الفلسفة طريقةً في العيش
كتب ماركوس أوريليوس دفاتره في السبعينيات من القرن الثاني، وأكثرها في سنوات حروبه على الدانوب، ولم يكتبها لأحد. ولذلك تجد في التأملات الرواقية كما يعيشها رجل يخونها ثم يعود إليها، فالأذى يأتي مما نضيفه إلى الأشياء، ولا يأتي من الأشياء نفسها، والناس يخطئون عن جهل، وكل شيء يتغيّر ويمضي. ويعود ماركوس إلى هذه المبادئ القليلة عشرات المرات، إذ "النفوس تُصبغ بالأفكار"، كما يكتب.
ولثلاث من أفكار الدفتر صفحاتها. أولاها انزع الحكم يزُل الأذى، والثانية الحصن الداخلي، وهو خلوة يجدها المرء في نفسه، ولا يحتاج معها إلى مكان يهرب إليه، والثالثة العقبة تصير طريقاً كما قالها ماركوس فعلاً، ولا كما صارت في الشعار الذي صُنع منها. ومن أراد تطبيقاً مباشراً فليقرأ مسألة كيف تهدأ حين يسيء إليك أحد؟.
الفلسفة سؤالاً عن المعنى
ويضع الإنسان يبحث عن المعنى سؤالاً قريباً من سؤال الرواقيين أمام أقسى امتحان. فقد رأى فيكتور فرانكل في المعسكرات النازية أن كل شيء يمكن أن يُنتزع من الإنسان إلا أن يختار موقفه مما يحدث له. وقلب السؤال المعتاد، فلم يعد السؤال ماذا ننتظر من الحياة، وصار ماذا تنتظر الحياة منا. وجعل من عبارة نيتشه من عرف لماذا يعيش، احتمل أيّ كيف شعاراً لكل علاج نفسي مع السجناء. وفرانكل طبيب نفسي، وليس فيلسوفاً محترفاً، غير أن كتابه يُقرأ في الفلسفة لأنه يجيب عن أقدم أسئلتها بشهادة، ولا يجيب بنظرية.
الفلسفة سؤالاً عن المعرفة
أما البجعة السوداء فيبدأ من مشكلة الاستقراء، أي كيف ننتقل من مشاهدات محدودة إلى حكم عام. ظلّ الأوروبيون قروناً يقولون إن البجع كله أبيض، حتى دخل بحّار هولندي نهراً في أستراليا سنة 1697 فوجده يعجّ بالبجع الأسود. ويمرّ نسيم نقولا طالب بديفيد هيوم وسكستوس إمبيريكوس، ثم يأخذ من كارل بوبر أن المعرفة تتقدّم بالنفي، ولا تتقدّم بالإثبات. وصورته الأشهر الديك الرومي، فالديك تزداد ثقته كل يوم يُطعَم فيه، حتى يوم ذبحه.
ما الذي يحتاج إلى حذر؟
في التأملات برودة لا تُنكر، كما يقول مترجمه مارتن هاموند، فهذا أبٌ دفن سبعة من أولاده يوصي نفسه ألا يزيد على الانطباع الأول. فخذ طريقته في الحكم على الأشياء، ولا تجعلها دواءً لكل ألم، ولا تقرأها علم نفس مجرّباً. صحيح أن العلاج المعرفي الحديث تأثّر بالرواقيين، لكنه شيء غيرهم. وكثير مما يُنسب إلى ماركوس على الإنترنت لم يقله.
وفي كتاب فرانكل جمل يأخذها النقاد عليه، تلمّح إلى أن من سقطوا أرخوا "قبضتهم الداخلية"، مع أن أكثر من ماتوا قُتلوا أو جُوّعوا أو مرضوا. أما طالب فنبرته هجومية وتعميماته واسعة، وفي ما كتبه عن الغزالي حكم تراجع عنه هو نفسه، وتصحيحه في صفحة الكتاب.
وهذه الكتب الثلاثة لا تصلح مدخلاً منظّماً إلى تاريخ الفلسفة ومذاهبها، فهي فلسفة يمارسها أصحابها، ولهذا تُقرأ.
إن كان عندك وقت لكتاب واحد
اقرأ التأملات، ولا تقرأه دفعة واحدة. افتحه كل صباح على فقرة أو فقرتين، كما كان صاحبه يفعل مع نفسه، وابدأ بالكتابين الثاني والرابع. ومن أراد أسئلة الحياة اليومية بلغة حديثة فليقرأ بعده صفحة كتب تطوير الذات.