كتاب · مدروس · قراءة في 27 دقيقة
التأملات: إمبراطور يحاسب نفسه
Meditations — Marcus Aurelius
ويُعرف بالعربية أيضاً باسم تأملات ماركوس أوريليوس · تأملات ماركوس اوريليوس · كتاب التأملات
دفتر كتبه ماركوس أوريليوس، إمبراطور روما، لنفسه باليونانية في سنوات حروبه على الدانوب، ولم يُرد أن يقرأه أحد. كتبه الاثنا عشر هنا بموضوعاتها وأرقام فقراتها، ومعها الرواقية كما عاشها صاحبها، وأشهر أقواله كما وردت فعلاً.
رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

لماذا هذا الكتاب؟
لا يعرف الأدب القديم كتاباً آخر يشبهه. فهذا رجل يحكم واحدة من أكبر دول عصره، ويكتب لنفسه وحده ما يريد أن يكونه وما يعجز عنه. والرواقية فيه تمرين يومي على الغضب والخوف والشهرة والموت، مكتوب بلغة قصيرة حادة ما زالت تُقرأ بعد ثمانية عشر قرناً.
حكم فكرغراف
قيمته في صدقه. فصاحبه لا يدّعي الحكمة، ويعود إلى المبادئ نفسها لأنه يخونها، ويترك في الذاكرة صوراً كالصخرة التي تتكسّر عليها الأمواج، والنار التي تأكل ما يُلقى فيها، والزيتونة التي تسقط ناضجة. على أن برودته تبلغ الأبناء والحزن، وهو يسكت عن حروبه وعمّا جرى في عهده. وهو دفتر يُفتح كل يوم على فقرات قليلة، ويُقرأ إلى جانب سيرة صاحبه، ولا يُقرأ متصلاً كما تُقرأ الكتب.
الفكرة المركزية
لا يملك الإنسان من الدنيا إلا حكمه على ما يحدث له، واختياره لما يفعله الآن. والأذى يأتيه مما يضيفه هو إلى الأشياء من أحكام. والناس يخطئون عن جهل، وهم أقارب له بالعقل الذي يشترك فيه معهم، فعليه أن يعلّمهم أو يحتملهم. وكل شيء يتغيّر ويمضي، فليعمل الآن بالعدل ولخير الجماعة، وليرضَ بما يقسمه له الكلّ الذي هو جزء منه.
في فجرٍ ما، ولعلّه في معسكر على نهر الدانوب، كان رجل في الخمسين أو نحوها يجادل نفسه قبل أن يغادر فراشه. كتب: "حين تتثاقل عن القيام في الفجر، فليحضرك هذا الخاطر: إني أقوم لعمل إنسان. أفأتبرّم وأنا ذاهب إلى ما وُلدت له؟ أم خُلقت لألتفّ بالأغطية وأتدفّأ؟". واعترض في داخله صوت يقول "لكن هذا أمتع"، فردّ عليه بأسئلة لا يرحم فيها نفسه. أوُلد للمتعة؟ ألا يرى النبات والطير والنمل والعنكبوت والنحل، كلٌّ يؤدي عمله، وهو لا يريد أن يؤدي عمل الإنسان؟ (5.1)
كان هذا الرجل إمبراطور روما، ماركوس أوريليوس. وكان يكتب ما يكتب لنفسه وحده، باليونانية لا باللاتينية، في دفاتر لم يجعل لها على الأرجح عنواناً، ولم يضع لها خطة. ويلاحظ المترجم مارتن هاموند أن المخاطَب في هذه الدفاتر هو كاتبها دائماً، فحين يأمر وينهى ويوبّخ، فإنما يأمر نفسه وينهاها ويوبّخها.
ونجت الدفاتر بعد موته بطريق مجهول، ويبدو أن ابنه وخلفاءه لم يعرفوا بها. ثم لم يظهر لها أثر قرنين كاملين، وأول ما يُظنّ أنه إشارة إليها وصفٌ عند الخطيب ثامسطيوس سنة 364، لا يقطع الباحثون بأنه يقصدها. وفي أوائل القرن العاشر كانت عند أريثاس، رئيس أساقفة قيصرية، نسخة ممزقة منها، ومنه على الأرجح جاءها عنوان معناه (إلى نفسه). وفي سنة 1559 طُبعت أول مرة في زيورخ عن مخطوطة من هايدلبرغ ضاعت بعد الطبع، فلم تبق من النص كاملاً إلا مخطوطة واحدة في الفاتيكان، فيها نقص وتحريف. أما العنوان المعروف اليوم، وتقسيم النص إلى اثني عشر كتاباً و488 فقرة، فمن صنع من جاؤوا بعده.
ومن ترجماته الإنجليزية ترجمة مارتن هاموند في سلسلة بنغوين كلاسيكس (2006)، وقد قدّم لها ديسكن كلاي، أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ديوك. وهاموند مدرّس للآداب اليونانية واللاتينية، رأس قسمها في مدرسة إيتون، ثم أدار مدرستين في إنجلترا آخرهما مدرسة تونبريدج، ويصف أسلوب ماركوس بأنه "حيّ، مشدود، مقتصد، وعسير أحياناً". وبالعربية ترجمة متداولة نقلها عادل مصطفى بعنوان التأملات.
من كان ماركوس أوريليوس؟
وُلد في روما في 26 أبريل سنة 121، في عهد الإمبراطور هادريان. مات أبوه وهو في نحو الثالثة، فربّاه جدّه. وأحبّه هادريان صبياً، فكان يلاعب اسمه (فيروس)، ومعناه باللاتينية الصادق، فيسمّيه (فيريسيموس)، أي الأصدق. ويرد هذا اللقب في نص كُتب في حياة ماركوس، أما نسبته إلى هادريان فرواية متأخرة لا يُوثق بها كل الثقة.
ولم يكن العرش له بالمولد. ففي سنة 138 اختار هادريان خليفته أنطونينوس بيوس، واشترط عليه أن يتبنّى ماركوس، وكان في السادسة عشرة، وأن يتبنّى معه صبياً في السابعة هو لوكيوس فيروس. ثم زوّجه أنطونينوس ابنته فاوستينا سنة 145، فأنجبت له أربعة عشر ولداً في أرجح الروايات، مات منهم سبعة في الطفولة كما يذكر هاموند، ولم يعش بعد أبيه من الذكور إلا كومودوس.
