فكرة · قراءة في 4 دقائق
ما تراه هو كل ما هنالك: لماذا يثق من يعرف أقل؟
WYSIATI (What You See Is All There Is)
تأتي الثقة من تماسك القصة لا من كفاية الأدلة، فكيف تنتبه إلى ما لم تره قبل أن تحكم؟
الفكرة
مبدأ يصف به كانمان طريقة التفكير السريع، فهو يبني أفضل قصة ممكنة مما بين يديه، ولا يحسب حساب المعلومات الغائبة.
ثقتك بحكمك تتبع تماسك القصة التي بنيتها، أما كمية الأدلة وجودتها فلا تكاد تؤثّر فيها، ولذلك تحتاج إلى أن تسأل عمداً عمّا ينقصك، وأن تجمع الآراء مستقلةً قبل النقاش.
قرأ مدير تقريراً واحداً كتبه مستشار عن سوق جديدة، فوجده واضحاً مرتّباً، أرقامه منسجمة، فخرج منه بقرار، وأحسّ بالارتياح. ولم يسأل نفسه ما الذي لم يدخل التقرير، ولا من قد يرى السوق بغير هذه العين.
وفي هذا المشهد مبدأ يعود إليه دانيال كانمان في كتابه التفكير السريع والبطيء مرة بعد مرة، ويختصره بعبارة إنجليزية طويلة يرمز إليها بحروفها الأولى، WYSIATI، ومعناها أن ما تراه هو كل ما هنالك.
كيف يصفها المؤلف؟
يقيس النظام 1، أي التفكير السريع، نجاحه بتماسك القصة التي يبنيها، ولا تكاد تهمّه كمية المعلومات التي قامت عليها القصة ولا جودتها. فإذا قلّت المعلومات صار آلةً للقفز إلى النتائج.
ويضرب لذلك مثلاً بسؤال، هل ستكون ميندِك قائدة جيدة؟ إنها ذكية وقوية… فيأتيك الجواب فوراً بنعم، ولم تسأل نفسك ما الذي تحتاج إلى معرفته قبل أن تحكم على قائد. فماذا لو كانت الصفتان التاليتان فاسدة وقاسية؟
وشاهده في الكتاب تجربة أجراها عاموس تفرسكي مع اثنين من طلابه في ستانفورد، عُرضت فيها على المشاركين قضية قانونية، فسمع بعضهم حجّة طرف واحد، وسمع آخرون الطرفين. وكان المشاركون يعرفون تصميم التجربة، ويستطيع من سمع طرفاً واحداً أن يتخيّل حجّة الطرف الآخر، ومع ذلك تأثّرت أحكامهم كثيراً بالجانب الذي سمعوه. بل إنهم كانوا أوثق بأحكامهم ممّن سمع الطرفين. فالثقة تأتي من انسجام المعلومات، لا من اكتمالها، وكثيراً ما تسهّل قلةُ ما تعرفه أن ترتّبه في قصة متماسكة.
ومن المبدأ نفسه يتفرّع أثر الهالة، وهو أن تحبّ كل شيء في شخص، أو تكرهه، بما في ذلك ما لم تره منه. ففي تجربة سولومون آش وُصف ألان بست صفات تبدأ بالذكاء والاجتهاد وتنتهي بالحسد، ووُصف بِن بالصفات نفسها في ترتيب معكوس، فرأى أكثر الناس ألان أفضل منه بكثير. ذلك أن الصفات الأولى تغيّر معنى ما يأتي بعدها، فعناد الذكي قد يبدو له ما يبرّره، أما ذكاء الحسود العنيد فيزيده خطراً.
