ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 5 دقائق

متى تثق بحدس الخبير؟

Expert Intuition

ثقة الخبير وحدها لا تخبرك بقيمة حدسه، فاسأل عن البيئة التي تعلّم فيها، أمنتظمة هي؟ وهل رأى نتائج أحكامه سريعاً وبوضوح؟

الفكرة

الحدس الخبير تعرّفٌ على أنماط تعلّمها صاحبه، ولا يُوثق به إلا في بيئة منتظمة، بعد ممارسة طويلة وتغذية راجعة سريعة وواضحة.

ثقة الخبير بحدسه لا تدل على صحته، فاحكم على الحدس بالبيئة التي تعلّم فيها صاحبه. وحيث تضعف الانتظامات، تتفوق قاعدة بسيطة على الحكم الإجمالي أو تعادله.

ينظر مهندس موقع قضى عشرين سنة في البناء إلى شقّ في جدار، ويقول بلا تردد: "هذا هبوط في الأساس، وليس تشققاً في اللياسة". ثم يلتفت إلى الأرض المجاورة ويقول بالثقة نفسها: "سيتضاعف سعرها في خمس سنوات". الرجل واحد، والنبرة واحدة، غير أن حكمه الأول أجدر بكثير من الثاني بأن يؤخذ بجدّ.

كيف يصفها المؤلف؟

يروي كانمان في التفكير السريع والبطيء قصة تعاونه مع خصم علمي، هو غاري كلاين، رائد مدرسة (اتخاذ القرار الطبيعي)، وهي مدرسة تدرس الخبراء في ميدان عملهم، وترفض تركيز كانمان على الانحيازات. تابع كلاين قادة فرق الإطفاء، فوجد أنهم لا يقارنون بين خيارات. فالقائد يخطر له خيار واحد من مخزون أنماط جمعه في أكثر من عشر سنوات، فيختبره في ذهنه، ثم ينفّذه أو يعدّله أو ينتقل إلى غيره. أما رأي كانمان فقد تشكّل من وهم الصحة الذي رآه في نفسه، ومن أبحاث بول ميل عن تفوق الصيغ البسيطة على السريريين.

ويستند الرجلان إلى تعريف هربرت سايمون للحدس بأنه تعرّف. فالموقف يعطي علامة، والعلامة تفتح للخبير معلومات مخزونة في ذاكرته، والمعلومات تعطيه الجواب. فلا سحر في الحدس، كما لا سحر في أن تعرف صديقك حين يدخل الغرفة.

وأول ما اتفقا عليه أن ثقة الناس بحدسهم ليست دليلاً موثوقاً على صحته، لأن الثقة تأتي من سهولة القصة وتماسكها. ثم اتفقا على شرطين لاكتساب المهارة.

  • بيئة منتظمة بما يكفي ليمكن التنبؤ فيها.
  • فرصة لتعلّم هذه الانتظامات بممارسة طويلة.

والشطرنج بيئة منتظمة إلى أبعد حد، ويذكر الكتاب أن بلوغ أعلى مستوياته يحتاج إلى 10,000 ساعة على الأقل من الممارسة المركّزة، أي نحو ست سنوات بخمس ساعات في اليوم. ومواقف الأطباء والممرضات والإطفائيين معقدة، لكنها منتظمة في أصلها. ولسرعة التغذية الراجعة ووضوحها شأن كبير هنا، إذ يرى طبيب التخدير أثر قراره سريعاً، وقلّما يعرف طبيب الأشعة ما أخطأ فيه. ولهذا يقول كانمان إن طبيب التخدير إذا قال "أشعر أن شيئاً ما خطأ"، فعلى كل من في غرفة العمليات أن يستعدّ.

وبعض البيئات أسوأ من أن تكون غير منتظمة، ويسمّيها روبن هوغارث (البيئات الخبيثة)، لأنها تعلّم صاحبها الدرس الخطأ. ومثالها طبيب من أوائل القرن العشرين كان يتنبأ بالتيفوئيد بلمس ألسنة المرضى دون أن يغسل يديه، فيصدق تنبؤه، لأنه هو الذي ينقل العدوى.

وفهم الاثنان أخيراً سبب خلافهما، فقد كانا ينظران إلى خبراء مختلفين، كلاين إلى قادة الإطفاء والممرضات، وكانمان إلى السريريين ومنتقي الأسهم وخبراء السياسة الذين يتنبؤون بمستقبل بعيد. وحيث تضعف الانتظامات تعادل الصيغة البسيطة حكم الخبير أو تتفوق عليه. ففي دراسة نموذجية راجعها ميل تفوقت صيغة من درجات الثانوية واختبار قدرات واحد على 11 مرشداً من 14 في توقّع درجات الطلاب، وفي نحو مئتي مقارنة لاحقة تفوقت الصيغ تفوقاً دالاً في نحو 60% منها، وتعادلت في الباقي.