وفي 7 مارس 161 مات أنطونينوس، فصار ماركوس إمبراطوراً، وجعل لوكيوس شريكاً له في الحكم بالرتبة نفسها، لأول مرة في تاريخ روما. ولم يعرف عهده راحة. ففي أوله فاض نهر التيبر وحلّت المجاعة، ثم جاءت حرب مع الفرثيين في الشرق قادها لوكيوس وقائده أفيديوس كاسيوس، نهب فيها جنود روما سلوقية على دجلة، قرب بغداد اليوم، سنة 165 بعد أن استسلمت. ومن هناك عاد الجيش بوباء، هو على الأرجح الجدري، ظلّ ينتشر في الإمبراطورية سنوات طويلة. وعبرت بعد ذلك قبائل الماركومانيين والكواديين والسرماتيين نهر الدانوب، وبلغ بعضها شمال إيطاليا، فخرج ماركوس إليها سنة 168، وقضى أكثر ما بقي من عمره في معسكرات الشمال.
وفي سنة 175 بلغ الشرقَ خبرٌ كاذب بموت ماركوس، فأعلن أفيديوس كاسيوس نفسه إمبراطوراً في أنطاكية. وكاسيوس سوري من قورش، قرب أعزاز اليوم، وكان والياً على سوريا، فأيّدته سوريا وفلسطين ومصر والولاية العربية. ولم تدم ثورته إلا ثلاثة أشهر وأياماً، إذ قتله قائد مئة من جنوده وأرسل رأسه إلى ماركوس، فأبى ماركوس أن ينظر إليه وأمر بدفنه، وأراد العفو عن أنصاره. وفي رحلته إلى الشرق بعدها ماتت فاوستينا في قرية من كبادوكيا سُمّيت باسمها. وليس في الدفتر كلمة واحدة عن هذه الثورة.
وفي سنة 177 جعل ابنه كومودوس، وهو في الخامسة عشرة، شريكاً له في الحكم، وعاد إلى الشمال سنة 178، ومات في 17 مارس 180، في فيندوبونا (فيينا اليوم) أو قرب سيرميوم في صربيا. ولا يُعرف سبب موته، وأكثر ما يُرجَّح الوباء.
ومن عرف ماركوس من فيلم المصارع (Gladiator، 2000) فليعلم أن الفيلم اخترع أكثر قصته. فابنه لم يقتله، ولم يكن هو ينوي أن يعيد الجمهورية، والفقرة التي يُستند إليها في ذلك (1.14) تمدح "مَلَكية تُعلي حرية الرعية فوق كل شيء". وكان كومودوس شريكاً في الحكم منذ ثلاث سنوات، والقائد ماكسيموس شخصية خيالية، ومات كومودوس خنقاً في حمّامه على يد مصارع اسمه نارسيسوس، في آخر يوم من سنة 192، ولم يمت في الحلبة. وعبارة "ما نفعله في الحياة يتردّد صداه في الأبد" من حوار الفيلم، أما ماركوس فيقول ضدّها: "قريباً تنسى كل شيء، وقريباً ينساك كل شيء" (7.21).
دفتر بلا قارئ
لا ينبغي أن يُنتظر من التأملات ما يُنتظر من كتاب، فلا مقدمة لها ولا خطة ولا قارئ. إنما هي خواطر وتعريفات وتذكيرات وأوامر يوجّهها رجل إلى نفسه، وقلّما يردّ عليها. بعضها صفحة كاملة محكمة، وبعضها سطر لا يُفهم، كقوله في 4.28 "طبع أسود… طبع بهيمة، صبيانيّ، غبيّ، محتال، فظّ…"، ولا يدري أحد من يقصد.
وفي المخطوطات عنوانان قصيران يدلّان على المكان، أحدهما "كُتب بين الكواديين على نهر غران"، والآخر "كُتب في كارنونتوم". ونهر غران هو نهر هرون اليوم في سلوفاكيا، وكارنونتوم معسكر روماني قرب فيينا. واختلف المحققون في العنوان الأول، أهو خاتمة الكتاب الأول أم فاتحة الثاني. وبهذين العنوانين يُرجَّح أن أكثر الدفاتر كُتب في السبعينيات من القرن الثاني، في سنوات الحرب.
والتكرار فيها مقصود. فماركوس يعود عشرات المرات إلى المبادئ القليلة نفسها، إلى الموت والتغيّر والحكم على الأشياء والصبر على الناس. ويشرح السبب في جملة تُحفظ من القراءة الأولى: "يأخذ عقلك لون أفكارك التي تكثر منها، فالنفوس تُصبغ بالأفكار" (5.16). فهو يكتب ليصبغ نفسه بما يعرفه ولا يعمل به. ويقول في موضع آخر إن مبادئك حيّة، لا تموت إلا إذا خمدت صورها في ذهنك، وإيقادها من جديد بيدك (7.2).
ولصمت الدفتر دلالة لا تقلّ عن كلامه. فلا ذكر فيه لثورة كاسيوس ولا لكومودوس، والوباء لا يأتي إلا في تشبيه عابر (9.2). ولا يناقش ماركوس فيه سياسة، ولا يسمّي قائداً من قادته، ولا يذكر روما إلا مرة واحدة. أما الحرب فتمرّ في صور، كقوله "العنكبوت يفخر بأنه اصطاد ذبابة، والناس يفخرون بصيدهم، أرنباً، وسمكة في الشبكة، وخنازير برية، ودِبَبة، وأسرى سرماتيين. فإن فحصت دوافعهم، أفليسوا كلهم لصوصاً؟" (10.10). وكان ماركوس نفسه قد حمل سنة 175 لقب سرماتيكوس، أي قاهر السرماتيين.
الرواقية كما عاشها
أسّس زينون الكيتيومي، القادم من قبرص، مذهبه في أثينا نحو سنة 300 قبل الميلاد، وكان يعلّم في رواق منقوش في سوقها، فنُسب المذهب إلى الرواق. وكان سقراط قدوة الرواقيين جميعاً. ووصل المذهب إلى ماركوس في سلسلة واضحة، أولها إبكتيتوس، العبد اليوناني الذي صار معلّماً ونُفي من روما، ثم يونيوس روستيكوس، الرواقي الروماني الذي عرّف ماركوس بمحاضرات إبكتيتوس من نسخته الخاصة (1.7). وعن إبكتيتوس أخذ ماركوس أكثر ما يقول، ونقل عنه جملة لا أثر لها في ما بقي من محاضراته، "أنت روح صغيرة تحمل جثة" (4.41).
