كتاب · مدروس · قراءة في 31 دقيقة
الفعل الإبداعي: الفن طريقةٌ في الوجود
The Creative Act: A Way of Being — Rick Rubin
ويُعرف بالعربية أيضاً باسم الفعل الإبداعي: طريقة للوجود · فعل الإبداع
ريك روبن، منتج جوني كاش وأديل، يكتب عن الإبداع طريقةً في الانتباه قبل أن يكون صنعة، ويرسم مراحل العمل الأربع، ويكشف طرائق الاستوديو في الاختيار والحذف.
رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

لماذا هذا الكتاب؟
رجلٌ يقول إنه لا يعرف شيئاً عن الموسيقى، ويعيش من ثقته بذوقه، كتب كتاباً عن الإبداع، فجاء درساً في الانتباه والحكم أكثر منه في التقنية. وفي صفحاته طرائق استوديو قلّما تُكتب، كأن تختار بين نسختين، وأن ترى عملك كأنك تراه أول مرة، وأن يتفق شريكان دون أن يتنازل أحدهما.
حكم فكرغراف
قيمة الكتاب في طرائق العمل التي تصلح لكل صنعة، كمراحل المشروع الأربع، وداء المسودة الأولى، والمقارنة العمياء، واللوح النظيف، والخيار الثالث، والتحرير القاسي. على أنه يقوم على روحانية يقول صاحبها نفسه إنها لا تحتاج إلى برهان، وأمثلته التي يسمّي فيها أشخاصاً ووقائع تخطئ كثيراً، وهو أطول مما يحتمله منهجه نفسه في الحذف. فليُقرأ متفرقاً، باباً في كل جلسة، وليأخذ منه قارئه ما ينفعه، كما يطلب صاحبه.
الفكرة المركزية
الفن ثمرة طريقة في العيش قبل أن يكون مهارة، وهي أن تنتبه إلى ما حولك وما فيك، وأن ترخي قبضة قناعاتك على ما تراه، ثم تترك العمل يقودك من البذرة إلى التجريب إلى الصنعة إلى الإنجاز. والفنان في نظر روبن مستقبِلٌ أكثر منه صانع، يلتقط ما يأتيه، ويحكم بذوقه وجسده، ويُخرج العمل لأنه صورة لما هو عليه الآن، وإن لم يكن كاملاً.
في 15 يناير 2023، قبل يومين من صدور كتابه الفعل الإبداعي، جلس ريك روبن أمام أندرسون كوبر في برنامج 60 دقيقة على شبكة CBS. سأله كوبر إن كان يعرف كيف يشغّل طاولة المزج، فأجاب: "لا. ليست عندي أي قدرة تقنية، ولا أعرف شيئاً عن الموسيقى". فلماذا يدفع له المغنّون إذن؟ قال إنهم يدفعون لثقته بذوقه، ولقدرته على أن يعبّر عمّا يشعر به.
والرجل الذي يقول هذا من أنجح منتجي الموسيقى في نصف القرن الأخير. كان طالباً في جامعة نيويورك حين أسّس مع راسل سيمونز شركة ديف جام، التي انطلقت رسمياً سنة 1984. وأنتج أول ألبوم لفرقة بيستي بويز، وجمع فرقة الراب ران-دي إم سي بفرقة الروك إيروسميث في أغنية فتحت للراب جمهوراً جديداً. وسجّل مع جوني كاش في سنواته الأخيرة سلسلة American Recordings التي أعادته إلى جيل لم يعرفه، وعمل مع فرقة ريد هوت تشيلي بيبرز ومع جاي زي وأديل. ويمارس التأمل منذ الرابعة عشرة.
وكتابه ثمانية وسبعون باباً قصيراً يسمّيها (مجالات للتفكير)، يلي أكثرَها سطورٌ قليلة كالشعر الحر، بلا أجزاء ولا حواشٍ ولا مراجع، فلا هو سيرة ولا هو دليل تقني. وصمّمه روبن بنفسه، فغلافه رمادي في وسطه دائرة ونقطة. وفي بيانات مكتبة الكونغرس اسم شريك في الكتابة، هو الصحفي نيل شتراوس، غير أن الصوت كله صوت روبن.
وفي صدره عبارة للرسام الأمريكي روبرت هنري، يقول فيها إن الغاية ليست صنع الفن، وإنما أن يكون الإنسان في الحالة البديعة التي تجعل الفن محتوماً. وتليها قصيدة قصيرة في مكان المقدمة: "لا شيء في هذا الكتاب معروفٌ أنه صحيح. هو تأمّل فيما لاحظته، خواطر أكثر منه حقائق... خذ ما ينفعك، ودع الباقي". وفي هذه السطور مفتاح القراءة وحدّها معاً.
والإبداع في أطروحته ثمرة طريقة في العيش والانتباه يقدر عليها كل إنسان، وإن ظنّه الناس موهبة تُعطى لقلّة. وعمل الفنان أن يُرهف التقاط ما يأتيه، ثم يحكم عليه بذوقه، ثم يُخرجه إلى الناس.
ومن ينتظر قصص الاستوديو سيخيب أمله، فروبن لا يكاد يسمّي فناناً عمل معه، وأبطال حكاياته فنانٌ ومغنية وفرقة بلا أسماء. وليس في الكتاب أقسام، غير أن أبوابه تتتابع في الغالب على خمس حركات يمكن أن يُقرأ بها. تبدأ بالسؤال عن المبدع ومن أين تأتيه الأفكار، ثم تجعل الانتباه حرفة، ثم ترسم مراحل العمل الأربع، ثم تتناول الاختيار والعمل مع الآخرين والحذف، وتنتهي بسؤاله الأخير، لماذا نصنع الفن؟
من هو المبدع، ومن أين تأتي الأفكار؟
كلنا نعيش فنانين
يقول روبن إن الإبداع "ليس قدرة نادرة، ولا صعب المنال"، وإنه جزء من كون الإنسان إنساناً. ويبدأ بتوسيع التعريف، فأن تبدع أن تُوجد شيئاً لم يكن، حديثاً أو رسالة أو ترتيباً جديداً لأثاث غرفتك أو طريقاً آخر إلى البيت. ثم يخطو أبعد، فيجعل الإدراك نفسه خَلقاً، لأن الدماغ يبني صورة العالم من إشارات كهربائية وكيميائية. فكلّنا، كما يقول، "نعيش فنانين"، والعيش فناناً "طريقة في الإدراك، وممارسة للانتباه". وما تصنعه لا يحتاج أن يُرى أو يُسجَّل أو يُباع أو يوضع خلف زجاج ليكون عملاً فنياً.
