فكرة · قراءة في 3 دقائق
التحرير القاسي: احذف أكثر مما يلزم، ثم أعد ما يستحق
طريقة ريك روبن في كتاب الفعل الإبداعي لآخر كل مشروع، وهي أن تقصّ عملك إلى ما دون طوله المطلوب بكثير حتى يبقى جوهره، ثم تعيد ما تشاء بشرط أن يجعله أفضل.
الفكرة
أن تقصّ العمل في آخره إلى ما دون حجمه النهائي، إلى نصفه أو ثلثه، لتعرف جوهره، ثم لا تعيد إليه إلا ما يجعله أفضل.
التحرير المعتاد يقصّ الزائد حتى يبلغ العمل طوله، فيبقى فيه كل ما هو جيد بما يكفي. أما الحذف إلى ما دون الطول فيكشف بنية العمل وما لا يقوم إلا به، ويقطع تعلّقك بتعب صنعه.
إن سجّلت عشرين أغنية لألبوم من عشر، فانزل بها إلى خمس، إلى "الأغاني التي لا تستطيع أن تعيش بدونها"، ولا تقف عند العشر. وإن كتبت كتاباً يزيد على ثلاثمئة صفحة، فحاول أن تجعله أقل من مئة دون أن يفقد جوهره.
هذا ما يسمّيه ريك روبن في الفعل الإبداعي (التحرير القاسي). وأكثر الناس، كما يقول، يفهمون التحرير قصّاً للشحم، أما سؤاله هو فآخر، وهو ما الذي يجب أن يبقى لكي يبقى العمل نفسه؟ والمقصود أن تقصّ العمل "إلى ما دون" طوله النهائي. فإن كان حذف خمسة في المئة يكفي ليبلغ العمل حجمه، فقد تقصّ أعمق، حتى لا يبقى إلا نصفه أو ثلثه.
المحرّر لا الناقد
يأتي التحرير القاسي في آخر المشروع، بعد أن يستنفد العمل مرحلة الإضافة. وتقوم به في نفسك ذات يسمّيها روبن (البوّاب)، تمرّ بها أخيراً كل فكرة صنعتها ذواتك الكثيرة، فتجمع وتغربل، وتضخّم الحيوي، وتنحت الزائد. و"المحرّر هو المحترف في الشاعر".
ويفرّق روبن بين هذا المحرّر والناقد الداخلي الذي يعرفه كل من صنع شيئاً، "فالناقد يشكّ في العمل ويهدمه، ويقترب منه ليفكّكه. والمحرّر يبتعد ليرى العمل كله، ويدعم ما فيه من إمكان". فالحذف القاسي حكم من مسافة، وليس فيه جلد للذات ولا للعمل. ولا يقدر عليه إلا من ترك أناه جانباً، لأن الأنا تتعلّق بالأجزاء، بالجملة التي تعبت فيها، والمقطع الذي أحبّه أصدقاؤك. ويقول روبن إن "فنانين موهوبين لا يُحسنون التحرير قد يصنعون عملاً دون مستواهم".
خمسة أسئلة لكل جزء
ويضع روبن أسئلة يُسأل بها كل عنصر في العمل:
- هل يضخّم الجوهر؟
- هل يشتّت عن الجوهر؟
- هل يخدم التوازن؟
- هل يخدم البنية؟
- هل هو ضروري تماماً؟
ما الجوهر؟
ويعرّف روبن الجوهر باختبار يأخذه من طفل يرسم بيتاً. احذف النافذة يبقَ بيتاً، واحذف الباب يبقَ بيتاً، واحذف الجدران والسقف وأبقِ النافذة والباب، فلا يعود واضحاً أنه بيت. فالجوهر ما لا يبقى العمل نفسه إن حذفته، وقد يكون فكرة، أو مبدأ يرتّب الأجزاء، أو مزاجاً، أو مادة.
ولكل عمل في نظره وعاء، أي مبدأ ناظم يقرّر ما ينتمي إليه، "فالأثاث الذي يليق بقصر قد لا يليق بدير". ومن يعمل في العمارة أو التصميم يعرف هذا، فالقطعة الجميلة قد تكون خطأً في هذا المكان بعينه.
أما العبارة التي يضعها روبن فوق باب الجوهر فلأنطوان دو سانت إكزوبيري، وقد كتبها عن تصميم الطائرات، "يبدو أن الكمال يُبلغ لا حين لا يبقى ما يُضاف، بل حين لا يبقى ما يُحذف". وكلمة (يبدو) في الأصل الفرنسي، وتسقطها الترجمة الإنجليزية التي ينقلها روبن، فتصير العبارة حكماً قاطعاً.
ثم أعد ما يستحق
وبعد الحذف قد تجد أن العمل ينجح كما هو، في أبسط صوره. وقد تريد أن تعيد بعض ما حذفت، ولا بأس، على أن تكون الإضافة، كما يقول روبن، "أكثر من أجل الأفضل، لا أكثر من أجل الأكثر". والغاية عمل "لا يمكن أن يُرتَّب بغير هذه الطريقة".
وللحذف فائدة أخرى يذكرها روبن، فهو يغيّر علاقتك بالعمل. تفهم بنيته، وتعرف ما يهمّ فيه حقاً، وتنفصل عن تعب صنعه، فتراه كما هو.
حين يُطبَّق على صاحبه
وكتاب روبن نفسه يزيد على أربعمئة صفحة، وفيه تكرار كثير، فطبّق عليه ناقد صحيفة بوسطن غلوب هذا الباب بعينه، وكتب أن روبن يخفق في معياره مرتين، فالكتاب منتفخ، وقد فاته جوهره. وليس في ذلك ما يُدين الطريقة، فهو يدلّ على أن التحرير القاسي صعب حتى على من كتب عنه، ولذلك يحتاج إلى قرار متعمّد في آخر المشروع، ولا تكفي فيه النية الحسنة.
وللطريقة حدّ لا يذكره روبن في هذا الباب، وإن استثنى في باب العظمة العمل الوظيفي، كسيارة صُمّمت لتبلغ سرعة بعينها، فلها غايات أخرى. ويصحّ أن يُمدّ هذا الاستثناء إلى الحذف أيضاً، فالعقد ودليل الاستعمال والمرجع من جوهرها أن تكون كاملة، والحذف فيها يخدم القارئ، ولا يقصّها إلى نصفها.
جرّبها
خذ عملاً أنهيته أو كدت، مقالةً أو عرضاً تقديمياً أو ملف أعمال. انسخه، وقصّ النسخة إلى ثلثها. اتركها يوماً، ثم اقرأها، واكتب ما افتقدته. أعد من ذلك ما أضعف غيابه العمل فقط، ثم اطلب من صديق أن يقرأ النسختين، دون أن يعرف أيهما الأصل، ويختار.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
