فكرة · قراءة في 4 دقائق
النفس المستشعِرة والنفس المتذكِّرة
The Experiencing Self and the Remembering Self
لماذا نحكم على تجربة كاملة بأشد لحظة فيها وبنهايتها، ثم نختار ما سيأتي بذاكرة لا تحسب المدة؟
الفكرة
في كل منا نفس تعيش اللحظة، ونفس تتذكّر وتقرّر، والثانية تحكم على التجربة بذروتها ونهايتها، وتكاد تهمل مدتها.
نختار في الغالب بما سنتذكّره، وقلّما نختار بما سنعيشه، فقد نفضّل ما هو أسوأ في التجربة نفسها. ويقلّ الخطأ حين نحسب الوقت صراحة قبل أن نقرّر.
يعود أحدهم من إجازة أسبوعين، أيامها هادئة جميلة، غير أن طائرة العودة تأخرت ست ساعات، وانتهت الرحلة بمشادة في المطار. فإذا سأله صديق عن الإجازة قال: "كانت متعبة". أربعة عشر يوماً من الراحة غلبها يوم واحد، لأنه جاء في الآخر.
كيف يصفها المؤلف؟
يميّز كانمان في الجزء الأخير من التفكير السريع والبطيء بين معنيين لكلمة (المنفعة)، أولهما ما نعيشه لحظة بلحظة من لذة وألم، والثاني ما نريده ونختاره. وبتجربتين يُظهر أن المعنيين قد يفترقان.
صمّم كانمان التجربة الأولى في أوائل التسعينيات مع الطبيب دون ريدلماير، على 154 مريضاً يجرون تنظير القولون، ولم يكن التخدير قد شاع فيه بعد. وكان المريض يقدّر ألمه كل 60 ثانية على سلّم من 0 إلى 10. استغرق تنظير المريض (أ) 8 دقائق، وتنظير المريض (ب) 24 دقيقة، وبلغ ألمهما الأقصى 8، غير أن آخر تقدير كان 7 عند الأول و1 عند الثاني. ولا شك أن (ب) عانى أكثر، إذ دام ألمه أطول، ومع ذلك احتفظ (أ) بذكرى أسوأ بكثير. ومن البيانات استخرج كانمان قاعدتين.
- قاعدة الذروة والنهاية. يتنبأ بالتقييم الإجمالي متوسطُ الألم في أسوأ لحظة وفي النهاية (7.5 عند الأول، و4.5 عند الثاني).
- إهمال المدة. لم يكن لطول التنظير أي أثر في تقدير الألم الكلي.
وفي التجربة الثانية وضع المشاركون يداً في ماء حرارته 14 درجة مئوية مدة 60 ثانية. ثم وضعوا اليد الأخرى في مرة ثانية مدة 90 ثانية، كانت الستون الأولى منها مثل التجربة الأولى، وفي الثلاثين الباقية ترتفع حرارة الماء نحو درجة واحدة، فيخفّ الألم قليلاً. ولما خُيّروا أيّ التجربتين يعيدون، اختار 80% ممن شعروا بانخفاض الألم في النهاية التجربة الطويلة، أي أن يتحمّلوا 30 ثانية من ألم لا داعي له، وهم يعرفون أي التجربتين أطول.
ومن هاتين التجربتين جاء الاسمان. النفس المستشعِرة هي التي تجيب حين يُسأل المرء هل يؤلمه الآن، ولا صوت لها. والنفس المتذكِّرة هي التي تجيب حين يُسأل كيف كان الأمر في جملته، وهي التي تحفظ الحساب وتتعلّم وتقرّر. ولهذا يقول من خُدشت أسطوانة السيمفونية في آخرها إن الخدش "أفسد التجربة كلها"، والذي فسد هو الذكرى، أما التجربة فقد عاشها كاملة.
ويمدّ كانمان الفكرة إلى الرضا عن الحياة، فيسمّي وهم التركيز، ويقول فيه: "لا شيء في الحياة مهم بالقدر الذي تظنه حين تفكّر فيه". وقد أجرى مع ديفيد شكيد دراسة لم يختلف فيها رضا طلاب كاليفورنيا عن حياتهم عن رضا طلاب الغرب الأوسط، مع أن الأولين يحبون مناخهم والآخرين يكرهونه. وكان الطلاب في المنطقتين يظنون، على خطأ، أن أهل كاليفورنيا أسعد.