ويقوم المذهب على أنه لا خير إلا الفضيلة، ولا شرّ إلا الرذيلة. وما سواهما، من صحة ومرض، وغنى وفقر، وشهرة وخمول، وحياة وموت، مادةٌ يُحسن الإنسان استعمالها أو يسيئه، ولا توصف هي بخير ولا شرّ. والإنسان لا يملك الأحداث، لكنه يملك حكمه عليها. وفي داخله قوة يسمّيها ماركوس (العقل الموجّه)، وهي الجزء الذي يتلقّى الانطباعات فيقبلها أو يردّها، ثم يندفع إلى الفعل. ويسمّيها أيضاً "الإله الذي في داخلك"، لأنها قبس من العقل الساري في الكون كله. وهذا العقل يسمّيه مرة زيوس، ومرة الطبيعة، ومرة العناية، ومرة الكلّ، وهي أسماء يقول هاموند إنها تكاد تكون في لغة ماركوس اسماً واحداً. ذلك أن الإله في تصوّر الرواقيين عقلٌ يسري في العالم، وليس ذاتاً منفصلة عنه.
ومن هذا كله يخرج مبدأ في الاجتماع. فالناس، ما داموا يشتركون في العقل، أهلُ مدينة واحدة هي الكون، و"خُلقنا للتعاون" كما يكتب ماركوس. وعلى هذا يقول: "بصفتي أنطونينوس، مدينتي ووطني روما، وبصفتي إنساناً، مدينتي العالم" (6.44).
على أن ماركوس لم يكن صاحب نظرية. فهو لا يكاد يتكلم في المنطق، ولا يسمّي نفسه رواقياً، ولا يحتجّ بمؤسسي المذهب، ويقتبس من خصمهم أبيقور معجباً. والفكرة الوحيدة التي لا يتنازل عنها أن الكون نظام تديره عناية. ومع ذلك يختبر أخلاقه على أسوأ الاحتمالين، ويكرّر "إما عناية، وإما ذرّات"، فإن كانت عناية فارضَ بما تقسمه، وإن كانت ذرّات تتصادم عبثاً فلا تكن أنت بلا غاية (4.3، 9.28).
وفي فقرة واحدة (8.7) يجمع ماركوس طريقته كلها، فلا يقبل من الانطباعات ما كان كاذباً أو غامضاً، ويوجّه اندفاعه إلى الفعل الذي ينفع الناس، ويحصر رغبته ونفوره فيما يملكه، ويرحّب بكل ما تقسمه له الطبيعة. وعلى هذه الفقرة وأمثالها بنى الفيلسوف الفرنسي بيير هادو قراءته المعروفة للدفتر في كتابه The Inner Citadel (الحصن الداخلي)، فرأى فيها ثلاثة تمارين أخذها ماركوس عن إبكتيتوس، في الحكم، والفعل، والرغبة. والتقسيم من وضع هادو، غير أنه خير مفتاح يُقرأ به الدفتر.
الكتب الاثنا عشر
الكتاب الأول: ما أخذه من كل واحد
سبع عشرة فقرة، تفتتح كل واحدة منها بـ"من" واسم إنسان، ثم تذكر ما أخذه عنه. أخذ عن جدّه "الدماثة وهدوء الطبع"، وعن أمه التقوى والكرم، وأن يبتعد عن فعل الخطأ "بل عن التفكير فيه"، وأن يعيش ببساطة "بعيداً عن عادات الأغنياء" (1.1–1.3). وعن مربّيه ألا يتعصّب لفريق في سباق العربات ولا لفئة من المصارعين، وأن يحتمل الألم، ويكتفي بالقليل، ويعمل بيديه، و"يصمّ أذنه عن النميمة" (1.5).
ويأتي بعدهم المعلّمون. أخذ عن روستيكوس أن طبعه يحتاج إلى "تقويم وعلاج"، وأن يترك الخطابة والوعظ الصغير والتظاهر بالزهد، وأن يكتب رسائل بسيطة، وأن يصالح من أغضبه أو غضب منه حالما يريدون هم الصلح، وأن يقرأ بتأنٍّ (1.7). وعن ألكسندر النحوي أن يستعمل اللفظ الصحيح في جوابه بلطف إذا لحن محدّثه، ولا يصحّح له لحنه (1.10). وعن أفلاطوني اسمه ألكسندر أيضاً ألا يقول لأحد أو يكتب له "أنا مشغول جداً" إلا نادراً ولضرورة (1.12). وعن معلّم البلاغة فرونتو، وهو من سيرتا، قسنطينة اليوم في الجزائر، أن يعرف ما في الحكم المطلق من ريبة ونزوة ونفاق (1.11). وعن سيفيروس أن يفهم رجالاً مثل كاتو وبروتوس، عارضوا حكم الفرد ومات أكثرهم في ذلك، وأن يتصوّر "مَلَكية تُعلي حرية الرعية فوق كل شيء" (1.14). وهي دروس غريبة في دفتر إمبراطور.
وأطول فقرات الكتاب في أبيه بالتبنّي أنطونينوس (1.16)، يرسم فيها الحاكم الذي يتمنّى أن يكونه، ليّن الجانب، لا يتراجع عن قرار اتخذه بعد تمحيص، ولا يكتفي بالانطباع الأول، ولا يحبّ المديح، ويعمل "لما ينبغي أن يُفعل، لا لمجد فعله". وأكثر ما يُكبره فيه ماركوس أنه كان يفسح لأصحاب الكفاءة دون حسد، ويساعدهم على أن يعلوا. وآخر الكتاب ما أخذه "من الآلهة" (1.17)، ومنه أن الظروف لم تكشف حدّة طبعه، وأنه عمل تحت حاكم علّمه أن المرء يستطيع أن يعيش في قصر "دون حاجة إلى حرس ولا ثياب فاخرة ولا تماثيل". ويرى هاموند أن هذا الكتاب وحده صُمّم كاملاً على خطة، ولعل ماركوس كتبه متأخراً في وقت فراغ، ليثبّت ما تعلّمه ويتعزّى به.
