فكرة · قراءة في 3 دقائق
الحصن الداخلي
إمبراطور يشتاق إلى البحر والجبال، فيذكّر نفسه بأن الخلوة التي يطلبها في داخله، وبأن المبادئ التي يجدها هناك ينبغي أن تكون قليلة وأساسية. فقرة من الكتاب الرابع في التأملات، من أكثر فقرات الدفتر تداولاً.
الفكرة
أن تجد خلوتك في نفسك، في دقائق تعود فيها إلى مبادئ قليلة كتبتها لنفسك، ثم ترجع إلى ما تركته دون ضيق، ولا حاجة بك إلى مكان تهرب إليه.
تغيير المكان لا يغيّر النفس. والهدوء الذي يُطلب في الريف أو على البحر متاح في أي ساعة لمن أعدّ في داخله مبادئ قليلة واضحة، يعود إليها كلما ضاق، فتغسل همّه وتردّه إلى عمله.
كان ماركوس أوريليوس يحكم إمبراطورية، وقد قضى أكثر سنواته الأخيرة في معسكرات الدانوب، وكان يشتاق كما يشتاق غيره إلى مكان بعيد يرتاح فيه. فكتب لنفسه: "يبحث الناس لأنفسهم عن خلوات في الريف، وعلى شاطئ البحر، وفي الجبال، وأنت أشدّ الناس شوقاً إلى ذلك". ثم ردّ على شوقه بأن هذا كله بعيد عن الفلسفة، ما دام يستطيع في أي ساعة شاء أن يخلو إلى نفسه (4.3).
ويضع ديسكن كلاي، كاتب مقدمة طبعة بنغوين، هذه الفقرة من الكتاب الرابع في التأملات فوق كل ما في الدفتر.
الخلوة التي لا تحتاج سفراً
لا يجد الإنسان، كما يكتب ماركوس، خلوة أهدأ من عقله، ولا سيّما إن كان فيه من الأفكار ما يكفي أن يلتفت إليه حتى يرتاح. "فاخلُ إليها كثيراً، وجدّد نفسك". وبعد كتب يعود إلى الأمر نفسه، "اخلُ إلى نفسك" (7.28)، ثم يذكّر نفسه بأن "العشب ليس أخضر في مكان آخر"، وأن كل شيء هنا كما هو على قمة جبل أو على شاطئ البحر (10.23).
وفي الكتاب الثامن صورة صارت عنوان كتاب، "العقل الخالي من الأهواء حصن، ولا ملجأ للناس أمنع منه، ومن لجأ إليه صار لا يُنال" (8.48). ومنها أخذ الفيلسوف الفرنسي بيير هادو عنوان كتابه عن ماركوس، The Inner Citadel، أي الحصن الداخلي.
قليلة وأساسية
وللخلوة عند ماركوس ما يملؤها، فهي مبادئ يزورها المرء، ويشترط فيها شرطين، أن تكون "قليلة وأساسية"، وأن تكفي "في زيارة واحدة لتغسل همّك كله، وتعيدك إلى ما تركته دون ضيق".
ويكتب مبادئه هو، مبدأً لكل ما قد يضايقه:
- أيضايقك شرّ الناس؟ تذكّر أن العقلاء خُلقوا بعضهم لبعض، وأن الاحتمال جزء من العدل، وأنهم يخطئون دون قصد، وأن كثيرين عاشوا في العداوة والبغضاء ثم صاروا رماداً.
- أيضايقك نصيبك من الدنيا؟ تذكّر أن الكون إما عناية تدبّره، وإما ذرّات تتصادم، وأنه في الحالين جماعة واحدة.
- أيضايقك جسدك؟ العقل، إذا عرف قوته، لا يتأثّر بما يجري في الجسد من راحة أو ألم.
- أتضايقك الشهرة؟ انظر كم يُنسى كل شيء سريعاً، وكم التصفيق فارغ، و"الأرض كلها نقطة في الفضاء".
ومن هذا كله يختار فكرتين يريدهما أقرب شيء إلى يده. أولاهما أن الأشياء لا تمسّ النفس لأنها خارجها، وأن القلق يأتي من الحكم عليها، والأخرى أن كل ما تراه يتغيّر وسيزول. وآخر الفقرة جملة قصيرة، "الكون تغيّر، والحياة حكم".
خلوة للعودة لا للهرب
قد يُفهم من الفكرة أنها دعوة إلى الانعزال، أو إلى برودة لا يمسّها شيء. غير أن الفقرة نفسها تردّ هذا الفهم، فغايتها أن تعود إلى ما تركته "دون ضيق". إنما الخلوة استراحة قصيرة في يوم مزدحم، يخرج منها صاحبها إلى الناس أهدأ مما دخلها، وما هي بحصن يغلق بابه دونهم. وقد كتب هذا رجل لم يكن الاعتزال في يده، يعود كل صباح إلى جيش وبلاط ورسائل.
ولماذا يكتب هذه المبادئ ويعيدها؟ يجيب في موضع آخر: "يأخذ عقلك لون أفكارك التي تكثر منها" (5.16). فالمبدأ الذي لا تزوره يذبل، والذي تعود إليه يصبغك بلونه.
الدفتر نفسه خلوة
ولم تكن الفكرة جديدة حين كتبها. فقد قال الفلاسفة قبله إن من بدّل مكانه لم يبدّل ما في نفسه، وكتب سينيكا قبل ماركوس بقرن "انسحب إلى نفسك". أما ما انفرد به ماركوس فأنه كتب خلوته. فالدفتر كله، بما يكرّره من المبادئ نفسها، هو المكان الذي كان يخلو إليه، يكتب فيه الجملة ذاتها بصيغ مختلفة، كما يعود المرء إلى غرفة يعرفها في بيته.
ولعلّه كان يعرف أنه لن يجد وقتاً ليقرأ ما كتب، فهو يقول لنفسه في الكتاب الثالث "كفى تيهاً. لن تقرأ مذكّراتك، ولا تواريخ اليونان والرومان التي جمعتها، ولا المختارات التي ادّخرتها لشيخوختك" (3.14). فكانت الخلوة في الكتابة نفسها، في أن يعود كل يوم إلى القليل الذي يعرفه.
جرّبها
اكتب على ورقة صغيرة ثلاثة مبادئ أو أربعة فقط، تعود إليها حين يضيق صدرك، جملة عن الناس، وجملة عمّا لا تملكه، وجملة عن قِصر الوقت. ثم اختر كل يوم خمس دقائق، في السيارة أو قبل اجتماع صعب، تقرؤها فيها وحدك. وإذا لم تكفِك زيارة واحدة لتهدأ، فالأرجح أن مبادئك كثيرة، فاختصرها.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
