ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

كتاب · مدروس · قراءة في 29 دقيقة

العادات السبع للناس الأكثر فعالية: التغيير يبدأ من الداخل

The 7 Habits of Highly Effective People — Stephen R. Covey

ويُعرف بالعربية أيضاً باسم العادات السبع للناس الأكثر فعالية · العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية · العادات السبع للناس الأكثر فاعلية · العادات السبع · العادات السبعة

كتاب ستيفن كوفي الذي صار من أكثر كتب تطوير الذات قراءةً في العالم. سبع عادات مرتّبة، تبدأ بأن يملك المرء استجابته، وتمرّ بالعمل مع الناس على حلول لم يكن أحد يراها، وتنتهي بأن يجدّد قدرته على ذلك كله. والعادات كلها هنا بأدواتها وقصصها، من طبعة الذكرى الثلاثين.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

غلاف كتاب العادات السبع — ستيفن كوفيFikrGraphدراسة كاملة

لماذا هذا الكتاب؟

يجمع كوفي ما تفرّق في كتب تطوير الذات نظاماً واحداً، يبدأ بأن تملك نفسك، ثم يعلّمك كيف تعمل مع الناس، ثم كيف تجدّد قدرتك على الاثنين. وأدواته، من دائرة التأثير إلى مصفوفة العاجل والمهم إلى الإصغاء المتعاطف، صارت لغة يتكلمها الناس في العمل والبيت.

حكم فكرغراف

يبقى من الكتاب ترتيبه وأدواته، سبع عادات يقوم بعضها على بعض، ولكل منها أداة تُطبَّق في يومها. غير أن أساسه الفلسفي يقرّره صاحبه ولا يبرهن عليه، فالمبادئ في نظره قوانين طبيعية، وقصصه تمثّل ولا تبرهن، وبعض أشهر اقتباساته منسوب إلى غير قائله. ولذلك يحسن أن يبقى قريباً من اليد، يُرجع إليه كلما احتاج قارئه إلى أداة، وأن يُقرأ أساسه بعين ناقدة.

الفكرة المركزية

الفعالية التي تدوم تنبع من طريقة رؤيتك للأمور ومن شخصيتك نفسها، ولا تصنعها أساليب تُتعلَّم فوق الشخصية. فمن يريد أن يتغيّر ما حوله يبدأ بنفسه، فيملك استجابته ويعرف غايته ويضع الأهم أولاً، ثم يبني مع الناس ثقة تُثمر حلولاً أفضل مما يملكه كل طرف وحده، ثم يجدّد قدرته على هذا كله.

في صباح أحد هادئ في مترو نيويورك صعد رجل مع أطفاله، فجلس وأغمض عينيه، وراح الأطفال يركضون ويصرخون ويرمون الأشياء ويشدّون صحف الركاب. صبر ستيفن كوفي ما استطاع، ثم التفت إلى الرجل وقال له بهدوء إن أطفاله يزعجون الناس، فهل يضبطهم قليلاً؟ فرفع الرجل عينيه كأنه انتبه للتو، وقال بصوت خافت: "نحن عائدون من المستشفى. ماتت أمهم قبل ساعة. لا أعرف ماذا أفكّر، وأظنهم لا يعرفون كيف يتصرّفون أيضاً".

يقول كوفي إنه لم يحتج في تلك اللحظة إلى أن يضبط غضبه أو يحسّن سلوكه، فقد تغيّر ما يراه، فتغيّر ما يشعر به وما يفعله دفعة واحدة، وامتلأ قلبه بألم الرجل.

وهذه الدقيقة في المترو تختصر الكتاب. فأكثر ما يتعب الإنسان يُصلحه أن يرى الأمر رؤية أخرى، ولا يصلحه جهد أكبر ولا موقف أكثر إيجابية. وما يراه مرتبط بما هو عليه، فلا يتغيّر أحدهما طويلاً دون الآخر.