الكتاب الثاني: الصباح والناس
يفتتحه ماركوس بالتمرين الذي عُرف به أكثر من غيره: "قل لنفسك أول الصباح: سألقى اليوم المتطفّل، والجاحد، والمعتدي، والغادر، والحاقد، ومن لا يحبّ الناس" (2.1). وعلّة ذلك أن هؤلاء صاروا إلى ما صاروا إليه لجهلهم بالخير والشر، وأنهم أقاربه بالعقل الذي يشتركون فيه، وإن لم تجمعه بهم قرابة دم. فلا يستطيع أحد منهم أن يؤذيه، لأنه لا يستطيع أن يجعله يفعل الخطأ، ولا يستطيع هو أن يغضب على قريبه أو يكرهه. "خُلقنا للتعاون، كالقدمين، واليدين، والجفنين، وصفّي الأسنان العليا والسفلى".
وفي الكتاب إلحاح على الوقت، "تذكّر كم أجّلت هذا" (2.4)، وعلى أن يفعل كل فعل "كأنه آخر أفعال حياتك"، بتدقيق، ووقار غير متكلّف، ورحمة، وعدل لا هوى فيه (2.5). وفي 2.14 حجة تعلق بالذهن، فلو عشت ثلاثة آلاف سنة أو ثلاثين ألفاً، فلن تخسر إلا الحياة التي تعيشها، ولن تعيش إلا التي تخسرها. والحاضر واحد عند الجميع، و"كيف يُحرم أحد مما لا يملك؟". وينقل في 2.15 قول الفيلسوف الكلبي مونيموس "كل شيء رأي"، ويرى الحكمة في لبّه. وفي آخر الكتاب خلاصة قاتمة، فعمر الإنسان لحظة، ووجوده سيلان، وكل ما للجسد نهر يجري، وكل ما للنفس حلم ووهم، "فما الذي يصحبنا في الطريق؟ شيء واحد، هو الفلسفة" (2.17).
الكتاب الثالث: الرجل الصالح
يفتحه ماركوس على خوف يصرّح به، فقد يطول العمر ويذهب العقل قبل الجسد، فلا تبقى له قدرة على الحكم ولا على الانتباه. "فعلينا أن نعجل" (3.1).
وفي الفقرة التي تليها (3.2) يظهر الشاعر الذي في الرواقي. فالرغيف يتشقّق في الفرن، والشقوق خطأ في صنعة الخبّاز، غير أنها تجذب العين وتفتح الشهية. والتين ينفلق حين ينضج، والزيتون الناضج على شجرته يزيده قربُ الفساد جمالاً، وسنابل القمح تنحني، وجبين الأسد يتجعّد. كلها أشياء لا جمال فيها وحدها، لكنها تُبهج من يراها جزءاً من عمل الطبيعة. ومن تعلّم أن يرى ذلك رأى "نضارة وجمالاً في وجه العجوز والشيخ".
وفي 3.3 قائمة ساخرة بمن ماتوا. فأبقراط شفى أمراضاً كثيرة ثم مات بمرض، والمنجّمون الكلدانيون تنبّؤوا بموت غيرهم ثم ماتوا، والإسكندر وبومبي وقيصر قتلوا عشرات الآلاف ثم ماتوا. "ركبت البحر، وأبحرت، ووصلت. فانزل الآن". وفي القائمة سهو نبّه إليه هاموند، إذ ينسب ماركوس إلى ديموقريطس موتاً بالقمل، والقصة لفيلسوف آخر هو فيريكيديس.
ويقترح في 3.4 اختباراً يسيراً، ألا تفكّر إلا فيما تستطيع أن تجيب عنه بصراحة ودون خجل، لو سألك أحد فجأة "بماذا تفكّر الآن؟". وفيه أيضاً "عليك أن تقف مستقيماً، لا أن يقيمك غيرك" (3.5)، وسيلطّفها في الكتاب السابع فيكتب "مستقيماً، أو مُقاماً" (7.12). وطريقته في النظر (3.11) أن تعرّف ما أمامك، وتجرّده حتى ترى طبيعته، وتسأل عنه ما هو، ومن أي شيء يتكوّن، وكم يدوم، وأي فضيلة يطلب منك، أهي الحلم أم الشجاعة أم الصدق أم الوفاء.
الكتاب الرابع: الخلوة التي في داخلك
وأوله صورة النار. فالعقل الموجّه لا يختار مادته، وكل ما يعترضه يصير مادة لعمله، "كالنار تغلب ما يسقط فيها". اللهب الصغير يطفئه ما يُلقى عليه، أما النار المتّقدة فتأكله وترتفع به (4.1).
وفيه الفقرة التي يراها كلاي ذروة الدفتر كله (4.3). يبحث الناس عن خلوات في الريف وعلى البحر وفي الجبال، "وأنت أشدّ الناس شوقاً إلى ذلك"، مع أنك تستطيع في أي ساعة أن تخلو إلى نفسك، ولا خلوة أهدأ منها. فاخلُ إليها كثيراً وجدّد نفسك، ولتكن المبادئ التي تجدها هناك "قليلة وأساسية"، تكفي لتغسل همّك وتعيدك إلى ما تركته دون ضيق. ثم يعدّد هذه المبادئ، مبدأً لكل ما قد يضايقه، لشرّ الناس، ونصيبه من الدنيا، وجسده، والشهرة. وآخر الفقرة جملة صارت شعاراً، "الكون تغيّر، والحياة حكم". (الحصن الداخلي)
وفي الكتاب أقصر صيغة كتبها لمبدئه في الأذى: "انزع الحكم، تنزع فكرة أنك أُذيت. انزع فكرة أنك أُذيت، يزُل الأذى نفسه" (4.7). (انزع الحكم يزُل الأذى) ويعدّل فيه قول ديموقريطس "إن أردت السعادة فأقلل من العمل"، فيجعله أن تعمل ما هو ضروري وحده، لأن "أكثر ما نقوله ونفعله غير ضروري"، وأن تسأل عن كل فعل وكل فكرة أهو ضروري (4.24).
ويستحضر زمن الإمبراطور فسبازيان (4.32)، بناسه الذين يتزوّجون وينجبون ويمرضون ويموتون ويتحاربون ويولمون ويتنافسون على المناصب، وقد ذهبوا كلهم. ثم ينتقل إلى زمن تراجان، فإذا المشهد نفسه. وفي آخر الكتاب صورتان يحفظهما قرّاؤه. أولاهما أن تمرّ بهذه الحياة القصيرة وتغادرها راضياً، "كما تسقط الزيتونة الناضجة، تبارك الأرض التي حملتها، وتشكر الشجرة التي أنبتتها" (4.48). والأخرى "كن كالصخرة التي تتكسّر عليها الأمواج، تثبت، فيسكن الماء الهائج من حولها". فإذا أصابك ما تكره، فقل "حسن حظي أني، وقد حدث، أحتمله بلا ألم، لا يسحقني الحاضر ولا يخيفني الآتي"، ودع قولك "سوء حظي أن حدث لي هذا" (4.49).