وقد لاحظ كانمان الهالة في عمله هو، إذ كان يصحّح كرّاسة الطالب كلها دفعة واحدة، فوجد درجات الطالب الواحد متقاربة على نحو لافت. فغيّر طريقته، وصار يصحّح السؤال الأول عند الطلاب جميعاً قبل أن ينتقل إلى الثاني، ويكتب الدرجة في الصفحة الأخيرة حتى لا يراها. فقلّت ثقته بدرجاته، وتفرّقت درجات الطالب الواحد، ورأى في ذلك علامة على أن طريقته الجديدة خير من القديمة، وأن الانسجام الذي كان يطمئن إليه كان زائفاً.
وعلى هذا تقوم قاعدته في فكّ ارتباط الأخطاء. فحين يقدّر أناس كثيرون عدد القطع النقدية في برطمان، يأتي متوسط تقديراتهم دقيقاً، لأن أخطاءهم مستقلة يلغي بعضها بعضاً، فإذا أثّر بعضهم في بعض ضاع هذا الأثر. ولذلك يُمنع الشهود من تبادل رواياتهم قبل الشهادة. ويقترح كانمان للاجتماعات أن يكتب كل عضو ملخّصاً قصيراً لموقفه قبل أن يبدأ النقاش، لأن النقاش المفتوح يعطي وزناً زائداً لمن يتكلّم أولاً وبحزم.
مثال
يقابل صاحب شركة صغيرة مرشّحاً لوظيفة مبيعات، لبقاً، يحكي قصة نجاح لامعة مع عميل كبير. وهنا تبدأ الهالة عملها، فيفترض صاحب الشركة أن المرشّح منظّم، يلتزم بالمواعيد، ويحسن متابعة العملاء، وهو لم يرَ من ذلك شيئاً. كل ما رآه مقابلة جيدة وقصة واحدة.
ولو كتب قبل المقابلة ثلاث صفات تحتاج إليها الوظيفة، وقيّم كل صفة وحدها فور سماع ما يدلّ عليها، لظهرت له الفجوة، فبين يديه دليل قوي على صفة واحدة، ولا دليل على الأخريين.
كيف تستخدم الفكرة؟
- قبل القرار، اكتب ما كنت ستحتاج إلى معرفته لو بدأت من الصفر. ثم قارن القائمة بما عندك فعلاً.
- عامل الثقة العالية بعد سماع طرف واحد إنذاراً. واطلب حجّة الطرف الآخر في أحسن صورها من شخص يؤمن بها.
- اجمع الآراء قبل النقاش. يكتب كل مشارك تقديره وحده، ثم تُعرض التقديرات معاً.
- قيّم المعيار الواحد عند الجميع. ثم انتقل إلى المعيار التالي، ولا تعدّل درجة كتبتها لتنسجم مع غيرها.
حدود الفكرة
لا يقول كانمان إن القصة المتماسكة خاطئة. فهو يقرّ بأن القصة التي نبنيها من معلومات ناقصة تكون في أكثر الأحيان قريبة من الواقع بما يكفي لعمل معقول، وبأن هذا ما يسمح لنا بالتفكير السريع في عالم معقّد. والخلل في الحالات التي يغيب فيها دليل حاسم، ولا ننتبه إلى غيابه.
ولا تعني الفكرة أن تؤجّل كل قرار حتى تكتمل المعلومات، فهي لا تكتمل. المطلوب أن تعرف حجم ما لا تعرفه، وأن تخفّف ثقتك بقدره.
وتجربة آش وتجربة الأدلة الأحادية وحكمة الجموع المشروطة باستقلال الآراء من النتائج المتينة في الفصل. أما قصة تصحيح الامتحانات فتجربة شخصية يرويها المؤلف، وليست دراسة.
صلة عملية: كيف تقيّم مرشحاً أو عرضاً دون أن تخدعك الانطباعات؟.
المصدر: الفصل 7 من Thinking, Fast and Slow، وفيه مبدأ WYSIATI، وأثر الهالة، وتجربة آش، وتصحيح الامتحانات، وفكّ ارتباط الأخطاء، وتجربة الأدلة الأحادية. أما المثالان (التقرير والمرشّح) وخطوات الاستخدام فمن فكرغراف.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