صدر الكتاب سنة 1989. كان كوفي قد درّس إدارة الأعمال سنوات في جامعة بريغهام يونغ، ثم تفرّغ لمركز أسّسه لتدريب القادة يحمل اسمه، وحين توفي في يوليو 2012، عن تسعة وسبعين عاماً، بعد أشهر من حادث سقط فيه عن دراجته، كانت مبيعات الكتاب قد تجاوزت عشرين مليون نسخة. ويروي أنه انكبّ مدةً على ما نُشر في أمريكا عن النجاح منذ سنة 1776، فلاحظ تحوّلاً. ففي المئة والخمسين سنة الأولى تقريباً كان النجاح يُردّ إلى الخُلق، إلى النزاهة والتواضع والصبر والعدل والعمل، ثم صار بعد الحرب العالمية الأولى بقليل يُردّ إلى الصورة، أي المهارات والأساليب والانطباع والتفكير الإيجابي. فسمّى الأول (أخلاق الجوهر) والثاني (أخلاق المظهر)، وكتب كتابه ليعيد الأول إلى مكانه. ولم ينشر كوفي تلك المراجعة، فلا سبيل إلى فحصها، لكن المؤرخ الأمريكي وارن سسمان وصف التحوّل نفسه في كتب النصيحة الأمريكية، من ثقافة تُعلي الخُلق والواجب إلى ثقافة تُعلي الجاذبية والحضور.

وفي طبعة الذكرى الثلاثين (2020) بقي نصّ كوفي كما هو، وأضاف إليه ابنه شون كوفي مقدمة، وصفحات في آخر كل قسم وكل عادة من قصص العائلة وأمثلة اليوم، وفي أولها تمهيد كتبه جيم كولينز، صاحب Good to Great.

الخريطة ليست الأرض

يطلب كوفي من قارئه أن يتخيّل أنه يريد الوصول إلى عنوان في وسط شيكاغو، وقد أُعطي خريطة كُتب عليها اسم شيكاغو، وهي في الحقيقة خريطة ديترويت بخطأ في الطباعة. فإن عمل على سلوكه، فاجتهد وأسرع، وصل إلى المكان الخطأ أسرع. وإن عمل على موقفه، ففكّر بإيجابية، بقي تائهاً، غير أنه لم يعد يبالي. والخلل في الحالين في الخريطة، ولا ذنب لجهده ولا لموقفه.

هذه الخرائط يسمّيها (النماذج) (paradigms)، وهي الطريقة التي نرى بها الأشياء ونفسّرها. وقلّما يعرف أحدنا أنه يحملها، فهو يظن أنه يرى العالم كما هو، وأنه موضوعي. ويستعمل كوفي لذلك صورة شهيرة تُرى فيها شابة أو عجوز. عرضها أستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفرد على طلابه، وكوفي واحد منهم، فأرى نصفهم صورة الشابة عشر ثوانٍ ونصفهم صورة العجوز، ثم عرض الصورة المزدوجة، فرأى كل فريق ما هُيّئ له، واختلفوا فيها بحرارة. وإن كانت عشر ثوانٍ تفعل هذا، فماذا تفعل بنا تنشئة العمر كله؟ ومن هنا عبارة الكتاب المعروفة: "نحن نرى العالم لا كما هو، بل كما نحن".

غير أن كوفي لا يقول بالنسبية. فوراء الخرائط أرض ثابتة يسمّيها (المبادئ)، كالعدل والنزاهة والأمانة وكرامة الإنسان والخدمة والنموّ. ويراها قوانين طبيعية في حياة الناس، ثابتة كالجاذبية، فمن اصطدم بها انكسر هو، وبقيت هي. ويفرّق بينها وبين القيم، فالقيم خرائط، وعصابة من اللصوص قد تتشارك قيماً، أما المبادئ فهي الأرض، وتحكم عواقب ما يفعله الناس شاؤوا أم أبوا.

ويضيف إليها قانون الحصاد. فالطالب يستطيع أن يحفظ دروسه في ليلة الامتحان وينجح، لأن المدرسة نظام مصطنع، أما الفلاح فلا يستطيع أن يزرع حقله في ليلة الحصاد. والعلاقات حقول، والنموّ فيها مراحل لا تُقفَز.