الكتاب الخامس: لماذا أقوم من فراشي
يفتتحه مشهد الفراش والأغطية في الفجر (5.1)، ثم يعترف ماركوس بحدوده. ليس في ذكائك ما يعجب الناس؟ ليكن. لكن الاستقامة والوقار والجدّ والقناعة واللطف والبساطة فضائل في يدك، لا تحتاج إلى موهبة، فلا عذر لك (5.5).
وفي 5.6 صورة للمعروف الذي لا ينتظر جزاءه. من الناس من يحسب ما أعطى فور العطاء، ومنهم من يحسبه في سرّه، ومنهم من هو "كالكرمة التي أثمرت العنب ولا تطلب شيئاً بعده"، تنتقل إلى موسمها التالي. ويكتب عن العودة بعد السقوط "إن سقطت فعُد، وافرح إن كان أكثر ما تفعله في صفّ الإنسانية"، ويوصي نفسه بأن يعود إلى الفلسفة كما يعود من في عينه رمد إلى دوائه، وليس كما يعود التلميذ إلى معلّمه (5.9).
ومن هذا الكتاب خرج الشعار المتداول "العقبة هي الطريق" (5.20). فالناس، كما يكتب ماركوس، قد يعطّلون عمله، غير أنهم لا يعطّلون اندفاعه إلى الفعل ولا استعداده، لأنه يعمل بشرط ويتكيّف، و"العقل يلتفّ حول كل عائق ويحوّله إلى خدمة غايته، فما يعطّل عملاً يصير دفعاً له، وما يعترض طريقاً يصير تقدّماً فيه". (العقبة تصير طريقاً)
الكتاب السادس: لا تتقيصر
في هذا الكتاب يكتب ماركوس عن السلطة بصراحة لا يبلغها في غيره. فالبلاط زوجة أب والفلسفة أمّ، فاخدم الأولى وعُد إلى الثانية دائماً، فهي التي تجعل حياة البلاط محتملة، وتجعلك محتملاً فيها (6.12). ويصوغ في اليونانية فعلاً جديداً يحذّر به نفسه، "احذر أن تتقيصر، أن تُصبغ بالأرجوان، فهذا يحدث" (6.30)، والأرجوان لون الأباطرة. ويعود إلى صورة أنطونينوس، الذي لا يترك أمراً قبل أن يفحصه، ويحتمل اللوم الظالم ولا يردّه، ويكتفي بالقليل من البيت والفراش والثياب والطعام، و"يفرح إذا دلّه أحد على طريق أفضل".
وفي 6.13 صورة صارت مثالاً على طريقته في التجريد. فهذا اللحم جثة سمكة أو طائر، وهذا النبيذ الفاخر عصير عنب، وهذه الحلّة الأرجوانية صوف خروف نُقع في دم صدفة. فإن بدت لك الأشياء مغرية فعرّها، وانظر إلى رخصها. ويردّ الحدّ نفسه إلى صدره: "الغرور أكبر مغوٍ للعقل، وأشدّ ما يسحرك حين تكون أشدّ اقتناعاً بأن عملك مهم".
وفي الكتاب جملتان تتردّدان كثيراً، وهما من كلامه حقاً، "خير انتقام ألا تكون مثل عدوّك" (6.6)، و"إن استطاع أحد أن يثبت لي أني أخطأت في فكرة أو فعل، غيّرت رأيي راضياً، فأنا أطلب الحقيقة، والحقيقة لم تؤذِ أحداً قط" (6.21). ومثلهما "أحبّ الناس الذين ساقك القدر إليهم، ولكن حبّاً صادقاً" (6.39). وبعد قائمة طويلة بالخطباء والفلاسفة والعلماء الذين ماتوا، من هيراقليطس وسقراط إلى أرخميدس، يكتب "ليس في هذه الدنيا إلا شيء واحد له قيمة، أن تعيش حياتك في الصدق والعدل، محتملاً من ليس صادقاً ولا عادلاً" (6.47).
الكتاب السابع: عضو لا جزء
هو أكثر الكتب حكماً قصيرة، وفيه اقتباسات جمعها ماركوس من أفلاطون ويوريبيدس وغيرهما. ومنها عبارة تُنسب إليه، "حظ الملك أن يفعل الخير فيُذمّ"، وهي لأنتيسثينيس، تلميذ سقراط، وماركوس ينقلها (7.36).
ومن لطائفه لعبٌ بحرف واحد (7.13). ففي اليونانية (ميلوس) هو العضو، و(ميروس) هو الجزء. فإن قلت عن نفسك إنك جزء من جماعة العقلاء، فأنت تحسن إلى الناس واجباً، ولم تحبّهم بعدُ من قلبك. أما إن كرّرت لنفسك أنك عضو فيها، كاليد من الجسد، فستشعر بهذه القرابة شعوراً أعمق. وفيه أيضاً "من طبع الإنسان أن يحبّ حتى من يتعثّر ويسقط"، لأنهم إخوته، ولأنهم يخطئون عن جهل وعلى غير قصد (7.22).
ومن تمارينه هنا ما يُسمّى النظر من علٍ (7.47–48)، أن تراقب حركة النجوم كأنك تجري معها، وأن تنظر إلى شؤون الأرض كأنك فوقها، إلى القطعان والجيوش والمزارع والأعراس والطلاق والولادات والموت وضجيج المحاكم. ويكتب في 7.61 أن "فن العيش أشبه بالمصارعة منه بالرقص، يقف مستعداً لما يأتي ولا يُطرح بالمفاجأة". وفيه تمرين آخر يقلب نظرتك إلى ما بقي من عمرك، "تخيّل أنك متّ الآن، أو أنك لم تعش قبل هذه اللحظة، ثم انظر إلى ما بقي من حياتك على أنه زيادة" (7.56). أما الجملة التي تملأ الإنترنت، "عِش كل يوم كأنه آخر أيامك"، فلها في الأصل تتمّة تغيّر معناها: "كمال الخُلق أن تعيش كل يوم كأنه آخر أيامك، بلا اضطراب، ولا خمول، ولا تكلّف" (7.69).