مثال

تعرف مديرة مبيعات في شركة توزيع، من الدقيقة الأولى في المكالمة، أجادٌّ هذا العميل أم يستطلع الأسعار فحسب. وحدسها هنا جدير بالثقة، فقد شهدت آلاف المكالمات، وعرفت نتيجة كل واحدة منها في أيام.

والمديرة نفسها تقول بعد مقابلة واحدة: "هذا المرشح سيكون أفضل مندوب عندنا بعد سنتين". وهنا يضعف الشرطان معاً، فالنتيجة بعيدة، وتتدخل فيها عوامل كثيرة، ولم ترَ المديرة إلا قليلاً من نتائج أحكام كهذه. فخير لها أن تقيّم المرشحين بست سمات مستقلة، سمةً بعد سمة، وأن تجمع الدرجات بأوزان متساوية، ثم تضيف حدسها في الآخر. وهذا ما فعله كانمان في مقابلات الجيش، إذ طلب من المقابِلين في آخر المقابلة أن يغمضوا أعينهم ويتخيّلوا المجنّد جندياً، فجاء حدسهم بعد الأسئلة المنضبطة دقيقاً بقدر مجموع الدرجات.

كيف تستخدم الفكرة؟

  1. افصل المهمة عن الشخص. السؤال هو هل صاحبك خبير في هذه المهمة بالذات، وكونه خبيراً على العموم لا يكفي.
  2. اسأل عن البيئة. هل تتكرر فيها مواقف متشابهة تتبعها نتائج متشابهة؟
  3. اسأل عن التغذية الراجعة. كم مرة رأى نتيجة حكم مثل هذا؟ وبعد كم من الوقت؟ وهل كانت واضحة؟
  4. لا تحكم بالنبرة. فاليقين يخبرك بتماسك القصة في ذهن صاحبها، وصحتها أمر آخر.
  5. في البيئات الضعيفة، ابدأ بقاعدة بسيطة، بمعايير قليلة ودرجات تُجمع بأوزان متساوية، ودع الحدس يأتي في الآخر.
  6. دوّن تنبؤاتك وراجعها. فهذا يصنع لك التغذية الراجعة التي لا تعطيك إياها بيئتك.

حدود الفكرة

جاء رقم 10,000 ساعة من دراسات أساتذة الشطرنج، والكتاب لا يناقش صلاحيته خارجها. والصيغ لا تسبق الخبير في كل مقارنة، ففي الحصيلة التي يوردها كانمان، وهي نحو 200 دراسة، تفوّقت في نحو 60% منها وتعادلت في الباقي. والأوزان المتساوية تنجح في رأيه "كثيراً"، وليس دائماً. ويبقى للخبير ما يسمّى (قاعدة الساق المكسورة)، أي أن يتجاوز الصيغة أمام معلومة نادرة وحاسمة، على ألّا يخترع سيقاناً مكسورة.

ويفسّر كانمان تقلّب أحكام الخبراء بحساسية النظام 1 للسياق، ويستشهد بأبحاث التهيئة المسبقة وبقضاة الإفراج المشروط. وقد تراجع هو نفسه عن ثقته ببعض أبحاث التهيئة، وطُعن في دراسة القضاة بأن ترتيب القضايا لم يكن عشوائياً (وينشال-مارغل وشابارد 2011). غير أن تقلّب الأحكام مقيس مباشرة، فالنتيجة باقية وإن ضعف التفسير.

وما قاله كانمان عن خبراء التنبؤ السياسي يخص التنبؤ البعيد، وقد وجد فيليب تيتلوك لاحقاً متنبئين يتفوقون بثبات في الآفاق القصيرة، وهذا يتسق مع الشرطين ولا ينقضهما.

صلة عملية: الثقة لا تساوي الصحة.

المصدر: الفصل 22 من Thinking, Fast and Slow، وهو عن حدس الخبير ومتى يُوثق به، ومعه الفصلان 20 و21 عن وهم الصحة والصيغ مقابل الحدس. والشرطان والتجارب والأرقام من المؤلف ومن عمله المشترك مع كلاين. أما مثالا مهندس الموقع ومديرة المبيعات وأسئلة التطبيق فمن فكرغراف.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

متى تثق بحدس الخبير؟