ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 3 دقائق

داء المسودة الأولى: حين تأسرك النسخة التي ألفتها

لماذا يصير كل تعديل على مسودتك الأولى ثقيلاً كأنه خيانة لها؟ هذا داء سمّاه ريك روبن في كتاب الفعل الإبداعي، ودواؤه بسيط، ألّا تسمع عملك الناقص ولا تقرأه إلا وأنت تحسّنه.

الفكرة

أن تتعلّق بالنسخة الأولى من عملك لأنك سمعتها أو قرأتها أو رأيتها مرات كثيرة، حتى يبدو لك كل تغيير فيها خطأً، وإن كان أفضل منها.

كلما تكرّر تعرّضك لمسودة صارت في ذهنك هي الشكل النهائي، فتقيس كل نسخة جديدة بقربها منها، وتنسى أن تسأل عن جودتها. والوقاية أن تبتعد عن العمل الناقص إلا وأنت تعمل عليه، ثم أن تقارن النسختين وأنت لا تعرف أيهما القديمة.

يسجّل الموسيقي نسخة أولية من أغنيته على عجل، ثم يسمعها آلاف المرات، ويتخيّل كل ما يمكن أن تصير إليه. فإذا حان وقت النسخة الأفضل وجد المسودة قد انحفرت في رأسه، حتى صار كل تغيير فيها يبدو له "تجديفاً".

ويسمّي ريك روبن هذا في الفعل الإبداعي (داء المسودة الأولى)، وهو بالإنجليزية demo-itis، نسبةً إلى الـdemo، أي التسجيل الأولي الذي يصنعه الموسيقيون. ويعرّفه في سطر واحد، فهو أن يتشبّث الفنان بمسودته الأولى "بقوة، ولزمن أطول مما ينبغي".

ولا يصيب الداء الموسيقيين وحدهم. فالكاتب الذي قرأ فصله الأول أربعين مرة يجد كل جملة جديدة فيه نشازاً، والمصمم الذي علّق رسمه الأول على الجدار شهراً لا يرى إلا عيوب البدائل. والمعماري الذي عاش مع كتلته الأولى يقيس عليها كل اقتراح، والفريق الذي يعرض نموذجه الأولي على الإدارة كل أسبوع ينتهي إلى منتج يشبه النموذج أكثر مما يشبه حاجة الناس.

كيف تأسرك المسودة؟

يقول روبن إنه "كلما تعرّض الفنان أكثر لمسودة بعينها، صار شكلها أقرب إلى النهائي في ذهنه". فمع كل سماع تحفظ أنفاسها وأخطاءها وترددها، حتى تصير هذه كلها هي الأغنية في أذنك. فإذا جاءت نسخة أفضل بدت لك خاطئة لأنها غريبة، وإن لم تكن أسوأ.

وهذا قريب مما يسمّيه علماء النفس (أثر التعرّض المجرّد)، الذي وصفه روبرت زايونس سنة 1968، وهو أن يزيد ميلنا إلى الشيء كلما تكرّر أمامنا، وإن لم نعرف عنه شيئاً جديداً. وروبن لا يذكر هذا البحث، لكنه يصف وجهه في الصنعة، حين تتنكّر ألفتك بالمسودة في صورة حكم على جودتها.

الدواء: ابتعد عن العمل الناقص

وعلاج روبن بسيط إلى حدّ يسهل معه تجاهله: "ما لم تكن تعمل فعلاً على تحسينه، فلا تسمعه، ولا تقرأه، ولا تعزفه، ولا تنظر إليه، ولا تعرضه على أصدقائك". فاشتغل على العمل إلى أبعد ما تستطيع، ثم ابتعد عنه، ولا تعد إليه لتستمتع به أو لتطمئن. فإن لم تقبل النسخة الناقصة على أنها النسخة المعتمدة، بقي فيها مكان للنمو والتغيير.

ولهذا الدواء في كل صنعة صورة.

  • في الكتابة لا تعد قراءة الفصول المنتهية لتطمئن إليها، واقرأها حين تعود لتحرّرها.
  • في التصميم لا تجعل المسودة خلفية شاشتك، ولا تعرضها على العميل مبكراً إلا لتسأله سؤالاً محدداً.
  • في الفريق لا تعرض النموذج الأولي كل أسبوع على أنه المنتج، فيحفظه الجميع.

ويطبّق روبن الفكرة نفسها في باب آخر على الفرقة كلها، فلا يُسمعها النسخة الأولية أصلاً. يسمعها عازف واحد، الغيتار في الغالب، فيكتب الكوردات على ورقة الكلمات، ثم يؤدّي الأغنية مع المغني دون أي إيحاء بالإيقاع. فيأتي الموسيقيون بأنفسهم بدل أن يقلّدوا ما سمعوه، و"نادراً ما" يحتاجون إلى النسخة الأولى بعد ذلك.

والعكس صحيح أحياناً

ولا يجعل روبن المسودة الأولى أسوأ في كل حال. فهو يستدرك فوراً بأن الفنان قد يرسم فكرته في خمس دقائق، ثم يقضي ساعات أو سنوات يحاول أن يطوّرها، وقد تكون تلك الدقائق الخمس "أنقى تعبير عن البذرة". ولا يعرف ذلك إلا بعد أن يزيّنها أو يبتعد عنها مدة.

فالداء أن تعجز عن الحكم على مسودتك، وحبّك لها شيء آخر. والمخرج أن تقارن وأنت لا تعرف أيهما القديمة. ويقترح روبن ذلك مع موسيقيين متعصّبين للتسجيل التناظري أو الرقمي، فيسجّل بالطريقتين، ويُسمعهم النسختين دون أي إشارة إلى أيهما أيهما، "وأحياناً يفاجئهم ما يختارون". ولمسودتك الامتحان نفسه، فاطلب من غيرك أن يضع النسختين أمامك باسمَي (أ) و(ب).

وإن عدت إلى العمل بعد غياب، فراجعه بما يسمّيه روبن (اللوح النظيف). لا تمسك قائمة التعديلات وتتحقّق منها بنداً بنداً، وأعطِها لغيرك لينفّذها، ثم ارمِها، واسمع النسخة الجديدة كأنك تسمعها أول مرة.

جرّبها

اختر عملاً تشتغل عليه الآن. أسبوعاً واحداً، لا تفتحه إلا لتعمل عليه، ولا تعرضه على أحد. ثم اكتب نسخة جديدة من جزء واحد فيه، الجزء الذي لم تعد تجرؤ على لمسه، واطلب من صديق أن يعرض عليك النسختين دون أن يقول أيهما القديمة. واختر بأذنك أو عينك، لا بذاكرتك.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

داء المسودة الأولى: حين تأسرك النسخة التي ألفتها