المصدر هناك في الخارج
وفي هذا الموضع الفكرة التي تطبع لغة الكتاب كلها. فمادة الفن عند روبن لا تأتي من داخل الإنسان، إذ "المصدر هناك في الخارج"، حكمةً تحيط بنا وعطاءً لا ينفد. أما الإحساس بأن الأفكار تنبع منا فـ"وهم"، وكل ما في داخلنا شذرات صغيرة من سعة المصدر، تصعد من اللاوعي كالبخار ثم تتكثّف فكرة. ويكتب الكلمة بحرف كبير وبلا أداة تعريف، كأنها اسم علم، ولا يسمّي (المصدر) إلهاً ولا يربطه بدين. ويشبّهه بالغيم الذي لا يختفي أبداً، يصير مطراً ثم بحراً ثم غيماً، ولا تتشابه منه غيمتان. ولذلك قد يبدو الفن الجديد "المألوفَ عائداً إلينا في صورة غير مألوفة".
وعلى هذا يرسم الفنان هوائياً يلتقط رسائل "يبثّها الكون"، وأفضل الفنانين أرهفهم هوائيات. والأفكار تنضج في موعدها، فإن لم تُخرج فكرة تتحمّس لها فقد تجد صوتها عند صانع آخر، "لأن وقتها قد حان". ويستشهد بسطور سفر الجامعة عن أن لكل شيء زماناً، كما غنّاها بيت سيغر، ثم يقول: "نحن جميعاً نشارك في فعل إبداعي أكبر لا نقوده. نحن نُقاد".
الوعاء والمصفاة
وأيسر ما في هذا القسم على من لا يؤمن بالمصدر نموذجُ الوعاء والمصفاة. فما نراه ونسمعه ونعيشه يمرّ أولاً بمصفاة خاصة بكل إنسان، ثم يستقر في وعاء فيه مجموع أفكارنا ومشاعرنا وأحلامنا وتجاربنا، فهو لا يدخلنا كما يدخل المطر برميلاً. والمصفاة ضرورية، فالذاكرة محدودة، والحواس تخطئ، ولو نفذ إلينا كل شيء لما ميّزنا شيئاً من شيء. غير أنها تفسّر وهي تصفّي، فتصير الشذرات قصصاً عن أنفسنا وعن الناس، وتتجمّع القصص رؤيةً للعالم.
ويختصر روبن الدورة في ثلاث جمل: "المصدر يعطي، والمصفاة تقطّر، والوعاء يتلقّى". وفنّ الفنان أن يأخذ من وعائه ما يبدو مهماً الآن فيعيد تقديمه، وأن يمسك قصصه "برفق"، ويترك مكاناً لما لا يوافق قناعاته. وهذا قريب مما يقوله علم النفس عن الانتباه الانتقائي، وإن لم يسمّه روبن. وفي السطور التي تلي الباب أن الآلة الحقيقية هي أنت، "أياً كانت الأدوات التي تصنع بها".
ما لا يُرى
ولا يخفي روبن موقفه. فالفن عنده "بوابة إلى العالم الذي لا يُرى"، و"الفنان الذي يعمل بلا البعد الروحي يعمل وهو في موضع ضعف". وعالم العقل قد يضيق ويسدّ الطرق، أما النظر الروحي فبلا حدود. ويترك التعريف واسعاً، فإن شئت أن تفهم الروحانية إيماناً بالترابط فلا بأس، وإن شئت أن تسمّيها إيماناً بالسحر فلا بأس أيضاً، "فالأشياء التي نؤمن بها تحمل شحنتها سواء أمكن إثباتها أم لا". وقاعدته في ذلك عملية صريحة، "المبدأ يقوم على الإيمان، أن تؤمن وتتصرّف كأنه صحيح. لا حاجة إلى برهان".
ولغة الكتاب في هذا الباب وما يشبهه مأخوذة من الزن والبوذية والطاوية وكتاب التحولات الصيني، وروبن لا يسمّي مصدراً واحداً منها. ولا يطلب من قارئه أن يتبنّاها، فالقصيدة الأولى تقول له أن يأخذ ما ينفعه. وأكثر طرائق الكتاب يعمل بها من يؤمن بالمصدر ومن لا يؤمن به.
الانتباه حرفةً
الوعي ممارسة يومية
في الأحوال العادية "نحن نكتب البرنامج"، أما في الوعي فـ"العالم هو الفاعل ونحن الشاهد". ولا يُنتزع الوعي بالقوة، فجهده قليل، وإن كان يحتاج إلى مثابرة. ويفسده أن تسمّي ما تراه، إذ تكفّ عن ملاحظته حين تضع عليه اسماً، وتأخذ في دراسته. ويقول روبن في ذلك إن "الكون بحجم إدراكنا له، وحين ننمّي وعينا نوسّع الكون".
ويقترح طقوساً صغيرة، كثلاثة أنفاس بطيئة عند الاستيقاظ، وأكلٍ بطيء، ومشيٍ يومي في الطبيعة، وتأمّلٍ لدقات القلب قبل النوم. وهو لا يريدها لذاتها، وإنما لتتغيّر طريقة نظرك في الساعات التي لا تمارسها فيها. ويكتب بعدها سطراً يصلح شعاراً للكتاب: "أن تعيش فناناً ممارسة. إما أن تمارسها أو لا تمارسها. ولا معنى لأن تقول إنك لست جيداً فيها، فكأنك تقول إنك لست جيداً في أن تكون راهباً".
ومن الممارسة أن تغمر نفسك بالأعمال العظيمة. اقرأ الأدب الكلاسيكي كل يوم سنة كاملة بدل الأخبار، تخرج بحسّ أدقّ في تمييز العظمة. والغاية عنده أن "تعاير مقياسك الداخلي" للعظمة، وتقليدها شيء آخر. وفي هذا الباب يشرح الرجل الذي يُدفع له ثمن ذوقه كيف يُربّى الذوق.
ويدير الانتباه بعد ذلك إلى الداخل. فيفتتح باباً بتمرين أجراه وعيناه مغمضتان، سمع فيه ماءً بعيداً، وطائرين يقدّر أنهما على بعد خمسين خطوة خلفه، "كل منهما يغنّي أغنيته"، ثم موسيقى جاز اكتشف أنه هو الذي شغّلها بصوت خافت ولم يسمعها إلا الآن. "يصل أحدهم. أفتح عينيّ. ويختفي كل شيء". فالعالم الداخلي لا يقلّ عجباً عن الطبيعة.
الشك ليس عدواً
يقول روبن إن "الشك في النفس يسكننا جميعاً"، ويراه موجوداً ليخدمنا، فلو كنا آلات لما لمس الفن أحداً. وله مع الفنانين الذين يجمّدهم الخوف عند البدء أو الإتمام أو العرض طرائق.
منها أن تخفض الرهان، فتعامل العمل تجربةً تقودك إلى ما بعدها، ولا تعامله كأنه سيحدّدك إلى الأبد. ومنها أن تسمّي القلق. فقد عمل مرة مع فنان جمّدته شكوكه، فسأله إن كان يعرف المفهوم البوذي (بابانتشا)، وترجمه بتكاثر الأفكار، أي سيل الثرثرة الذهنية الذي يردّ به العقل على كل تجربة. قال الفنان: "أعرفه تماماً. هذا أنا". فصارا منذ ذلك اليوم، كلما ظهرت الشكوك، يسمّيانها بابانتشا، ويلاحظانها، ويمضيان.