الكتاب الثامن: اعتراف وحصن
يفتتحه ماركوس بأصدق اعتراف في الدفتر كله: "صار واضحاً لكثيرين، ولك أنت أيضاً، أنك بعيد عن الفلسفة، وقد تلوّثت، ومقامك في الدنيا يشدّك في الاتجاه المعاكس". ويقول إنه طلب الحياة الطيبة في المنطق والمال والمجد والمتعة، فلم يجدها في شيء منها (8.1).
وفيه أصرح ما قاله في مصدر الضيق: "إن كان سبب ضيقك شيئاً من الخارج، فالذي يزعجك حكمك عليه، لا هو، وتستطيع أن تمحوه الآن" (8.47). ومن هذه الفقرة وأمثالها صاغ المحدَثون عبارة تُنسب إليه ولم يكتبها. وفيه صورة الحصن، "العقل الخالي من الأهواء حصن، ولا ملجأ للناس أمنع منه" (8.48).
ومن تمارينه التي تصلح لكل يوم تمرين الانطباع الأول (8.49)، "قيل لك إن فلاناً يغتابك. هذا هو الخبر، ولم يُقل لك إنك أُوذيت"، فلا تزد على ما تراه شيئاً ليس فيه. وتليه صورتان قصيرتان. خيار مرّ؟ ارمه. أشواك في الطريق؟ اعدل عنها، ولا تسأل لماذا وُجدت (8.50). والنبع الصافي يُلقى فيه الطين والقذر، فيذيبه ويحمله ولا يتلوّن به، فكيف تكون نبعاً دائماً، وليس صهريجاً يُملأ من الخارج؟ (8.51). وأوجز ما كتبه في الناس قوله "خُلق الناس بعضهم لبعض، فعلّمهم أو احتملهم" (8.59).
وبين ذلك سطر يمرّ به القارئ سريعاً، "دفنت لوسيلا فيروس، ثم دُفنت لوسيلا" (8.25). ولوسيلا، كما يذكر هاموند، أمّ ماركوس، وفيروس على الأرجح أبوه الذي مات وابنه في الثالثة.
الكتاب التاسع: الصلاة وجمهورية أفلاطون
وفيه أقرب ما كتبه ماركوس إلى فلسفة في الحكم (9.29): "لا تنتظر جمهورية أفلاطون، واقنع بأصغر خطوة إلى الأمام". ويهاجم "صغار الرجال الذين في أعين الناس ويظنون أن أفعالهم فلسفة"، ويسأل من يغيّر قناعات الناس، فإن لم تتغيّر قناعاتهم فما البديل إلا العبودية، أناسٌ يئنّون ويتظاهرون بالطاعة؟
ويعيد فيه صياغة الصلاة (9.40). فإن صلّى رجل لكي يتخلّص من فلان، فصلِّ أنت لكي تكفّ عن الرغبة في التخلّص منه. وإن صلّى آخر لينقذ طفله الصغير، فصلِّ أنت لتتعلّم ألا تخاف فقده. "اصرف صلواتك كلها هذا الاتجاه، وانظر ماذا يحدث". ويلاحظ هاموند أن معاملة الصلاة تجربةً "لها رنّة حديثة". وقد يسمع القارئ العربي هنا صدى لطلب الصبر والرضا بدل طلب النتيجة، وإن اختلف تصوّر ماركوس للآلهة عن تصوّره.
وخلاصة ما يعامل به أخطاء الناس في 9.42. فإن أغضبتك وقاحة أحد، فاسأل نفسك: أيمكن أن يخلو العالم من الوقحين؟ لا يمكن، فلا تطلب المستحيل. وإن جحد أحد معروفك فاللوم عليك إن كنت وثقت بمن هذا طبعه. ويكتب فيه عن الموت بصورة غريبة على المألوف، فكما تنتظر الآن أن يخرج الطفل الذي تحمله زوجتك من بطنها، فانتظر الساعة التي تخرج فيها روحك من غلافها (9.3). ويستحثّ نفسه وقد تأخّر، "كفى هذه الحياة البائسة، كفى تذمّراً وتقليداً… ثلاث سنوات تكفي كمئة في هذا الطريق" (9.37).
الكتاب العاشر: كفى جدلاً، كن صالحاً
يبدأ بنداء إلى نفسه، "يا نفسي، أتكونين يوماً صالحة، بسيطة، واحدة، عارية، أصفى من الجسد الذي يغطّيك؟" (10.1). ويختار لنفسه ألقاباً غير ألقاب الإمبراطور، أن يكون صالحاً، شريفاً، صادقاً، صافي الذهن، متعاوناً، مستقلاً، وإن ضاع منه شيء منها عاد إليه سريعاً (10.8).
وفيه الجملة التي يتداولها الناس، وهي هنا بصيغتها الصحيحة، "كفى نقاشاً ملتوياً في صفات الرجل الصالح. كن أنت ذلك الرجل!" (10.16). وفيه أقسى ما رسمه للسلطة. انظر إلى الناس وهم يأكلون وينامون ويقضون حاجتهم، ثم انظر كيف يصيرون حين يُعطَون السلطة على غيرهم، متكبّرين، سريعي الغضب، مفرطين في العقاب (10.19). ويقترح تمريناً أخلاقياً دقيقاً، فكلما ساءك خطأ غيرك فانتقل فوراً إلى خطأ يشبهه فيك، كحبّ المال أو المتعة أو السمعة (10.30).
غير أن في الكتاب أبرد ما كتبه ماركوس. فهو يستعير من هوميروس صورة أوراق الشجر تذروها الريح كل عام، ثم يكتب "وأولادك ليسوا إلا أوراقاً" (10.34). ويعدّها هاموند، مع الفقرة التي تليها، أكثر ما كتبه ماركوس في الأولاد إثارةً للقشعريرة.
