ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 3 دقائق

انزع الحكم يزُل الأذى

فكرة يعود إليها ماركوس أوريليوس في التأملات مرة بعد مرة، وهي أن الأذى يأتيك من الحكم الذي تضيفه إلى ما حدث. وهنا طريقته في فصل الخبر عن الحكم، وأين تقف حدودها.

الفكرة

أن تفصل ما حدث عن حكمك عليه. فأن يُقال لك إن فلاناً يغتابك خبر، وأن تقول لنفسك إنك أُذيت حكمٌ أضفته أنت، وما أضفته تستطيع أن تنزعه.

الأشياء لا تمسّ النفس من تلقاء نفسها، وإنما يضيف الإنسان إليها حكماً بأنها شرّ، ثم يتألّم من حكمه. فمن وقف عند الانطباع الأول ولم يزد عليه، زال عنه أكثر ما يؤذيه.

"انزع الحكم، تنزع فكرة أنك أُذيت. انزع فكرة أنك أُذيت، يزُل الأذى نفسه" (4.7).

بهذه الكلمات القليلة كتب ماركوس أوريليوس فكرة يعود إليها في التأملات مرة بعد مرة، حتى عدّها المترجم مارتن هاموند من أكثر ما يكرّره. وهي أن الأذى الذي يأتي من الخارج، ولو كان أذى في الجسد، يقرّره حكم العقل عليه، ولا يقرّره الشيء نفسه.

الخبر والحكم

وأجلى ما كتبه فيها تمرين صغير في الكتاب الثامن (8.49): "لا تزد في حديثك إلى نفسك على ما يخبرك به الانطباع الأول. قيل لك إن فلاناً يغتابك. هذا هو الخبر، ولم يُقل لك إنك أُوذيت".

ففي كل موقف يضايقك شيئان مختلطان، ما حدث، وما قلته لنفسك عنه. الأول خبر، والثاني حكم، كأن تقول إن هذا ظلم، أو إنه أهانك، أو إنها مصيبة. والضيق، كما يرى ماركوس، يأتي من الثاني، ولهذا يكتب في 8.47 "إن كان سبب ضيقك شيئاً من الخارج، فالذي يزعجك حكمك عليه، لا هو، وتستطيع أن تمحوه الآن". ويكتب في الكتاب التاسع، كأنه يسجّل يوماً عاشه، "اليوم خرجت من كل ما كان يضايقني، بل رميته خارجاً، فلم يكن في الخارج، كان في داخلي، في أحكامي أنا" (9.13).

ويحتاط للفكرة في موضع آخر حتى لا تصير إنكاراً للألم (5.26). فالجسد يحسّ، وما تحسّه لا يصحّ أن تنكره، غير أن العقل لا ينبغي أن يزيد عليه حكماً بأنه خير أو شر.

لماذا يصدّقها ماركوس؟

ولم يكتبها ماركوس حيلةً يهدّئ بها نفسه، فهي ثمرة مذهب كامل. فالخير عند الرواقيين هو الفضيلة وحدها، والشرّ هو الرذيلة وحدها، وما سواهما لا يوصف بخير ولا شرّ. ولذلك يكتب "ما لا يجعل الإنسان أسوأ في نفسه، لا يجعل حياته أسوأ، ولا يؤذيه من خارج ولا من داخل" (4.8). فالكلمة الجارحة لا تجعلك أسوأ، أما أن تردّ عليها بمثلها فيجعلك. وعلى هذا يقول في أول الكتاب الثاني إن أحداً ممن سيسيئون إليه لا يستطيع أن يؤذيه، لأنه لا يستطيع أن يجعله يفعل الخطأ (2.1).

ويصوّر الراحة التي تأتي بعد نزع الحكم بصورة بحّار (12.22): "كل شيء رأي، ورأيك في يدك. فانزع أحكامك متى شئت، يأتِ الهدوء، كما يجد البحّار، حين يدور حول الرأس، ماءً ساكناً وخليجاً لا موج فيه".

أن تقول: حسن حظي

وللفكرة في آخر الكتاب الرابع صيغة تصلح للعمل (4.49). فبدل أن تقول "سوء حظي أن حدث لي هذا"، قل "حسن حظي أني، وقد حدث، أحتمله بلا ألم، لا يسحقني الحاضر ولا يخيفني الآتي". فما حدث كان يمكن أن يحدث لأي أحد، على أن الناس لا يحتملونه كلهم هكذا. ولا شيء مما يحدث يمنعك أن تكون عادلاً، كريم النفس، ضابطاً لها، صادقاً، حراً.

ويجمع ماركوس ذلك في سطر، "ليس هذا مصيبة، أما أن تحتمله وأنت وفيّ لنفسك فهذا حسن حظ".

وأين تقف الطريقة؟

ويكمل ماركوس تمرين الانطباع الأول بمثال يعجز عنه أكثر الناس، "أرى أن ابني الصغير مريض. هذا ما أراه، ولا أرى أنه في خطر" (8.49)، وهي في عبارة هاموند "وصفة قاسية، قلّ من يقدر على اتّباعها". وقد يبلغ ماركوس في مواضع حدّاً يسمّيه هاموند إفراطاً، كقوله إن الحكم إذا غاب "فكل شيء على ما يرام" حتى تحت المبضع والكيّ (4.39).

فالطريقة تنفع حيث يكون أكثر الأذى كلاماً يقوله المرء لنفسه، ككلمة جارحة، أو موعد تأخّر، أو إشاعة، أو خسارة صغيرة. ويقلّ نفعها أمام ما يؤذي حقاً، كالمرض والفقد والظلم الواقع. وقد تأثّر العلاج المعرفي الحديث بهذه الفكرة الرواقية، وهو مع ذلك غيرها، فلا يطلب من أحد ألا يحزن على ولده.

جرّبها

حين يضايقك شيء اليوم، فاكتب سطرين. في الأول ما حدث وحده، كما كانت ستصوّره كاميرا، "قال فلان في الاجتماع إن عرضي ضعيف". وفي الثاني ما أضفته أنت، "أهانني أمام الجميع، وسيظن المدير أني فاشل". ثم انظر في السطر الثاني، واسأل أيّ ما فيه رأيته، وأيّه حكمت به.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

انزع الحكم يزُل الأذى