وأعجب هذه الطرائق أن تأذن للفنان بالتوقف. التقى روبن فنانة أصدرت لتوها ألبوماً ناجحاً جداً، وراحت تعدّد أسباباً لئلا تصنع موسيقى بعده، فقال لها: "لا بأس، لا يلزمك أن تصنعي موسيقى بعد اليوم. توقّفي إن كان ذلك لا يسعدك. القرار قرارك". فتغيّر وجهها، وعرفت أنها أسعد وهي تصنع منها وهي لا تصنع. ويختم ذلك بأن "رغبتك في أن تبدع يجب أن تكون أكبر من خوفك منه". وشاهده مغنٍّ أسطوري ظلّ يغني أكثر من خمسين سنة، وفي معدته غثيان قبل كل حفلة، ثم يقدّم كل ليلة عرضاً يسحر جمهوره.
أما أدقّ ما في الباب فتمييزه بين جملتين، الأولى "لا أعرف إن كانت أغنيتي أفضل ما يمكن"، والثانية "لا أستطيع أن أكتب أغنية جيدة". فالأولى شكّ في العمل والثانية شكّ في النفس، وبينهما بُعد كبير في الدقة وفي أثرهما في الأعصاب. والشك في النفس يقود إلى اليأس، أما الشك في العمل فقد يحسّنه، و"تستطيع أن تشكّ حتى تبلغ الإتقان". ومثاله فنّ (كينتسوغي) الياباني، يُرمَّم فيه الإناء المكسور بالذهب، فيصير الشقّ عرقاً ذهبياً، والعيب موضع القوة.
الإلهاء ليس تسويفاً
إذا علقت فابتعد. أمسك المشكلة "برفق في خلفية وعيك"، واشتغل بشيء يجري بلا تفكير، كالقيادة والمشي والسباحة والاستحمام وغسل الصحون. ويضع روبن الحد الفاصل في جملتين: "الإلهاء ليس تسويفاً. التسويف يقوّض قدرتنا على الصنع، والإلهاء خطة في خدمة العمل". وهذه من أفكار الكتاب القليلة التي يسندها البحث، فعلماء النفس يسمّونها (الحضانة) منذ عشرينيات القرن الماضي، وإن لم يذكرهم روبن. أما الانشغال الذي يخدم التأجيل فهو ما يسمّيه ستيفن بريسفيلد المقاومة.
ماء البئر
يحكي روبن عن رجل عجوز في كلكتا يذهب كل يوم إلى بئر، فيُنزل جرّته الفخارية ويرفعها بيده ببطء حتى لا تصطدم بالجدران. ورآه مسافر أعلم منه بالآلات، فعلّمه البكرة، وهي أسرع وأسهل، والجرّة تمتلئ بها بالقدر نفسه. فقال العجوز إنه سيبقى على طريقته، فالبكرة تجعل العمل سهلاً، وقد يفكّر في شيء آخر وهو يفعله، "وإن وضعت فيه هذا القليل من العناية والوقت، فكيف سيكون طعم الماء؟".
ولا يذكر روبن مصدراً للحكاية، وهي تكاد تكون حكاية من كتاب جوانغ زي الطاوي، عن بستاني عجوز يرفض آلة ترفع الماء من البئر، لأن "من يعمل بالآلة يصير له قلب آلة". ويبني روبن عليها فكرة (النية)، فقد تكون للعمل أهداف كثيرة، ونيته مع ذلك واحدة، "فإن نزعت النية لم يبقَ إلا القشرة المزخرفة". ومثاله الخط، إذ تحمل ضربة فرشاة واحدة تاريخ صاحبها كله، و"ليست كل الأعمال تستغرق وقتاً، لكنها كلها تستغرق عمراً". وقارئ العربية يعرف هذا المعنى من خطّه.
القواعد افتراضات
يفرّق روبن بين قوانين العلوم، التي نعرف صحّتها لأننا نختبرها في العالم، وقواعد الفن، وهي "افتراضات لا مطلقات". فالأغنية من ثلاث دقائق إلى خمس فيها مقطع يتكرر، واللوحة قماش مشدود إلى إطار خشبي، وهذه أعراف لا يراها أصحابها، والرسم في أصله "كل ما يُستعمل فيه اللون على سطح".
والمجدّدون في رأيه صنفان، صنف أتقن القواعد حتى رأى ما وراءها، وصنف لم يتعلّمها أصلاً. وأشدّ القواعد خطراً ما يصنعه الفنان لنفسه، اكتشاف ينجح فيصير وصفة، ثم هوية، ثم تقلّ ثمرته. فإن كنت تستعمل الألوان نفسها في كل عمل فاتركها في العمل القادم، "فحين ترمي دليلك القديم تحتفظ بمهاراتك". أو جرّب عكس كل قاعدة تؤمن بها عن عملك وصوتك. ويطبّق روبن ذلك على كتابه نفسه، فيدعوك إلى أن تجرّب عكس ما في صفحاته، ويقدّر أن ذلك سيكون مثمراً بالقدر نفسه.
الإصغاء والصبر
"العين تُغمض والفم يُغلق، أما الأذن فلا جفن لها". على هذه الملاحظة يبني روبن باب الإصغاء، وهو باب ينفع غير الفنانين بقدر ما ينفعهم. ومن يُعِدّ ردّه وهو يسمع لا يصغي، إذ "أن تصغي بنفاد صبر ألا تسمع شيئاً". وله في ذلك عبارة تعلق بالذاكرة، "الإصغاء أن تعلّق إنكارك"، كما يعلّق المتفرّج شكّه وهو يشاهد مسرحية. وبالإصغاء دون حكم مسبق تتسع المصفاة، فبعض ما ورثناه من قناعات "قد يعود أجيالاً، وقد لا يصحّ اليوم، وبعضه لم يصحّ قط".
أما الصبر فيجعله أصعب قواعد الإبداع كسراً، و"نفاد الصبر جدال مع الواقع". ويروي عادة له في القراءة، فإذا شرد ذهنه وعيناه تتابعان السطور عاد إلى آخر فقرة يتذكّرها، "وأحياناً تكون على بعد ثلاث صفحات أو أربع". فإعادة قراءة صفحة فهمتها قد تكشف ما لم تره، وملخّص الجملة الواحدة لا يغني عن القصة كاملة.
عقل المبتدئ
أطول قصة في الثلث الأول من الكتاب قصة لعبة غو. ففي مارس 2016 واجه برنامج ألفاغو بطل كوريا لي سيدول في سيول، وفي النقلة السابعة والثلاثين من المباراة الثانية لعب البرنامج نقلة لا يلعبها بشر، ظنّها أكثر المتابعين خطأ. ويروي روبن أن لي خرج من القاعة ثم عاد مضطرباً، وخسر السلسلة أربعاً إلى واحدة. وحين سمع روبن القصة أول مرة وجد نفسه يبكي، ثم أدرك أنها تحكي "قوة النقاء في الفعل الإبداعي". ويسأل: "هل فاز الحاسوب لأنه يعرف أكثر من البطل، أم لأنه يعرف أقل؟".