ومن قصصه في هذا الباب قصة ابنته في حفلة عيد ميلاد. رفضت الطفلة ذات السنوات الثلاث أن تشارك ألعابها، والآباء ينظرون، وأبوها يدرّس العلاقات الإنسانية في الجامعة. فطلب منها، ثم حاول إقناعها، ثم رشاها بالعلكة، ثم هدّدها، ثم أخذ بعض الألعاب وأعطاها للأطفال. ويعترف بعد ذلك بأنه كان يهتم برأي الآباء فيه أكثر من نموّ ابنته، وأنه حين لم يملك الصبر استعار القوة من موقعه وسلطته. ومن هذا يستخلص أن القوة المستعارة تصنع الضعف، في المستعير، وفيمن أُجبر، وفي العلاقة بينهما.

الإوزة والبيض الذهبي

ويعرّف كوفي الفعالية بحكاية من حكايات إيسوب. فلاح فقير وجد في عشّ إوزته بيضة من ذهب، ثم صار يجد كل صباح بيضة، فاغتنى، ثم طمع وضاق صبره، فذبح الإوزة ليأخذ البيض كله مرة واحدة، فلم يجد شيئاً، وخسر المصدر.

فالفعالية في نظره توازن بين الإنتاج، وهو البيض، والقدرة على الإنتاج، وهي الإوزة. والآلة التي تشغّلها بلا صيانة، والمال الذي تنفق من أصله، والزواج الذي تأخذ منه ولا تعطيه، والطفل الذي تفرض عليه ترتيب غرفته بالصراخ حتى يكره الترتيب، كلها بيض اليوم على حساب إوزة الغد. ويوصي الشركات بأن تعامل موظفيها كما تريد منهم أن يعاملوا أفضل زبائنها، فيد الإنسان تُشترى، وقلبه لا يُشترى.

سبع عادات في ترتيب واحد

العادة عند كوفي ملتقى ثلاثة أشياء، المعرفة (ماذا يفعل المرء ولماذا)، والمهارة (كيف يفعله)، والرغبة (أن يريد فعله). فقد لا يعرف المرء أنه يحتاج إلى الإصغاء، وقد يعرف ولا يُحسنه، وقد يعرف ويُحسن ولا يريد. ولا تصير عادة حتى تجتمع الثلاثة.

ويرتّب العادات السبع على سلّم النضج. في أوله الاعتماد على الآخرين، وصاحبه يقول "أنت تعتني بي، وأنت المسؤول عن النتائج"، وفي وسطه الاستقلال، وصاحبه يقول "أنا أستطيع، أنا مسؤول"، وفي أعلاه الاعتماد المتبادل، وصاحبه يقول "نحن نستطيع معاً ما لا يستطيعه أحدنا".

  • العادات الثلاث الأولى هي الانتصار الخاص، أن يملك الإنسان نفسه، فينتقل من الاعتماد إلى الاستقلال.
  • والثلاث التالية هي الانتصار العام، أي العمل مع الناس، وهو لا يقوم إلا على الأول.
  • والسابعة تحيط بها كلها، لأنها تجدّد القدرة على الست.

وحجّته في الترتيب أن "الاعتماد المتبادل خيار لا يملكه إلا المستقلون"، فمن لا يملك نفسه لا يملك ما يقدّمه لغيره. غير أنه يستدرك استدراكاً تُسقطه أكثر الملخّصات، فلا يعني هذا عنده أن تُتقن العادات الثلاث الأولى قبل أن تعمل على غيرها، ولا أن تعتزل الناس سنوات.

الانتصار الخاص

العادة الأولى: كن مبادراً

يبدأ كوفي بفيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الذي فقد أباه وأمه وأخاه وزوجته في معسكرات النازية. ففي المعسكر، كما كتب فرانكل في Man's Search for Meaning، لم يبقَ له مما لا يُنتزع إلا "آخر الحريات الإنسانية، أن يختار موقفه في أي ظرف". وكان يستحضر صورته محاضراً في قاعة دافئة عن نفسية السجين، فيصير عذابه موضوعاً يدرسه.