ويختم الكتاب ساخراً من نفسه (10.36). فحتى الحكيم سيقف عند فراش موته من يقول في سرّه "نتنفّس الآن، تخلّصنا من هذا المؤدّب. لم يقسُ على أحد منا، لكني كنت أحسّ بنقده الصامت لنا جميعاً". فكيف به هو، ولمن حوله أسباب كثيرة ليفرحوا بذهابه؟
الكتاب الحادي عشر: تسع أفكار للغضب
في قلب الكتاب فقرة طويلة (11.18)، يعدّ فيها ماركوس ما ينبغي أن يحضر في ذهنه حين يسيء إليه أحد، وهي تسعة أمور يسمّيها "هدايا من ربّات الفنون التسع". أولها أن الناس خُلقوا بعضهم لبعض، ثم أن تتذكّر كيف هم في بيوتهم وما تفرضه عليهم آراؤهم، وأنهم إن أخطؤوا فعن جهل، وأن فيك من العيوب مثل ما فيهم، وأنك لست متيقّناً من أنهم أخطؤوا، وأن الحياة قصيرة، وأن ما يزعجك حكمك على فعلهم، وليس فعلهم نفسه، وأن غضبك يؤذيك أكثر مما آذاك سببه، وآخرها أن "اللطف لا يُغلب" إن كان صادقاً. ويقترح ما تقوله لمن يحاول أن يؤذيك، بهدوء، ودون سخرية، ودون أن يسمعك غيره: "لا يا بنيّ، ما خُلقنا لهذا. لن تؤذيني، لكنك تؤذي نفسك يا بنيّ". ثم يضيف هدية عاشرة، وهي أن من الجنون أن تنتظر من الأشرار ألا يخطئوا، ومن الطغيان أن تقبل أذاهم لغيرك ثم تطالبهم ألا يؤذوك أنت. (كيف تهدأ حين يسيء إليك أحد؟)
ويسخر فيه من الصراحة التي يعلنها أصحابها، "ما أعفن من يقول: أريد أن أكون صريحاً معك! الصدق يُكتب على الجبين، ويُرى في العينين" (11.15). وفيه فقرة في الاستعداد للموت، يرى ماركوس أنه ينبغي أن يكون عن قرار متروٍّ، "لا عناداً كما يفعل المسيحيون" (11.3). وهذا الموضع الوحيد في الدفتر الذي يُذكر فيه المسيحيون، ويرى بعض المحققين منذ سنة 1916 أن العبارة حاشية أُقحمت في النص، لأنها خارج تركيب الجملة.
الكتاب الثاني عشر: ثلاثة فصول تكفي
يقول هاموند إنه على الأرجح آخر ما كُتب، وإنه أهدأ الكتب. وفيه جملة صارت قولاً شائعاً، "إن لم يكن خوفك أن تكفّ عن الحياة، بل أن تكون لم تبدأ قطّ حياة توافق الطبيعة، صرت إنساناً جديراً بالكون الذي أنجبه" (12.1). ومنه "تمرّن حتى على ما يئست من إتقانه، فاليد اليسرى، لقلّة تمرينها، خرقاء في أكثر الأعمال، لكنها أقبض على اللجام من اليمنى، لأنها تمرّنت عليه" (12.6). ولهذه الجملة شاهد قائم في روما، هو تمثال ماركوس البرونزي على حصانه، يقبض على اللجام بيسراه، وقد نجا من الصهر في العصور الوسطى لأن الناس ظنّوه قسطنطين، الإمبراطور المسيحي.
وفي 12.26 يلخّص ماركوس الدفتر كله، حتى قال هاموند إن الدفتر يكاد يجتمع في الكتاب الثاني عشر، والكتاب الثاني عشر يكاد يجتمع في هذه الفقرة. ففيها أن كل شيء من طبيعة الكلّ، وأن الخطأ على صاحبه، وأن ما يحدث حدث قبلُ وسيحدث، وأن القرابة بين الناس قرابة عقل لا دم، وأن لا شيء مُلكنا، و"كل شيء رأي"، و"كل واحد منا لا يعيش إلا لحظته الحاضرة، ولا يخسر إلا إياها".
وينتهي الدفتر بمشهد مسرحي (12.36). ممثل هزلي يصرفه عن الخشبة من استأجره، فيعترض "لكني لم أمثّل الفصول الخمسة، بل ثلاثة"، فيُجاب "صحيح، لكن الفصول الثلاثة في الحياة قد تكون المسرحية كلها". ويأتي بعدها السطر الأخير، "فاذهب بسلام، فالإله الذي يصرفك راضٍ عنك".
أقوال شهيرة: ما قاله وما لم يقله
نُسب إلى ماركوس كثير مما لم يقله، وهذا أكثره تداولاً:
- "العقبة هي الطريق". لم يكتبها ماركوس، وهي عنوان كتاب لريان هوليداي صدر سنة 2014، أخذه من ترجمة غريغوري هيز للفقرة 5.20. وعبارة ماركوس أطول وأدق، فما يعترض الطريق يصير تقدّماً فيه، لأن العقل يعمل بشرط ويتكيّف.
- "لك سلطة على عقلك لا على الأحداث الخارجية، فاعرف هذا تجد قوتك". لا أصل لها في الدفتر، وهي تلخيص حديث لفقرات صحيحة (8.47، 9.13، 12.22)، فلا تُنقل على أنها كلامه.
- "ما نفعله في الحياة يتردّد صداه في الأبد". من فيلم المصارع، على لسان ماكسيموس.
- "حين تستيقظ في الصباح، فكّر في النعمة الثمينة أن تكون حياً…". للكاتب الأمريكي إلبرت هوبارد. أما صباح ماركوس الحقيقي فأقسى بكثير (2.1، 5.1).
- "كل ما نسمعه رأي لا حقيقة، وكل ما نراه منظور لا الحقيقة". لا أثر لها في الدفتر.
- "عِش حياة طيبة، فإن كانت هناك آلهة عادلة…". نص متداول على الإنترنت، لا يُعرف له مصدر مطبوع قبل سنة 2009. ورأي ماركوس الحقيقي في الآلهة في 6.44 و12.14.
وفي المقابل أقوال يشكّ فيها الناس وهي صحيحة: "كفى نقاشاً في صفات الرجل الصالح، كن أنت ذلك الرجل" (10.16)، و"خير انتقام ألا تكون مثل عدوّك" (6.6)، و"الحياة السعيدة تحتاج إلى القليل" (7.67)، و"ما ليس صواباً فلا تفعله، وما ليس صدقاً فلا تقله" (12.17)، و"الخسارة ليست إلا تغيّراً" (9.35).
ما الذي يبقى معك بعد القراءة
- قبل أن تخرج إلى يومك، تخيّل من ستلقى ممن يزعجك، وتذكّر أنه يخطئ عن جهل، وأنه قريبك قبل أن يكون خصمك.