وجوابه أن الآلة تعلّمت اللعبة "من الصفر، بلا مدرّب ولا تدخّل بشري". وهنا يخطئ الكتاب في التفصيل الذي تقوم عليه القصة، حتى إنه يناقض نفسه، فقد قال قبلها بفقرات إن البرنامج درس أكثر من مئة ألف مباراة سابقة. فالذي هزم لي سيدول تدرّب أولاً على مباريات لاعبين بشر، ثم لعب ضد نفسه. أما الذي تعلّم دون أي مباراة بشرية فهو ألفاغو زيرو، الذي أُعلن سنة 2017 وهزم النسخة الأولى مئة إلى صفر. والقصة كما وقعت أعجب مما رواها، فهذا برنامج تعلّم من البشر، ثم لعب نقلة قدّر هو نفسه أن إنساناً واحداً في كل عشرة آلاف قد يلعبها. أما عبارة "لم يلمس إنسان واحد حافة حقيقة الغو" فقالها البطل الصيني كي جيه في يناير 2017 بعد مباريات أخرى، ولم يعتزل لي سيدول إلا في نوفمبر 2019.
غير أن الفكرة تبقى. فـ(عقل المبتدئ)، وهي عبارة يأخذها روبن دون تسمية من معلّم الزن شونريو سوزوكي، أن تبدأ من موضع طفولي لا يعرف، إذ "المستحيل لا يصير ممكناً إلا حين لا تكون التجربة قد علّمتنا حدودنا". ومثاله فرقة رامونز، التي ظنّت أنها تصنع موسيقى بوب خفيفة كفرقة باي سيتي رولرز التي أحبّتها، فصارت من روّاد البانك. ويطلب روبن من قارئه أن ينزع عنه حتى أبسط الألقاب، "نحّات، مغنّي راب، كاتب، رائد أعمال"، ثم ينظر كيف يرى العالم الآن.
مراحل العمل الأربع
قبل البذرة: الإلهام والعادة
الإلهام في اللاتينية "أن تتنفّس إلى الداخل"، والرئة لا تتنفّس حتى تفرغ، وكذلك العقل يحتاج إلى فراغ ليتلقّى، بالتأمل أو الصمت أو الصلاة. فإذا جاء الإلهام فاتبعه حتى الفجر إن لزم، فـ"الإلهام أولاً، ثم أنت، والجمهور أخيراً". ويروي نصيحة لجون لينون، رواها عنه جورج هاريسون، أن من بدأ أغنية فليُنهها في الجلسة نفسها، لأن "النسخة الكاملة غير المتقنة أجدى في الغالب من شذرة تبدو متقنة".
ويفتتح باب العادات بصوت غير صوته، في خمس فقرات بضمير المتكلم يحكي فيها مدرّب كرة السلة جون وودن كيف كان يعلّم لاعبيه في أول كل موسم أن يلبسوا الجوارب دون تجعيدة عند الإصبع الصغير أو الكعب، وأن يشدّوا الحذاء ثقباً ثقباً ثم يعقدوه عقدتين، "لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الأشياء الكبيرة". ويقول روبن بعدها إن فرق وودن حقّقت أطول سلسلة انتصارات وأكثر البطولات في التاريخ.
ويستخلص من وودن أن "الطريقة التي تفعل بها أي شيء هي الطريقة التي تفعل بها كل شيء"، وأن الانضباط والحرية شريكان. فابدأ بجدول سهل، نصف ساعة في اليوم، لأن الجدول القاسي يصنع الأعذار، و"ضع قراراتك في العمل لا في متى تعمل".
البذور
يقسم روبن كل مشروع أربع مراحل، هي البذرة، والتجريب، والصنعة، والإنجاز. ولا تمضي المراحل في خط واحد، فقد تعود من الصنعة إلى التجريب، ومن الإنجاز إلى ما قبله. والذي يقود يتغيّر من مرحلة إلى مرحلة، ففي البذرة تتلقّى ولا تحكم، وفي التجريب تقودك البذرة، وفي الصنعة تقود أنت، وفي الإنجاز تصير المفتّش الأخير.
والبذرة نقطة بداية محتملة. هي في الأغنية لحن أو إيقاع، وفي الرواية شخصية أو مكان، وفي العمارة شكل أو مادة أو طبيعة الموقع، وفي التجارة إزعاج يومي يشكو منه الناس. وجمعها يشبه الصيد، "لا نملك السمكة، نملك أن يكون خيطنا في الماء". ولا تحكم على البذور الآن. اجمعها أسابيع أو شهوراً ثم انظر فيها، إذ "إن جمعت مئة بذرة، فقد تجد أن البذرة الرابعة والخمسين تكلّمك كما لا تكلّمك غيرها"، أما البذرة الوحيدة فيصعب أن تحكم عليها. و"الحجم لا يساوي القيمة"، فمشروع من خمس سنين قد يبدأ من جملة سمعتها في موقف سيارات.
التجريب
وفي المرحلة الثانية تبحث عن حياة في البذرة. هل تمدّ جذراً؟ هل تُخرج ساقاً؟ "لا شيء على المحك، ولا قواعد". فطوّرها في اتجاهات كثيرة، كما نُقلت مسرحيات شكسبير إلى عصابات نيويورك وإلى عالم الساموراي، واحكم على كل اتجاه بما يعد به، وإن لم يبلغه بعد. والمقياس هنا للقلب قبل العقل، فـ"الحماسة أفضل مقياس"، ومعها الإحساس بأنك "تميل إلى الأمام". وفي هذا الموضع يفرّق روبن بين الحِرفي والفنان: "إن كنت تعرف ما تريد أن تفعله ففعلته، فذلك عمل الحِرفي. وإن بدأت بسؤال، فذلك عمل الفنان".
وللعمل الجماعي في هذه المرحلة قاعدة. فحين يقترح كلٌّ فكرته تتنافس الأفكار بالجدل، وكلٌّ يظن أنه يرى ما في رأس الآخر. فأخرج الأفكار من الكلام إلى الواقع، مثّلها، أو اعزفها، أو ابنِ لها نموذجاً، وليعرضها صاحبها بنفسه أو يشرف على تنفيذها حتى تطابق ما قصد. فـ"الإقناع يقود إلى الرداءة"، والفكرة شيء يُرى ويُسمع ويُذاق ويُلمس.
الصنعة
وحين "تنكشف شيفرة البذرة" يبدأ البناء، فـ"الخطوط رُسمت، وبقي أن نملأ الألوان". وبعد أن كنت تبحث عن أشكال، صرت تبحث، كما يقول، "عن شكل يناسب ثقباً بعينه". وهي أقل المراحل بريقاً، كسلّم ملتفّ من مئة طابق، وفيها يترك كثيرون عملهم ليطاردوا لذة البداية. غير أن "لا معنى للمرحلتين الأوليين وحدهما. لا يوجد الفن، ولا ينمو الفنان، إلا بإتمام العمل".
