب النجاح حتى تعدّ الذين فعلوا الشيء نفسه ولم ينجحوا.
أُري دياغوراس، وكان رجلاً من اليونان لا يؤمن بآلهة قومه، ألواحاً مرسومة لبحّارة دعوا الآلهة فنجوا من الغرق، وأُريد بها أن يقتنع بأن الدعاء ينجّي. فسأل: "وأين صور الذين دعوا ثم غرقوا؟". والحكاية يرويها شيشرون.
وبهذا السؤال يفتح نسيم نقولا طالب الفصل الثامن من البجعة السوداء، ويسمّي ما غاب عن الألواح (الدليل الصامت). فالغرقى لا يُرسمون، ولا يحكون، ولا يكتبون مذكراتهم، وهم مع ذلك نصف القصة، وقد يكونون أكثرها.
ولم يكن طالب أول من التفت إلى ذلك. فقد أعاد الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون رواية القصة، وقال: "وهكذا طريق كل خرافة، في التنجيم والأحلام والفأل وما شابهها".
المقبرة التي لا نراها
والانحياز في تعريف طالب هو "الفرق بين ما تراه وما هو موجود"، والتاريخ كله تقريباً يُكتب من جهة الناجين. خذ الفينيقيين، يُقال إنهم لم يتركوا أدباً لأنهم قوم تجارة لم تشغلهم الثقافة، والأرجح في رأي طالب أنهم كتبوا على البردي، فبلي البردي وضاع ما لم يُنسخ منه على الرقّ. أو خذ بلزاك، يُقال إنه عبقري لأن رواياته واقعية، ولا يعرف أحد كم رواية بمثل صفاتها ماتت في أدراج الناشرين.
ويبلغ بالفكرة كتب النجاح. نقرأ فيها أن الأثرياء جريئون متفائلون مستعدون للمخاطرة، ولا نرى المقبرة التي فيها من حملوا الصفات نفسها وأفلسوا. فإن كانت الجرأة عند الفريقين لم تكن هي سبب النجاح، والفرق بينهما في الغالب، كما يقول، الحظ. وقد تكون للصفات قيمتها، غير أن القصة وحدها لا تثبتها.
والخبر الطيب أن هذا الانحياز منتظم، كالميزان الذي يزيد في كل مرة بالمقدار نفسه، فيمكن أن يُحسب حسابه ويُصحَّح، ويكفي لذلك أن تبدأ من كل من دخلوا السباق، ولا تبدأ من الفائز وحده.
حين يبدو الضرر قوة
وفي الفصل حكاية يسمّيها طالب (نادي الفئران الرياضي)، ويجعلها أشدّ صور الدليل الصامت خطراً. تُعرَّض مجموعة من الفئران لإشعاع قوي، فيهلك ضعافها، ويخرج الباقون وكأنهم أشدّ من الفأر العادي، مع أن الإشعاع أوهن كل فأر منها. ثم يأتي مراقب لا يرى إلا الناجين، فيكتب أن المختبر نادٍ رياضي، وكلما كان العلاج أفتك بدا له أثر التقوية أكبر.
فإذا قيل لك إن ما لا يقتلك يقوّيك، أو إن قسوة التجربة هي التي صنعت فلاناً، فاسأل عن الذين لم يخرجوا منها. وكان المغامر كازانوفا يحسب أن نجماً يحرسه، لكثرة ما نجا من مغامراته، وطالب يذكّر بأن آلاف المغامرين ينجو بعضهم بالمصادفة مرة بعد مرة، وهؤلاء وحدهم يبقون ليكتبوا مذكراتهم. وحين يسمع اقتصادياً يقول إن مدينته "تعود دائماً أقوى"، يتذكّر أن لقرطاج وصور وأريحا من قال فيها القول نفسه.
ما لا يُرى في القرارات
ومن الماضي يمضي طالب بالفكرة إلى القرارات، وفي ذهنه ما كتبه الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا عمّا يُرى وما لا يُرى. فالمال الذي تنفقه الحكومة يُرى فيما بنته به، ولا يُرى ما كان سيُبنى به لو أُنفق في مكان آخر. والدواء الذي ينقذ كثيرين ويؤذي قليلين يُتّهم، لأن الذين أنقذهم أرقام في جدول، والذين آذاهم وجوه لها قصص.
ومن أمثلته ما جرى بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إذ خاف كثير من الأمريكيين الطيران فسافروا بالسيارات، وخطر الطريق أكبر من خطر الجو. وقدّر عالم النفس غيرد غيغيرنزر لاحقاً أن ذلك أدّى إلى نحو 1,500 وفاة إضافية على الطرق في السنة التالية، لم يكتب عنهم أحد، ولم يُعدّوا في ضحايا الهجمات.
ولهذا لا يُكافأ من يمنع الكارثة، فكما يكتب طالب: "من السهل أن تبيع للناس: انظروا ماذا فعلت لكم، وصعب أن تبيعهم: انظروا ماذا جنّبتكم".
وقد يعمل في الاتجاه الآخر
ويلاحظ طالب في حاشية أن الدليل الصامت لا يُظهر الأمور أسلم مما هي في كل حال. فبعض السرطانات لا يُكتشف أبداً لأنه بطيء أو يزول وحده، فتبدو إحصاءات النجاة من السرطان المكتشف أسوأ مما كانت ستبدو لو عُدّ الجميع. فالقاعدة أن تسأل دائماً من الذي لم يدخل العينة، ولماذا، ولا تفترض مسبقاً أن الأمور أسوأ مما تبدو.
جرّبها
اختر قصة نجاح تريد أن تقلّدها، كمقهى في شارعك، أو صاحب دورة يعرض شهادات طلابه، أو مستثمر يحكي كيف بدأ. واكتب تحتها ثلاثة أسئلة. كم واحداً بدأ مثله في الوقت نفسه؟ وأين هم الآن؟ وما الذي كان عند الناجح ولم يكن عندهم؟ فإن لم تجد جواباً عن السؤال الثالث فلا تشترِ القصة بعد. وإن كان في شارعك مقهى مزدحم، فاسأل صاحب المحل المجاور عن المقاهي التي فُتحت في الشارع وأُغلقت في السنوات الخمس الماضية.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
