ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 5 دقائق

الرؤية الخارجية ومغالطة التخطيط

The Outside View

لماذا تأتي تقديراتنا لمدة المشروع وكلفته قريبة من أفضل الاحتمالات، وكيف نصحّحها بالنظر إلى مشاريع تشبه مشروعنا قبل النظر إلى خطتنا؟

الفكرة

أن تبدأ تقدير المدة والكلفة والنتيجة من حصيلة مشاريع تشبه مشروعك، قبل أن تنظر في تفاصيل خطتك.

التقدير الذي نبنيه من خطتنا يقترب من أفضل الاحتمالات، ويصير أدق حين يبدأ من نتائج حالات مشابهة، ثم يُعدَّل بحذر وبسبب مكتوب.

جلس شريكان يحدّدان موعد افتتاح متجرهما الإلكتروني، فعدّا المهام واحدة واحدة، من التصميم والصور إلى ربط الدفع وكتابة وصف المنتجات، وقدّرا لكل مهمة مدّتها بعناية، ثم جمعا المدد، فخرج الموعد بعد شهرين. وكان الحساب سليماً في ظاهره، ومع ذلك انقضى الشهر الرابع والمتجر لم يُفتح.

ولم يخطئ أحدهما في الجمع. كان الخطأ في نقطة البداية، فقد بنيا التقدير على الخطة، والخطة لا تحوي إلا ما يعرفانه يوم كتباها.

كيف يصفها المؤلف؟

يروي دانيال كانمان في التفكير السريع والبطيء قصة يعدّها من أبلغ ما تعلّمه في حياته المهنية. كان قد أقنع مسؤولين في وزارة التربية الإسرائيلية بوضع منهج يعلّم طلاب الثانوية الحكم واتخاذ القرار، وجمع فريقاً لكتابته. وبعد سنة من الاجتماعات الأسبوعية طلب من كل عضو أن يكتب سرّاً تقديره للمدة الباقية حتى يُسلَّم الكتاب، فتجمّعت التقديرات حول سنتين، أدناها سنة ونصف، وأعلاها سنتان ونصف.

ثم التفت إلى خبير المناهج في الفريق، سيمور فوكس، وسأله عن فرق أخرى بلغت المرحلة نفسها، كم أخذت حتى أنهت عملها؟ فصمت الرجل، ثم قال إن نحو 40% منها لم ينهِ العمل أصلاً، وإنه لا يعرف فريقاً أنهاه في أقل من سبع سنوات، ولا في أكثر من عشر. ولما سأله كانمان عن موقع فريقهم بين تلك الفرق، قال: "دون المتوسط، ولكن بقليل".

كانت هذه المعرفة في رأس الخبير، ولم تدخل في تقديره الأول. فلما عرضها على الفريق أهملها الجميع، ومضوا كأن شيئاً لم يكن. واكتمل الكتاب بعد ثماني سنوات، ولم يُستعمل قط. ويقول كانمان إنه كان ينبغي لهم أن يتوقفوا ذلك اليوم.

ومن هذه القصة خرج التمييز بين رؤيتين. الرؤية الداخلية تبني التوقّع من تفاصيل الحالة وخطتها، والرؤية الخارجية تبدأ من نتائج فئة من الحالات المشابهة. أما الخطأ الذي تنتجه الأولى فسمّاه كانمان وتفرسكي مغالطة التخطيط، وهي خطط وتوقّعات تقترب من أحسن السيناريوهات اقتراباً لا يسنده الواقع، وكان يمكن تحسينها بالرجوع إلى إحصاءات حالات مشابهة.

وللمغالطة شواهد من مشاريع حقيقية يوردها المؤلف. فقد قُدّرت كلفة مبنى البرلمان الاسكتلندي في يوليو 1997 بما لا يزيد على 40 مليون جنيه، واكتمل المبنى في 2004 بنحو 431 مليوناً. وفي دراسة نُشرت في 2005 عن مشاريع سكك حديدية حول العالم بين 1969 و1998، بالغ المخططون في عدد الركاب في أكثر من 90% من الحالات، وكان متوسط المبالغة 106%، ومتوسط تجاوز الكلفة 45%، ولم تتحسن التوقعات في ثلاثين سنة. وفي مسح لأصحاب بيوت أمريكيين جدّدوا مطابخهم في 2002، كان متوسط ما توقّعوه 18,658 دولاراً، ومتوسط ما دفعوه 38,769.