والمواعيد عنده تتدرّج بالمرحلة، فلا موعد في البذرة والتجريب، وموعد خاص مرن في الصنعة، وموعد ثابت قرب النهاية، لأن الموعد العلني المبكر قد يحرمك اتجاهاً أفضل يظهر متأخراً.
وفي هذه المرحلة يسمّي داءً يعرفه كل من صنع شيئاً، هو داء المسودة الأولى (demo-itis). يسجّل الموسيقي نسخة أولية من أغنيته بسرعة، ثم يسمعها آلاف المرات، فإذا جاء وقت النسخة الأفضل صار كل تغيير فيها يبدو له "تجديفاً". ودواؤه بسيط، أن تمتنع عن سماع العمل الناقص وقراءته وعرضه على أصدقائك إلا وأنت تعمل على تحسينه. ويستدرك روبن بالعكس، فقد تكون المسودة التي رُسمت في خمس دقائق هي النسخة الأنقى، ولا يظهر ذلك إلا بعد أن تزيّنها أو تبتعد عنها. (داء المسودة الأولى)
وإذا علقت في جزء فاتركه وأكمل ما بعده، ثم عد إليه. "الجسر أسهل بناءً حين تعرف ما على ضفّتيه"، وقطعة الأحجية التي في الوسط مستحيلة على طاولة فارغة، وواضحة حين لا يبقى إلا ثقب واحد.
كسر الرتابة
وحين يكفّ العمل عن التحسّن، يقترح روبن تمارين تُجرى "بلا توقّع لنتيجة"، وهي أقرب صفحات الكتاب إلى الاستوديو.
- خطوة صغيرة. طُلب من موسيقي انقطع عن الكتابة أن يكتب سطراً واحداً كل يوم، جيداً كان أو رديئاً، فعاد يكتب أغاني كاملة أسرع مما توقّعوا.
- غيّر السياق. أغنية الحب نفسها تُغنّى لحبيب ضاع منذ زمن، أو لشريك ثلاثين سنة لا تتفقان، أو لأمك. واقترح روبن مرة على فنان أن يغنّي أغنية حب موجّهة إلى امرأة كأنها مناجاة لله، دون أن يغيّر كلمة.
- غيّر المنظور. ارفع صوت السمّاعات حتى يصير كل صوت انفجاراً، فيعزف الموسيقي أخفّ ويهمس المغني، واخفض صوت المغني في سمّاعته فيرفع صوته. فالمحيط يستدعي الأداء الذي تريده.
- اكتب لغيرك. تخيّل أن فنانك المفضّل طلب منك أغنية لألبومه القادم. ويستشهد روبن بأغنية Natural Woman لكارول كينغ وجيري غوفن، ويوحي بأن كينغ غنّتها قبل أريثا فرانكلين، والصحيح أنها كُتبت لأريثا وغنّتها أولاً سنة 1967، فصارت القصة شاهداً على التمرين أبلغ مما أراد.
- أضف صورة. لم تبلغ فرقة في مقطع لوحة المفاتيح الفخامة التي أرادتها، فوصف لها روبن مشهداً، تلّاً أخضر جميلاً انتهت عليه معركة للتو، والدخان ينقشع عن جرحى ينتظرون النجدة. "اعزف المقطع هكذا". فعزف العازف عزفاً جميلاً.
- قلّل المعلومات. إذا أرسل كاتب أغنية نسخته الأولية، فلا يسمعها في استوديو روبن في الغالب إلا عازف الغيتار، فيكتب الكوردات على ورقة الكلمات، ثم يؤدّيها هو والمغني للفرقة بلا إيحاء بالإيقاع. فيأتي الموسيقيون الكبار بأنفسهم بدل أن يقلّدوا النسخة الأولى، و"نادراً ما" يعودون إليها.
ويقول بعدها إن التمارين نفسها "قليلة الأهمية"، وإن المهم أن تبني بنية تخرجك من طريقتك المعتادة.
الإنجاز
يبدأ الإنجاز حين "لا يبقى ما يُضاف ولا ما يُنزع"، وهو آخر محطة في خط التجميع، تفحص فيها العمل بأعلى معاييرك، فإن قصر عنها أعدته، وإن بلغها وقّعت عليه وتركته.
وفيها يدعوك روبن إلى أن تعرض العمل على غيرك لتسمعه أنت من جديد، "كأنك تستعير أذنين أُخريين"، وقد تأخذ بملاحظاته وقد لا تأخذ. فإن أعطيت مقالتك لصديق تغيّرت علاقتك بها قبل أن ينطق. وإذا جاءت الملاحظات "فأصغِ لتفهم الشخص لا العمل"، لأن الناس يخبرونك عن أنفسهم أكثر مما يخبرونك عن الفن. واقرأ الحل المقترح إشارةً إلى موضع، فمن يقول "احذف المقطع الانتقالي" يعني في الغالب "أعد النظر فيه". و"أفضل الفن يقسم الجمهور. إن أعجب الجميع، فالأرجح أنك لم تذهب بعيداً بما يكفي".
ومتى ينتهي العمل؟ "ينتهي حين تشعر أنه انتهى". وهنا ينفع الموعد، فـ"الفن لا يُصنع بالساعة، لكنه يُنجَز بها". ويسمّي روبن مقاومة الإتمام (رهاب الالتزام)، وفيه تفقد الثقة بالعمل فجأة، وترى عيوباً غير موجودة، وتغيّر تفاصيل لا قيمة لها، وتلمح سراباً لخيار أفضل. ودواؤه أن تتذكّر أن العمل صورتك "في هذه اللحظة"، وليس صورتك كلها، وأن التمسّك به "كمن يقضي سنوات يكتب الصفحة نفسها في دفتر يومياته". وخير ما يعين على الإتمام بذور جديدة تزرعها قبل أن تُنهي، فحماستك لما بعده تخرجك من سحر ما بين يديك.
المجرّب والمُنهي، والقيود المؤقتة
وبعد الإنجاز يقسم روبن الفنانين صنفين، (المجرّب) الذي يحب اللعب ويتعثّر في الإتمام، و(المُنهي) الذي يندفع إلى النهاية ولا يطيل الاستكشاف، وعلى كلٍّ منهما أن يستعير من الآخر. فإن علق المجرّب في عشر أغانٍ فليختر اثنتين ويُتمّهما، لأن "الانتقال من اثنتين إلى ثلاث أسهل من الانتقال من صفر إلى اثنتين".
ويعود إلى القيود، أداةً هذه المرة، فلكل مشروع (لوح ألوان) يغلق الحلول السهلة. كتب جورج بيريك رواية كاملة بالفرنسية دون حرف e، وهو أكثر حروفها شيوعاً. ووضع لارس فون ترير وتوماس فينتربرغ عشر قواعد لحركة دوغما 95، منها الكاميرا المحمولة وألّا يُذكر اسم المخرج، ففاز أول أفلامها بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان سنة 1998، وروبن لا يذكر من الرجلين إلا الأول. أما إيف كلاين، الذي يقول روبن إنه حصر نفسه في لون واحد فوجد أزرق "لم يره أحد"، فقد رسم بألوان كثيرة قبل الأزرق، وأزرقه صبغ قديم في مادة رابطة صُنعت له، وليس لوناً جديداً. ويجمع روبن ذلك كله في جملة واحدة، "القاعدة طريقة لتنظيم الانتباه".