- إذا ضاق صدرك بشيء، فافصل الخبر عن حكمك عليه. فالكلمة التي نُقلت إليك شيء، وإحساسك بأنك أُهنت شيء آخر أضفته أنت.
- اجعل لك مبادئ قليلة تعود إليها كل يوم، واكتبها بيدك، فالنفس تأخذ لون ما تكثر من التفكير فيه.
- اقصد غايتك بشرط، فإن اعترضك ما لا تملكه، فاجعل العائق فرصة لفضيلة أخرى، كالصبر أو التكيّف أو الرضا.
- إذا أُعطيت سلطة على غيرك، فراقب نفسك لئلا تتقيصر، وافرح إذا دلّك أحد على طريق أفضل.
أين يقسو الدفتر، وأين يسكت؟
- البرودة. يطلب ماركوس من نفسه ألا يزيد على الانطباع الأول، "أرى أن ابني الصغير مريض، ولا أرى أنه في خطر" (8.49)، ويسمّي الأولاد أوراقاً (10.34)، ويوصي بمواساة الحزين دون أن تعدّ خسارته أذى حقيقياً (5.36). كتب هذا أبٌ دفن سبعة من أولاده الأربعة عشر صغاراً، ويرى هاموند فيه "برودة رواقية لا تُنكر"، وهنا تتّسع الفجوة بين الفلسفة الرواقية ونفس الإنسان حتى لا تخفى. وبعض الفقرات تبلغ حدّاً يصفه هاموند بالإفراط، كقوله إن الحكم إذا غاب "فكل شيء على ما يرام" حتى تحت المبضع والكيّ (4.39). فطريقته في الحكم على الأشياء تُؤخذ، على ألا تُجعل علاجاً لكل ألم، ولا تُقرأ علم نفس مجرّباً. والعلاج المعرفي الحديث تأثّر بالرواقيين، وهو مع ذلك شيء آخر.
- ما يسكت عنه الدفتر. خاض صاحب هذه الصفحات حروب غزو، وعلى عموده في روما مشاهد لقطع رؤوس الأسرى. وفي عهده أُعدم مسيحيون، منهم الفيلسوف يوستينوس نحو سنة 165، وقد حكم عليه روستيكوس، معلّم ماركوس ووالي مدينة روما يومها، ومنهم شهداء ليون سنة 177. على أن الإمبراطورية لم تتّبع في عهده سياسة عامة لاضطهادهم، ودور ماركوس نفسه غير معروف. ثم اختار ابنه كومودوس خليفة، فأنهى عرف التبنّي الذي جاء به هو إلى الحكم، والمصادر القديمة لا تذكر عهد كومودوس إلا بسوء. فالدفتر لا يشهد بأن الفلاسفة يحسنون الحكم، وإنما يشهد لرجل حاول أن يكون صالحاً وهو يحكم.
- الموت الإرادي والعقيدة. يرى الرواقيون أن للإنسان أن يخرج من الحياة إذا لم يعد يستطيع أن يعيش حراً عاقلاً، ويتكرّر هذا في الدفتر (5.29، 8.47، 10.8). وهو من عقيدة المذهب، يُذكر ليُفهم الدفتر، وليس نصيحة لأحد. ومثله قوله "عقل كل إنسان إله" (12.26)، وهو جزء من تصوّر الرواقيين للإله الساري في الكون، ورأيٌ لصاحبه.
لمن هذا الكتاب؟
هو لمن يريد أن يرى إنساناً يحاسب نفسه بصدق نادر، ولمن أتعبه الغضب على الناس، أو القلق مما لا يملكه، أو التعلّق برأي الآخرين فيه. ولمن تولّى أمر غيره، في بيت أو عمل، ويخشى أن تغيّره السلطة. أما من يطلب الرواقية مذهباً مرتّباً فسيجدها مشروحة أوضح عند غير ماركوس. ومن أراد أن يقرأه في جلسة واحدة من أوله إلى آخره فقد أخطأ طريقه إليه، فهذا دفتر يُقرأ فقرات قليلة كل يوم، ومعه ملاحظات المترجم.
ومن أراد مدخلاً فليبدأ بالكتابين الثاني والرابع، ففيهما أكثر موضوعات الدفتر، ثم ليقرأ الحادي عشر والثاني عشر. وملاحظات هاموند في آخر طبعته خريطة حقيقية للنص، يجمع فيها ما تفرّق من أقوال ماركوس في الموضوع الواحد.
ومن استوقفته صورة النار والشرط فليمضِ بها أبعد في العقبة تصير طريقاً، والخلوة التي في النفس لها الحصن الداخلي، ومبدأ الأذى مبسوط في انزع الحكم يزُل الأذى. ولمن يغلي صدره من إساءة أحد خطوات مأخوذة من الدفتر في كيف تهدأ حين يسيء إليك أحد؟. وقد عادت فكرة المسافة بين ما يحدث لك وما تفعله في كتاب حديث هو العادات السبع للناس الأكثر فعالية، أما سؤال ماركوس عمّا يستحق اهتمامك فيعود بلغة حديثة لا تتأدّب كثيراً في فن اللامبالاة.
المصدر
ترجمة مارتن هاموند (Penguin Classics، 2006)، وفيها مقدمة ديسكن كلاي، وتقديم المترجم، والتسلسل الزمني، والكتب الاثنا عشر، وملاحظات المترجم. والأرقام بين القوسين أرقام الكتب والفقرات، ووقائع السيرة والأقوال المنسوبة إلى ماركوس مردودة إلى المصادر المذكورة، وحيث خالفتها المقدمة في تاريخ أُخذ بالمصادر.
قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.
اشترِ الكتاب من أمازونرابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.
المصادر والسياق
- Penguin Random House — صفحة الناشر ↗
- Wikipedia — Meditations ↗
- Wikipedia — Marcus Aurelius ↗
- Internet Encyclopedia of Philosophy — Marcus Aurelius ↗
- Wikiquote — Marcus Aurelius (الأقوال المنسوبة إليه خطأً) ↗
- Wikipedia — Avidius Cassius ↗
- C. R. Haines (Loeb, 1916) — Note on the Christians ↗
- Philosophy Now — Gladiator ↗
- أصول — التأملات، ترجمة عادل مصطفى ↗
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
الكتاب في الشبكة
ما الذي يتّصل بهذا الكتاب
- ٣ أفكار
- مسألة واحدة