والعلاج الذي ينقله كانمان عن خبير التخطيط بنت فليفبيرغ اسمه التنبؤ بالفئة المرجعية، وله ثلاث خطوات. تبدأ بأن تحدّد فئة مرجعية مناسبة، ثم تستخرج إحصاءاتها لتصنع منها توقّعاً أساسياً، ثم تعدّل التوقّع بمعلومات حالتك إن وجدت سبباً يجعل التفاؤل فيها أشد أو أخف منه في غيرها. ويضيف في الفصل التالي أداة يقترحها غاري كلاين، هي تمرين ما قبل الفشل. فقبل الالتزام الرسمي بقرار، يتخيّل العارفون به أن سنة مرّت، وأن الخطة نُفّذت كما هي فانتهت بكارثة، ثم يكتب كل منهم في 5 إلى 10 دقائق قصة تلك الكارثة.

مثال

قدّر مكتب هندسي صغير أن تصميم فيلا واستخراج رخصتها يأخذان أربعة أشهر، وبنى تقديره على جدول مهام دقيق. والرؤية الخارجية تسأله سؤالاً آخر، هو كم أخذت آخر عشرة مشاريع من هذا النوع في المكتب نفسه، من توقيع العقد إلى صدور الرخصة؟

فإن وجد المكتب أن أغلبها أخذ أكثر من ستة أشهر، بسبب تعديلات المالك وملاحظات البلدية، فهذا رقم البداية. وقد يكون في المشروع الجديد ما يبرّر تعديله، كمالك حسم طلباته مسبقاً. لكن التعديل يحتاج إلى سبب مكتوب، والموعد الذي يُعطى للمالك يقوم على الرقم الأساسي، ولا يكفي فيه الجدول وحده.

كيف تستخدم الفكرة؟

  1. اكتب تقديرك الأول، ثم ضعه جانباً. لا تحذفه، فستقارنه به بعد قليل.
  2. سمِّ الفئة المرجعية. ما المشاريع التي تشبه مشروعك في نوعه وحجمه؟ ابحث في سجلّك أولاً، ثم اسأل أهل المهنة.
  3. اطرح سؤالَي سيمور. كم من هذه المشاريع لم يكتمل؟ وكم أخذ ما اكتمل منها؟
  4. ابدأ من هذا الرقم. ثم عدّله إن وجدت سبباً محدداً، واكتب السبب بجانب التعديل.
  5. اعقد جلسة ما قبل الفشل قبل أن تعلن الموعد أو توقّع الالتزام.

وإن كنت أنت من يعتمد خطط غيرك، فاطلب الرؤية الخارجية بنفسك، لأن كانمان يحمّل المسؤولية الكبرى لمن يُقرّ الخطة، فواضعوها قد يتفاءلون ليحصلوا على الموافقة.

حدود الفكرة

واختيار الفئة المرجعية ليس سهلاً، والكتاب لا يقول ماذا تفعل حين يكون مشروعك جديداً لا يشبهه شيء. فجرّب أكثر من فئة، وانظر هل تتقارب نتائجها.

ويقرّ كانمان بأن دقة توقّع سيمور في قصة المنهج كانت "مصادفة"، فلا تُعدّ دليلاً على صحة الطريقة، وحجّته للرؤية الخارجية حجة عامة، فالفئة المناسبة تحدّد لك المدى المعقول، ولا تعطيك رقماً دقيقاً. والأرقام التي يوردها جاءت من سياقات محددة (مشاريع بريطانية، ومسوح أمريكية، وسكك حديدية كبيرة)، فلا تنقلها إلى سوقك كأنها ثوابت.

وليس كل تأخير تفاؤلاً، فالمؤلف يذكر أن مقاولي المطابخ يجنون معظم ربحهم من الإضافات على الخطة الأولى. أما تمرين ما قبل الفشل فيقدّمه كانمان بلا دليل تجريبي في المتن، ويقول إنه ليس علاجاً لكل شيء، ولا يحمي تماماً من المفاجآت السيئة.

صلة عملية: كيف تقدّر مدة مشروعك وكلفته دون أن تخدع نفسك؟.

المصدر: الفصل 23 (الرؤية الخارجية) من Thinking, Fast and Slow، وما جاء في الفصل 24 عن تمرين ما قبل الفشل. والقصة والأرقام وخطوات التنبؤ بالفئة المرجعية، كما ينقلها عن فليفبيرغ، من المؤلف. أما مثال المكتب الهندسي وترتيب الخطوات فمن فكرغراف.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

الرؤية الخارجية ومغالطة التخطيط