أن تختار، وأن تعمل مع غيرك، وأن تحذف
لا منافسة
"الفن عن صانعه"، فلا معنى للمنافسة بين فنانين، وإن كان عمل عظيم لغيرك قد يرفعك إلى ما هو أعلى. وشاهد ذلك قصة في وسط الكتاب تستحق أن تُروى كاملة. سمع براين ويلسون، عقل فرقة بيتش بويز، ألبوم Rubber Soul للبيتلز فبهره، فكتب God Only Knows وصنع Pet Sounds. فلما سمعه بول مكارتني بكى، وظلّ البيتلز يسمعونه وهم يصنعون Sgt. Pepper، حتى قال منتجهم جورج مارتن إن Sgt. Pepper ما كان ليوجد لولا Pet Sounds. ويردّ روبن ذلك كله إلى "حب متبادل"، وينفي عنه التنافس التجاري، والأصح أنه جمع الاثنين، فويلسون نفسه اعترف بأن فيه "شيئاً من الأنا".
وفي باب العظمة تجربة ذهنية. تعيش وحدك على قمة جبل إلى الأبد، وتبني بيتاً لن يزوره أحد، ومع ذلك تختار صحونه ووسائده بعناية. "هذا جوهر الفن العظيم"، و"نحن نؤدّي لجمهور من شخص واحد". فإن قلت "لا يعجبني، لكنه سيعجب غيري" فأنت في التجارة، "وهذا لا بأس به، لكنه قد لا يكون فناً". والنجاح في رأيه "يحدث في خلوة الروح"، في اللحظة التي تقرّر فيها أن تُخرج العمل قبل أن تسمع رأياً واحداً فيه. ولهذا ينصح بعمل يعيلك ويترك ذهنك حراً، فـ"إن طلبت من العمل الفني أن يعيلك فقد تطلب منه كثيراً"، وبرفقة من المبدعين يسمّيها (سانغا)، وهي في البوذية جماعة السالكين.
كيف تختار
كل عمل شجرة، جذعها البذرة، وكل قرار فيها غصن يتفرّع إلى ما هو أدقّ منه. فكيف تختار عند كل مفترق؟ يجيب روبن بأن المرء لا يحكم على شيء إلا بقياسه إلى غيره. فضع خيارين جنباً إلى جنب، وابتعد خطوة، وقارن، صنفين من مكوّن واحد في طبخة، أو ممثلين يقرآن المونولوج نفسه، أو مخطّطين لشقة واحدة. واكتفِ باثنين، "فما زاد يعكّر الحكم". فإن لم يظهر فائز، فاسكن واسأل نفسك أيّهما يشدّك شدّاً خفيفاً.
وإن استطعت فاجعل المقارنة عمياء. فبعض الموسيقيين متعصّبون للتسجيل التناظري أو الرقمي، ويقترح روبن أن تسجّل بالطريقتين ثم تُسمعهم النسختين دون أن يعرفوا أيهما أيهما، "وأحياناً يفاجئهم ما يختارون". وإن تعادلت الكفّتان فارمِ قطعة نقد، فستلاحظ وهي في الهواء أيّ الوجهين تتمنّى، "فينتهي الاختبار قبل أن تسقط القطعة". والقاعدة أن تثق بالانطباع الأول، لأن الفكرة الثانية "مُعالجة ومشوّهة بالتحليل". وغاية ما يضمنه الاختبار أفضل ما بين يديك، وليس أفضل نسخة ممكنة.
اللوح النظيف
بعد آلاف الساعات مع عمل واحد "يصيبنا نوع من العمى"، وقد يرى فيه زائر في دقيقتين ما لا تراه أنت. ويروي روبن طريقته حين تُوازَن الأصوات في المزج الأخير. يسمع ويكتب ملاحظات، فصوت المغني في المقطع الانتقالي خافت، وآلة في المقدمة ينبغي أن تُخفض. والخطأ الشائع أن تُنفَّذ الملاحظات ثم تسمع الأغنية والقائمة في يدك. هل ارتفع صوت المغني؟ نعم. فتسمع أجزاءً تنتظرها، وتفوتك الأغنية كلها، ويقول لك غرورك إنك طلبت شيئاً فحصلت عليه. غير أن كل جزء في العمل المتأخر مرتبط بغيره، وقد يطلق تعديل صغير سلسلة من المشكلات.
والحل عنده أن تراجع بما يسمّيه (اللوح النظيف)، فتعطي الملاحظات لغيرك لينفّذها إن استطعت، ثم "ارمِ القائمة ولا تعد إليها أبداً"، واسمع النسخة الجديدة كأنك تسمعها أول مرة، وابدأ قائمة جديدة من الصفر. وأعن نفسك بأن تترك العمل دقيقة أو أسبوعاً أو أكثر، فـ"الزمن هو المكان الذي يحدث فيه التعلّم، والتخلّي عمّا تعلّمناه أيضاً".
ويكشف في باب آخر أن جلساته، التي يتخيّلها الزوار "حفلة موسيقية كبيرة"، أقرب إلى المختبر، إذ "كل ما يُقال تقريباً يكتبه أحدهم"، حتى إذا سُئل بعد أسبوعين عن سطر أحبّوه عادوا إلى الدفاتر.
التفاصيل والسياق
ولا تُقاس التفاصيل في نظر روبن بأحجامها، فضربة فرشاة واحدة، أو تعديل واحد في المزج، قد ينقل عملاً من نصف منتهٍ إلى تامّ. ومن أطرف سطوره: "حين يكون في العمل خمسة أخطاء، فهو لم يكتمل. وحين يكون فيه ثمانية، فقد يكون اكتمل".
ويقول إن "السياق يغيّر المضمون"، فزهرة في مرج غير زهرة في فوهة بندقية، وغير زهرة على قبر. ومثاله صناديق بريلو التي عرضها وارهول، فهي في البقالة غلاف يُرمى، وفي المتحف تحفة، والدقيق أن وارهول صنع نسخاً من الخشب طبع عليها التصميم التجاري. فإذا خيّبك عمل فلا تكتفِ بالنظر إلى عنصره الأساسي، وانظر إلى ما حوله، وجرّب فيه الخافت والعالي، والقريب والبعيد، والمضيء والمعتم.
الخيار الثالث
أول ما يطلبه روبن ممّن يُدعى إلى عمل غيره قاعدةٌ ينسبها إلى قسم الأطباء، "أولاً، لا تؤذِ". والقاعدة ليست في قسم أبقراط، وأقرب ما يشبهها في كتاب الأوبئة من كتب مدرسته. وقد أسمعه صديقٌ عملَه يطلب رأيه، فلم يجد فيه ما يُضاف، فنصحه أن يترك حتى ضبط المزج المعتاد، لأنه لن يزيد التحفة إلا ضعفاً. و"أحياناً تكون أثمن لمسة يقدّمها الشريك ألا يلمس شيئاً".
