فكرة · قراءة في 3 دقائق
دعهم، ثم دعني
أداة ميل روبنز في كتاب نظرية التغافل: أن تترك للناس ما هو لهم من رأي وفعل وشعور، ثم تأخذ في يدك ما هو لك. ولماذا تتركك الخطوة الأولى وحدها متعالياً ووحيداً.
الفكرة
خطوتان تقولهما حين يزعجك تصرّف أحد: "دعهم"، فتترك ما لا تملكه من رأيه وفعله وشعوره، ثم "دعني"، فتسأل ماذا ستفعل أنت الآن.
أكثر ما يتعبنا مع الناس محاولة التحكّم في ما لا نملكه منهم. والتخلّي عن هذه المحاولة يريح، لكنه وحده يترك المرء متعالياً على الناس ومنعزلاً عنهم. والقوة في الخطوة الثانية، حين يأخذ المرء مسؤولية ردّه وخطوته التالية.
رأت ميل روبنز على هاتفها صور صديقات قديمات في رحلة نهاية أسبوع معاً، ولم تكن بينهن. فتحت حساباتهن واحدة واحدة، وأخذت تسأل نفسها لماذا لم يدعونها، وأيّ ذنب أذنبت. ثم قالت في نفسها: دعهنّ. دعهنّ يسافرن ويضحكن من دوني. ولم يزل الألم دفعة واحدة، فكرّرت العبارة مرة بعد مرة، وكلما قالتها خفّ.
ومن هذه الكلمة بنت روبنز كتاب نظرية التغافل. وفكرته أن الإنسان لا يملك أن يتحكّم في غيره، في ما يظنّه وما يفعله وما يشعر به، ثم يعيش كأنه يملك، فيتعب.
الخطوة الأولى تريح، ثم تخدع
في الكتاب رسم لأرجوحة توازن، المرء في طرف والناس في الطرف الآخر. فحين يجعل تصرّفهم دليلاً على نقصه، كما فعلت روبنز حين ظنّت أن صديقاتها نبذنها، يهبط ويعلون. وحين يقول "دعهم" يرتفع.
وتعترف روبنز بما لا يعترف به أكثر كتّاب هذا الباب، فالارتفاع يأتي ومعه شيء من التعالي. يشعر المرء أنه أحكم من الصديق الذي لا يردّ، وفوق زميل السكن الذي يترك صحونه. وهذا الشعور ممتع، وهو سرّ انتشار العبارة. لكن من بقي فيه وجد نفسه وحيداً في علوّه، يتكلّم عن الناس في غيابهم، ويتحرّج إذا لقيهم، ولا يكسب شيئاً.
ولهذا تقول إن كثيرين كتبوا إليها أنهم أخذوا بالنظرية فلم يبقَ لهم أصدقاء، وإنهم أساؤوا استعمالها.
الخطوة الثانية: ماذا أفعل أنا الآن؟
الخطوة الثانية تسمّيها Let Me، أي "دعني أنا". وهي أن ينظر المرء، بعد أن يهدأ، في نصيبه هو. فلما نظرت روبنز في نصيبها وجدت أنها انشغلت بعملها سنوات، ولم تدعُ أحداً ولم تسأل عن أحد. فاتّصلت ببعض صديقاتها، لا لتسوّي شيئاً ولا لتُدعى في الرحلة القادمة، بل لأنها اشتاقت إليهن. وتقول: "حين تكون راشداً، فحياتك الاجتماعية مسؤوليتك".
و"دعني" لا تعني دائماً أن يقبل المرء ويسكت. فحين رأت روبنز امرأة تترك كلبها يلوّث ممرّاً في متنزّه، عدّدت ما يمكن أن تفعله، أن تمضي، أو أن تنظّف بنفسها، أو أن تلحق بالمرأة، أو أن تخبر الحارس. فـ"دعهم" تمنح لحظة هدوء، و"دعني" تختار فيها. واختبارها أن يسأل المرء هل سيزعجه هذا بعد ساعة، فإن كان سيزعجه فعليه أن يفعل شيئاً.
فكرة قديمة بثوب جديد
الفكرة أقدم من روبنز بكثير. فقد بدأ إبكتيتوس كتابه المختصر بأن من الأمور ما هو بأيدينا، كأحكامنا ورغباتنا وأفعالنا، ومنها ما ليس بأيدينا، كأجسادنا وأملاكنا وآراء الناس فينا. وفي دعاء السكينة الذي اشتهر في القرن العشرين طلبُ الصبر على ما لا يتغيّر، والشجاعة لتغيير ما يتغيّر، والحكمة للتمييز بينهما. وما تضيفه روبنز أنها جعلت الفكرة عبارتين تُقالان في اللحظة نفسها، وأنها نبّهت إلى أن الخطوة الأولى وحدها فخّ.
أين تقف الفكرة؟
تضع روبنز للفكرة قيوداً يحسن أن تبقى معها. فهي للتعامل بين الراشدين، لا مع الأطفال الذين يتولّاهم أهلهم. وهي ليست رخصة للصمت العقابي، ولا لتجنّب الحديث الصعب، ولا للبقاء في وضع يؤذي، ولا لغضّ الطرف عن تمييز أو خطر. ويُضاف إلى قيودها أن بعض آراء الناس فيك معلومة تنفعك، فاسمعها قبل أن تقول "دعهم". وأن "دعهم" قد تصير مخرجاً من الاعتذار حين يكون الخطأ خطأك.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
