ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 3 دقائق

العقبة تصير طريقاً

من فقرة في التأملات خرج الشعار المتداول "العقبة هي الطريق"، وما قاله ماركوس أوريليوس فيها أدقّ من الشعار. فمن قصد غايته بشرط، ثم اعترضه ما لا يملكه، صار العائق نفسه مادة لفضيلة أخرى.

الفكرة

أن تعمل لغايتك وأنت تقول في سرّك "إن لم يمنعني مانع". فإن منعك مانع لم تخسر ما يهمّ، لأن ما يهمّ أن تحسن الفعل، والعائق نفسه يصير فرصة لفعل حسن آخر.

الناس والظروف قد يعطّلون عملاً بعينه، لكنهم لا يعطّلون اندفاعك إلى الفعل ولا استعدادك. فمن قصد غايته بشرط وتكيّف، صار ما يعطّله دفعاً له، وما يعترض طريقه تقدّماً فيه.

في سنة 2014 أصدر الكاتب الأمريكي ريان هوليداي كتاباً سمّاه The Obstacle Is the Way، أي العقبة هي الطريق، فصار عنوانه من أكثر ما يُنسب إلى ماركوس أوريليوس، وماركوس لم يكتبه بهذا اللفظ. فقد أخذه هوليداي من ترجمة غريغوري هيز (2002) لفقرة من التأملات (5.20)، وعبارة ماركوس أطول من الشعار، وفيها ما يُسقطه.

ما كتبه ماركوس فعلاً

تبدأ الفقرة بالناس. فهم، كما يكتب ماركوس، أقرب شيء إلى الإنسان، لأن عليه أن يحسن إليهم ويحتملهم. فإذا اعترضوا عمله صاروا في حسابه كالشمس والريح والحيوان البري، أشياء لا خير فيها ولا شرّ. قد يعطّلون فعلاً بعينه، غير أنهم لا يعطّلون اندفاعه ولا استعداده، لأنه يعمل بشرط ويتكيّف. ثم يقول، بترجمة مارتن هاموند: "العقل يلتفّ حول كل عائق للفعل ويحوّله إلى خدمة غايته، فما يعطّل عملاً يصير دفعاً له، وما يعترض طريقاً يصير تقدّماً فيه".

ومفتاح الجملة كلها في ذلك الشرط.

النار والشرط

وكان ماركوس قد رسم الفكرة نفسها في أول الكتاب الرابع (4.1). فالعقل الموجّه يمضي إلى ما يريد "بشرط"، ولا يشترط لعمله مادة بعينها، حتى العائق يجعله مادة له، "كالنار تغلب ما يسقط فيها". اللهب الصغير يطفئه ما يُلقى عليه، والنار المتّقدة تأكله وترتفع به.

ويسمّي الرواقيون هذا الشرط (التحفّظ)، وهو أن تقصد غايتك وفي نفسك جملة خفية، "إن لم يمنعني مانع". فإن جاء المانع لم ينكسر فيك شيء، لأنك لم تعلّق خيرك بالنتيجة. وفي الكتاب الثامن يقول ماركوس إن العائق لا يؤذي العقل إلا إذا كانت غايته "بلا شرط" (8.41)، وفي الحادي عشر ينقل قول إبكتيتوس إن كل اندفاع ينبغي أن يكون مشروطاً، وأن يكون لخير الناس، وعلى قدر ما يستحقه هدفه (11.37).

ليست العقبة خيراً في ذاتها

لا يقول ماركوس إن العقبات نِعَم مخفيّة، ولا إن كل فشل باب نجاح. وما يقوله شيئان أدقّ من ذلك.

أولهما أن غايتك الحقيقية أن تحسن الفعل، وإحسان الفعل لا يمنعه مانع، أما النتيجة الخارجية فتأتي أو لا تأتي. ففي 8.32 يكتب أن عليك أن تبني حياتك فعلاً بعد فعل، وأن ترضى إن أدّى كل فعل غايته قدر ما يستطيع. ثم يعترض على نفسه "لكن سيأتي عائق من الخارج"، ويجيب بأن لا عائق يمنع العدل وضبط النفس والعقل.

والآخر أن لقاء العائق نفسه يصير فعلاً حسناً. ففي 6.50 يوصي نفسه بأن يحاول إقناع الناس، وأن يعمل وإن لم يقتنعوا متى اقتضى العدل ذلك. فإن قاومه أحد بالقوة، تحوّل إلى قبول هادئ لا جرح فيه، "فتستعمل العائق لتُخرج به فضيلة أخرى". ويذكّر نفسه بأنه كان يطلب اندفاعاً مشروطاً، ولم يطلب المستحيل.

فإذا رُفض مشروعك، أو عطّل زميل عملك، أو مرض طفلك يوم سفرك، بقيت أمامك فضيلة يطلبها الموقف، صبراً كانت أو تغييراً للطريق أو طلباً للمساعدة أو قبولاً، وهي في يدك كاملة. وهذا معنى أن يصير العائق تقدّماً، فهو تقدّم في الخُلق، وقد لا يكون تقدّماً في المشروع.

أين يخطئ الشعار؟

وفي كتب الإنتاجية صارت العبارة شعاراً للنجاح، فكل مشكلة فرصة، وكل رفض خطوة نحو الهدف. والشعار قريب من ماركوس في نبرته، بعيد عنه في غايته. فماركوس لا يعد أحداً بأن يصل إلى ما أراد، وغاية ما يقوله أن من لم يصل لم يخسر ما يهمّ. ثم إنه يضع ذلك كله في إطار لا تذكره الشعارات، فالكون عنده منظّم يقسم لكل إنسان نصيبه، والإنسان لا يملك إلا حكمه واختياره.

جرّبها

اكتب غداً ما تريد أن تنجزه قبل كل شيء، وأضف إليه بيدك "إن لم يمنعني مانع". فإذا اعترضك شيء، فاسأل قبل أن تغضب أو تستسلم سؤال ماركوس في الكتاب الثالث (3.11)، أيّ فضيلة يطلبها مني هذا الموقف الآن؟ ثم افعلها.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

العقبة تصير طريقاً