ويشبّه العمل الجماعي بفرقة جاز ترتجل، و"أن تظن الفكرة الأفضل لأنها فكرتك خطأ قلّة خبرة". واتفاقه مع كل فنان يعمل معه أن يواصلا حتى يصلا إلى عمل يسعدهما معاً، فإن أحبّه واحد ولم يحبّه الآخر فهما لم يذهبا بعيداً بما يكفي. وإن فضّل أحدهما الخيار (أ) والآخر الخيار (ب)، فالحل ليس هذا ولا ذاك، بل أن يستمرّ العمل حتى يولد (خيار ثالث) يراه الاثنان أفضل، قد يجمع من الخيارين، وقد لا يأخذ من أيّهما شيئاً. يقول: "في اللحظة التي يتنازل فيها أحد الشريكين ليمضي العمل، يخسر الجميع. القرارات العظيمة لا تُتّخذ بروح التضحية". (الخيار الثالث)
ولا يطلب روبن شريكاً يشبهه، "فإن اتفقت مع شريكك على كل شيء، فقد يكون أحدكما زائداً". وقواعده في الملاحظات أن تعلّق على العمل لا على صاحبه، وأن تكون محدداً، فعبارة "أظن أن اللونين في هاتين المنطقتين لا يتفاعلان جيداً" خير من "لا تعجبني الألوان". وإن تلقّيت ملاحظة فأعدها على صاحبها، لأن ما سمعته قد لا يكون ما قيل، "وما قيل قد لا يكون ما قُصد".
البوّاب والتحرير القاسي
ومهما تعدّدت الذوات التي صنعت العمل، فكل فكرة تمرّ في آخر الأمر بذات واحدة يسمّيها روبن (البوّاب)، أو المحرّر، تغربل ما صنعته الذوات الأخرى، فتُبقي الحيّ وتنحت الزائد. والذوق لا يظهر فيما تقول إنك تحبه، وإنما فيما تختاره. وللعمل نفسه وعاء هو مبدؤه الناظم، يقرّر ما ينتمي إليه، "فالأثاث الذي يليق بقصر قد لا يليق بدير". والمحرّر غير الناقد الداخلي، إذ "الناقد يشكّ في العمل ويقترب منه ليفكّكه، والمحرّر يبتعد ليرى العمل كله ويدعم ما فيه من إمكان"، و"المحرّر هو المحترف في الشاعر".
وفي آخر المشروع يدعو إلى (التحرير القاسي)، وهو أن تقصّ العمل إلى ما دون الطول المطلوب. فمن سجّل عشرين أغنية لألبوم من عشر فلينزل إلى خمس، "الأغاني التي لا تستطيع أن تعيش بدونها". ومن كتب كتاباً يزيد على ثلاثمئة صفحة فليحاول أن يجعله أقل من مئة دون أن يفقد جوهره. ويُسأل كل جزء إن كان يضخّم الجوهر أم يشتّت عنه، وهل يخدم التوازن والبنية، وهل هو ضروري تماماً. وبعد ذلك أعد ما تشاء، على أن تكون الزيادة "الأكثر من أجل الأفضل، لا الأكثر من أجل الأكثر". (التحرير القاسي)
أما الجوهر فيعرّفه في باب سابق باختبار من طفل يرسم بيتاً. احذف النافذة يبقَ بيتاً، واحذف الباب يبقَ بيتاً، واحذف الجدران والسقف وأبقِ النافذة والباب، فلا يعود واضحاً أنه بيت. وفي صدر ذلك الباب عبارة أنطوان دو سانت إكزوبيري عن تصميم الطائرات، "يبدو أن الكمال لا يُبلغ حين لا يبقى ما يُضاف، بل حين لا يبقى ما يُحذف".
ومن كان له عمل عالق وجد هذه الطرائق مرتّبة خطواتٍ في كيف تُنهي عملاً إبداعياً عالقاً وتُخرجه إلى الناس؟
لماذا نصنع الفن؟
في الأبواب الأخيرة يصير الكتاب أكثر تأملاً. وسؤال "لماذا أفعل هذا؟" قليل الأهمية عند روبن، لأن "الصانع والمفسّر شخصان دائماً، حتى حين يكونان شخصاً واحداً". ويضع بعده سطراً يُردَّد، "قل لنفسك: أنا هنا لأصنع فقط".
ويسأل هل على الفنان مسؤولية اجتماعية، فيجيب بأنه لا مسؤولية عليه إلا للعمل نفسه. فالأعمال التي تعظ كثيراً ما لا تصل، والأعمال التي لم تقصد شيئاً قد تصير نشيداً لقضية، و"الفن أقوى من خططنا له". ويذهب أبعد، فـ"الفن لا يمكن أن يكون غير مسؤول"، و"العالم حرّ بقدر ما يترك فنانيه أحراراً". وهذا موقف الفن للفن في صورته المطلقة، وهو طرف في جدل قديم يعرفه النقد العربي بين الفن للفن والأدب الملتزم، وروبن لا يناقش الطرف الآخر.
أما جوابه عن سؤال الباب ففيه صفحة من أصفى صفحات الكتاب. فأكثر من يسلكون طريق الفن، كما يقول، لا يختارونه، وإنما تشدّهم إليه قوة كالتي تشدّ صغار السلاحف إلى البحر حين تفقس في الرمل. والإنسان يصنع ما يشهد على مروره، تمثال داود لمايكل أنجلو، ورسوم الكهوف الأولى، ومناظر يرسمها طفل بأصابعه، وكلها تقول ما يقوله سطر محفور على جدار حمّام عام، "كنت هنا". ويختم الباب بأصرح عباراته الروحية، وهي أن الفن مشاركة في "التذكّر الكبير لما جئنا إلى هذه الحياة ونحن نعرفه: لا انفصال. نحن واحد".
وفي باب الانسجام يقول إن نِسب الطبيعة نفسها، في الأصداف والمجرّات وبتلات الزهر، تجدها في البارثينون والهرم الأكبر ورسم الرجل الفيتروفي لليوناردو وتنويعات غولدبيرغ لباخ. ولا يسمّي النسبة، غير أن قائمته هي قائمة النسبة الذهبية المشهورة، وأكثرها خرافة. فلا دليل على أن بناة البارثينون أو الهرم قصدوها، وصدفة النوتي لا تتبعها، ورسم ليوناردو مبني على نِسب فيتروفيوس العددية، والحالة الثابتة منها ترتيب البذور في بعض الأزهار. فليأخذ المعماري من الباب إحساسه بالتناسب، ويترك قائمته.
وفي الباب الأخير يقول إن القصص التي يرويها الإنسان عن نفسه وعن عمله ليست هو ولا عمله، فـ"أنت أنت، والعمل هو العمل". ويُختم الكتاب بسطر واحد، "الكون لا يشرح أبداً لماذا".
ما الذي يبقى معك بعد القراءة
- اعرف في أي مرحلة عملك. في البذرة والتجريب لا تحكم، وفي الصنعة احكم، وفي الإنجاز ضع موعداً وأخرجه.