مثال
أسرة تختار بين شقة واسعة في ضاحية بعيدة، وشقة أصغر قريبة من عمل الوالدين. وحين يتخيّل الوالدان المستقبل يحضر في خيالهما الصالون الواسع، والغرفة الإضافية للأطفال، ولا يحضر الوقت الذي سيمضيانه كل يوم في الطريق، لأنه لا يصنع لحظة تُتذكّر.
غير أن النفس المستشعِرة هي التي ستقضي ذلك الوقت. وفي دراسة يوردها الكتاب على 1,000 امرأة في مدينة بالغرب الأوسط الأمريكي، تقدّم التنقل الصباحي الأنشطة المذكورة في نسبة الوقت الذي يمضي في مزاج سيئ (29%)، وجاء بعده العمل (27%). فالسؤال الذي ينفع الأسرة هو كيف سيمضي يوم ثلاثاء عادي بعد سنة، وليس كيف سيبدو البيت حين يزورهم الأقارب.
كيف تستخدم الفكرة؟
- احسب الوقت صراحة. قبل قرار طويل الأثر، اكتب كم ساعة في الأسبوع سيأخذ كل خيار، وكيف ستقضيها.
- اسأل متى ستفكّر فيه. وأنت تفكّر في سيارة جديدة، اسأل نفسك متى ستنتبه إليها بعد أن تعتادها، فهذا أصدق من أن تسأل كم ستسعدك.
- قدّم ما يظل يطلب انتباهك على ما يبهر أول الأمر ثم يغيب، كلقاء أسبوعي مع أصدقاء، أو مهارة تمارسها.
- لا تحكم على تجربة طويلة بنهايتها. فالوظيفة أو الشراكة التي انتهت بخلاف كانت سنواتٍ قبل يومها الأخير.
- إن كنت تصمّم تجربة لغيرك، فخفّف أسوأ لحظة فيها واعتنِ بنهايتها، لكن لا تجعل النهاية الجميلة غطاءً لمدة سيئة.
حدود الفكرة
التجارب التي قامت عليها القاعدتان حلقات قصيرة في المختبر أو العيادة، والكتاب لا يحسم هل تعمل القاعدتان بالقوة نفسها في حلقات طويلة متقطعة كالوظيفة أو العلاقة. وأرقام الأنشطة اليومية جاءت من عيّنة نساء في مدينة واحدة، فتعميمها يحتاج إلى حذر.
ولا يرى كانمان أن النفس المتذكِّرة مخطئة دائماً. فقد غيّر رأيه، وصار يحسب رفاه النفسين معاً، لأن الأهداف التي يضعها الناس لأنفسهم جزء مما يجعل حياتهم طيبة.
وأظهر ما تجاوزه البحث رقم 75,000 دولار. فالكتاب يقول، استناداً إلى دراسة كانمان مع أنغس ديتون، إن الرفاه المعيش يتوقف عن الارتفاع عند دخل أسري يقارب هذا المبلغ في المناطق الغالية، وإن الزيادة بعده "صفر تماماً". ثم وجد ماثيو كيلينغزوورث في 2021 أن الرفاه يستمر في الارتفاع مع الدخل. فاجتمع الرجلان مع باربرا ميلرز في تعاون بين خصوم، ونشروا في 2023 أن الارتفاع مستمر عند أكثر الناس، وأن التوقف يظهر عند الفئة الأقل سعادة وحدها، فلم تعد عبارة الكتاب صالحة كما هي. وهذا عرض لنتيجة بحثية، وليس نصيحة مالية.
صلة عملية: الاستبدال: حين تجيب عن سؤال أسهل.
المصدر: الجزء الخامس من Thinking, Fast and Slow، أي الفصول 35 (نفسان) و36 و37 و38، مع الخاتمة. والتجارب والأرقام والقاعدتان ووهم التركيز من المؤلف، وتحديث 2023 من بحث كيلينغزوورث وكانمان وميلرز. أما مثال الإجازة ومثال الشقة وأسئلة التطبيق فمن فكرغراف.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
