فكرة · قراءة في 4 دقائق
من عرف لماذا يعيش، احتمل أيّ كيف
عبارة لنيتشه جعلها فيكتور فرانكل شعاراً للعلاج النفسي في معسكرات النازية. ما الذي يجعل الألم محتملاً، ومن أين جاءت العبارة، وأين تقف حدودها؟
الفكرة
أن يكون لك سبب تعيش من أجله، إنسان ينتظرك أو عمل لا يتمّه غيرك، فيصير احتمال الظروف الصعبة ممكناً.
يحتمل الإنسان كثيراً من الألم والمشقة إن عرف لماذا يحتملهما، ويضعف أسرع حين يفقد مستقبلاً يعيش له. والسبب الذي يُحتمل لأجله الألم إنسان بعينه، أو عمل بعينه لا يقوم به أحد مكانك، ولا تكفي فيه فكرة عامة.
في أحد معسكرات النازية جاء رجلان إلى الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، وهو سجين مثلهما، وكل منهما يقول الجملة نفسها: "لم يعد عندي ما أنتظره من الحياة". وكانت هذه الجملة في المعسكر كثيراً ما تسبق الموت، إما بسلك مكهرب، وإما برجل يرفض ذات صباح أن يقوم من مكانه.
لم يجادلهما فرانكل في قيمة الحياة، وإنما سأل كلاً منهما عمّا تنتظره الحياة منه هو. فتبيّن أن للأول طفلاً يحبه، ينتظر أباه في بلد بعيد، وأن الثاني عالم ترك سلسلة كتب لم تكتمل، ولا يقدر أحد غيره على كتابتها. وكتب فرانكل بعد ذلك في الإنسان يبحث عن المعنى أن من عرف أن أحداً ينتظره، أو أن عملاً ناقصاً لا يتمّه سواه، "لن يستطيع أن يرمي حياته، فهو يعرف لماذا يعيش، ويقدر على أن يحتمل أيّ كيف تقريباً".
العبارة ليست لفرانكل
تُنسب العبارة في كل مكان إلى فرانكل، وهي لنيتشه، كتبها سنة 1889 في كتابه أفول الأصنام، في فصل عنوانه حِكَم وسهام: "من عرف لماذا يعيش، احتمل أيّ كيف تقريباً". وفرانكل نفسه ينسبها إلى نيتشه صراحة، ويعود إليها في كتابه أكثر من مرة.
ولم يكتبها نيتشه نصيحة علاجية، فقد أكمل الحكمة نفسها بسخرية من الفلاسفة الإنجليز الذين جعلوا السعادة غاية الإنسان، فقال: "الإنسان لا يسعى إلى السعادة، الإنجليزي وحده يفعل". أما فرانكل فأخذ نصفها الأول، وجعله "شعاراً لكل جهد في العلاج النفسي" مع السجناء، ثم شعاراً لكل علاج نفسي.
كيف عملت الفكرة في المعسكر؟
وكان أقسى ما على السجين ألّا يعرف متى ينتهي حبسه. فقد سمّى عالم نفس معروف حياة المعسكر "وجوداً مؤقتاً"، والأرجح أنه إميل أوتيتس، وكان سجيناً في تيريزينشتات، فزاد فرانكل على التسمية أنه وجود "لا يُعرف له حدّ". ومن لا يرى للحبس آخراً لا يرى أمامه غاية، فيكفّ عن العيش للمستقبل، ويبدأ الانهيار فيه من الداخل.
ولهذا كان العلاج عند فرانكل أن يُردّ إلى السجين مستقبل، ولو كان صغيراً. وكان يرى أن ما يعيش له الإنسان يأتي من شيء بعينه، إنسان لا يعوّضه عنه أحد، أو عمل ناقص لا يكمله غيره، ولا يأتي من سؤال عام عن معنى الحياة. وقد كان بين الرجلين وبين اليأس طفل ومخطوطة.
وعاش فرانكل نفسه على هذا النحو. فقد ضاعت منه في أوشفيتز مخطوطة كتابه في العلاج بالمعنى، فلما أصابه التيفوس في بافاريا أخذ يعيد كتابتها، كلمات مختزلة على قصاصات ورق صغيرة، ليبقى صاحياً في ليالي الهذيان. وهو يرى أن ذلك أعانه على أن يصمد.
ورأى الوجه الآخر أيضاً. فالسجين الذي فقد إيمانه بغده كان يُخرج ذات صباح سيجارة خبّأها طويلاً، ويدخّنها، فيعرف رفاقه أنهم سيرونه يموت في يومين.
ما الذي يقوله البحث اليوم؟
وللفكرة سند في البحث الحديث، وإن كان محدوداً. ففي تحليل نُشر سنة 2016 جُمعت عشر دراسات تتبّعت أكثر من 136 ألف إنسان سنين، فإذا الذين يحسّون إحساساً قوياً بأن لحياتهم غاية كانت الوفاة فيهم أقل بنحو 20 في المئة، وكذلك الإصابة بأمراض القلب، بعد حساب العوامل الأخرى. غير أنها علاقة إحصائية، لا يُعرف سببها على وجه اليقين، ولا يُستنتج منها أن الغاية تحمي صاحبها.
ما لا تعنيه العبارة
ليس في العبارة أن من مات في المعسكرات مات لأنه لم يجد ما يعيش له. فأكثرهم قُتلوا في غرف الغاز أو بالرصاص، أو ماتوا من الجوع والبرد والمرض، أيّاً كانت أسبابهم للحياة. وفرانكل نفسه يكتب أن "أفضلنا لم يعودوا"، ويقول إنه نجا "بمصادفات كثيرة أو معجزات". فما يعيش له الإنسان يعينه على الاحتمال، ولا يضمن له النجاة، ولا يحقّ لأحد أن يلوم به من انكسر.
وليس فيها أن كل ألم يستحق أن يُحتمل. فمن قدر على أن يزيل سبب ألمه، فالمعنى في أن يزيله، ولا معنى في احتماله، كما يقول فرانكل.
جرّبها
اكتب في أعلى ورقة الظرف الصعب الذي تمرّ به الآن، ثم أجب تحته عن سؤالين. من الذي ينتظرك أو يحتاج إليك؟ وما العمل الذي بدأته، أو تقدر على أن تبدأه، ولا يتمّه أحد بطريقتك؟ ولا تكتفِ بكلمات عامة كالعائلة والمستقبل، واكتب اسماً واحداً وعملاً واحداً. ثم اختر شيئاً صغيراً تفعله هذا الأسبوع لأجل أحدهما.
وإن كان اليأس أثقل من أن تكتب، أو خطر لك أن تؤذي نفسك، فلا تحمله وحدك، وكلّم اليوم طبيباً أو مختصاً، أو خط مساعدة في بلدك، أو إنساناً تثق به.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