- لا تُعِد سماع المسودة ولا قراءتها إلا وأنت تحسّنها، وإن علقت في جزء فتجاوزه وأكمل الباقي.
- قارن بين خيارين لا أكثر، وأخفِ عن نفسك أيهما أيهما إن استطعت، وثق بأول ما يشدّك.
- راجع عملك بلوح نظيف، فأعطِ ملاحظاتك لغيرك، وارمِ القائمة، واسمع النسخة الجديدة كأنك تسمعها أول مرة.
- إن اختلفت مع شريكك فلا تتنازل ولا تفرض، واعملا حتى تجدا خياراً ثالثاً يفضّله الاثنان. وفي النهاية احذف أكثر مما يلزم، ثم أعد ما يستحق.
ما الذي تدعه من الكتاب؟
- روحانية بلا برهان، وأمثلة تخطئ. يقرّ روبن بأن "المبدأ يقوم على الإيمان، ولا حاجة إلى برهان"، ويضع فوق العقل نظراً روحياً واسعاً يجمعه من الزن والطاوية والبوذية دون أن يسمّيها. وهذا موقفه، يأخذه القارئ أو يدعه. أما أمثلته التي يسمّي فيها أشخاصاً ووقائع فتخطئ كثيراً، من ألفاغو إلى النسبة الذهبية وقسم أبقراط. فأرقام جون وودن، أطول سلسلة انتصارات وأكثر البطولات، هي أرقامه في كرة السلة الجامعية للرجال وحدها، ثمانية وثمانون فوزاً متتالياً وعشر بطولات في اثنتي عشرة سنة، وقد تجاوزه فريق جامعة كونيتيكت للسيدات في الاثنين، بمئة وأحد عشر فوزاً متتالياً وإحدى عشرة بطولة حتى 2016. وفرقة رامونز صارت في روايته أوسع شهرة من باي سيتي رولرز، والصحيح أنها صارت أعمق أثراً منها، ولم يبلغ ألبومها الأول مبيعاته الذهبية إلا بعد ثمانية وثلاثين عاماً. وفي باب عنوانه الأبوكريفا، أي الأخبار المنحولة، يقول هو نفسه إن قصص صنع الروائع "مبالغ فيها في الغالب، وكثيراً ما تكون خيالاً محضاً"، وقصصه أولى بهذا الحكم. وإحداها لا ينبغي أن تُتّبع بحال. يروي أن زائدته انفجرت فأصرّ الطبيب على استئصالها فوراً، فترك كتاباً ينفتح مصادفة في مكتبة، فقرأ فيه ما جعله يرفض الجراحة. وانفجار الزائدة حالة إسعافية، ومن يقلّده يعرّض حياته للخطر.
- من أي مقعد يتكلم. يقول روبن إن الفن أولاً، وإن "النجاح يحدث في خلوة الروح"، ويوصي بعمل آخر يعيلك. وهذا كلام يكتبه أحد أنجح المنتجين تجارياً، وقد لاحظت الناقدة كيتي إمباير في صحيفة الغارديان هذه المفارقة. ولا يصلح لمن يعمل لعملاء يدفعون، فالجمهور عنده لا يأتي "أخيراً". ومثله حرية الفنان المطلقة التي لا تحسب حساب الأذى، ووصفه الفنانين الكبار بأنهم أنانيون كالرضّع، ومنهم مغنٍّ يقوم عن مائدة أهله بلا كلمة إذا جاءته أغنية. يرويه روبن إعجاباً، ويقرؤه كثيرون إهمالاً.
- أطول من منهجه. لغة الكتاب واحدة من أوله إلى آخره، كثيرة التحوّط ("قد يكون من المفيد أن...")، وقصص الاستوديو فيه قليلة ومجهولة الأبطال، وقد أخذ عليه ذلك حتى من أحبّه من النقاد. وطبّق عليه ناقد صحيفة بوسطن غلوب باب التحرير القاسي، فكتب أن روبن يخفق في معياره مرتين، فالكتاب منتفخ، وقد فاته جوهره.
لمن هذا الكتاب؟
هو لكل من يصنع شيئاً ويعرضه على الناس، كاتباً كان أو موسيقياً أو مصمماً أو معمارياً أو مصوّراً أو صاحب منتج. ولمن يختلف مع شركائه على النسخة الأفضل، ولمن يراجع أعمال غيره ويريد أن ينفعهم دون أن يفسدها. وليس لمن يريد دليلاً تقنياً في التسجيل أو الكتابة، ولا لمن يبحث عن مذكرات منتج مشهور، ولا لمن يضيق بلغة المصدر والكون فلا يصبر حتى يصل إلى الطرائق.
يُقرأ هذا الكتاب حين يكون السؤال كيف ترى وكيف تحكم. فإن كانت العقبة أنك لا تجلس إلى العمل أصلاً، فالكتاب الذي تحتاجه حرب الفن. ومن أراد الإبداع ممارسة يومية تُخرج العمل إلى أناس بعينهم وجدها في كتاب الممارسة، ومن أراد أن يربّي ذوقه خطوة خطوة فليبدأ بـكيف يُكتسب الذوق؟. ولأفكار روبن الثلاث التي تصلح لكل صنعة صفحاتها، داء المسودة الأولى، والخيار الثالث، والتحرير القاسي، وتجتمع كلها في مسألة واحدة، كيف تُنهي عملاً إبداعياً عالقاً وتُخرجه إلى الناس؟.
المصدر
طبعة Penguin Press (2023)، بقصيدتها الافتتاحية، وأبوابها الثمانية والسبعين، والسطور القصيرة بينها، وتعريف المؤلف. وقد رُوجعت قصصها واقتباساتها المسمّاة على ما أتيح من مصادرها، أما قصص الاستوديو فيرويها روبن بلا أسماء فبقيت كما رواها، ولا ترجمة عربية منشورة للكتاب حتى كتابة هذه السطور.
قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.
اشترِ الكتاب من أمازونرابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.
المصادر والسياق
- Penguin Random House — صفحة الناشر ↗
- Wikipedia — Rick Rubin ↗
- MusicRadar — Rick Rubin on 60 Minutes: "I have no technical ability" ↗
- Phys.org — AlphaGo Zero learns without human games (2017) ↗
- CNN — Lee Sedol retires, citing AI (2019) ↗
- Wikipedia — Basketball winning streaks ↗
- Wikipedia — (You Make Me Feel Like) A Natural Woman ↗
- Wikipedia — Dogme 95 ↗
- Harvard Health — First, do no harm ↗
- George Markowsky — Misconceptions about the Golden Ratio (1992) ↗
- Book Marks — مراجعات الكتاب في الصحافة ↗
- The Guardian — Kitty Empire، مراجعة الكتاب (نسخة inkl) ↗
- The Irish Times — Peter Murphy، مراجعة الكتاب ↗
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
الكتاب في الشبكة
ما الذي يتّصل بهذا الكتاب
- ٣ أفكار
- مسألة واحدة