وعلى هذه الحرية يبني كوفي العادة، فبين ما يحدث لنا وما نفعله ردّاً عليه مسافة، وفي هذه المسافة حريتنا. ويفرّق بين الحرية الخارجية، أي الخيارات المتاحة، والحرية الداخلية، أي القدرة على الاختيار بينها. ففي المعسكر كانت الأولى بيد السجّانين، وكانت الثانية في يد فرانكل أوفر منها في أيديهم.

أما العبارة الذائعة "بين المثير والاستجابة فسحة، وفي هذه الفسحة قدرتنا على اختيار استجابتنا" فليست لفرانكل، وإن نُسبت إليه في كل مكان، وقد قرأ كوفي الفكرة في كتاب لم يحفظ اسمه. وقصة أصلها في صفحة الفسحة بين المثير والاستجابة.

والمبادرة عنده أن تكون مسؤولاً عن حياتك، فـ"سلوكنا نتيجة قراراتنا لا ظروفنا". والمسؤولية في الإنجليزية responsibility، فيقسمها كوفي إلى response-ability، أي القدرة على اختيار الاستجابة. أما الإنسان المنفعل فطقسه من طقس السماء، يسعد إذا صحت ويكتئب إذا أمطرت، ويرضى إذا أحسن الناس معاملته ويغضب إذا أساؤوا. والمبادر يحمل طقسه معه.

ويعطي كوفي قارئه أداتين يعرف بهما أين يقف.

الأولى لغتك. فعبارات مثل "هذا طبعي" و"هو الذي يغضبني" و"ليس عندي وقت" و"لو كانت زوجتي أصبر" و"يجب أن أفعل" تنقل المسؤولية كلها إلى غيرك، والإنسان يصدّق ما يقوله عن نفسه حتى يصيره. ويضع كوفي في مقابلها "لننظر في البدائل" و"أستطيع أن أجرّب طريقة أخرى" و"أنا أختار". وحين قال له طالب إنه "مضطر" إلى الغياب عن محاضرته ليسافر مع فريق التنس، سأله أمضطر هو أم يختار، ثم بيّن له أن "مضطر" تخفي اختياراً بين عاقبتين.

الثانية دائرتان. ارسم دائرة كبيرة فيها كل ما يشغلك، صحتك، وأولادك، ومشكلات عملك، وأحوال بلدك، وهذه دائرة الاهتمام. وارسم داخلها دائرة أصغر فيها ما تستطيع أن تفعل فيه شيئاً، وهي دائرة التأثير. فالمنفعل يصرف طاقته في الكبيرة، في ضعف الآخرين وظروف لا يملكها، فيلوم ويشكو، فتضيق دائرة تأثيره. والمبادر يصرفها في الصغيرة، فتتسع. ويقسّم كوفي المشكلات ثلاثة أقسام، ما تملكه مباشرة، وهو سلوكك، وما تملكه بطريق غير مباشر، وهو سلوك غيرك، وتؤثّر فيه بطريقتك في التأثير، وما لا تملكه، كالماضي والوقائع الثابتة، وهذا تتعلّم أن تتقبّله بهدوء.

ومن أمثلته رئيس شركة متسلّط يعامل مديريه كأنهم سعاة، فيقضون وقتهم في الممرّات يشكونه، إلا واحداً منهم. فقد سدّ هذا نقص الرئيس، وعمل مع نقاط قوته، وصار يأتيه بالمعلومة ومعها التحليل والتوصية. فصار الرئيس يقول للجميع "افعلوا هذا"، ولهذا الرجل وحده "ما رأيك؟". ثم صار لا يُقدم أحد في الشركة على أمر كبير دون أن يستشيره، والرئيس نفسه منهم، ومنصبه هو هو.

ويلخّص كوفي الفرق بين صنفين من الناس. فـ(أصحاب الامتلاك) يقولون "سأسعد حين أسدّد ثمن بيتي، أو حين يكون لي مدير أقلّ تسلّطاً، أو زوج أصبر"، و(أصحاب الكينونة) يقولون "أستطيع أن أكون أصبر وأحكم". ويستشهد بقصة يوسف عليه السلام كما ترويها التوراة، فقد بيع عبداً في مصر، ثم سُجن ظلماً، فاشتغل في كل موضع بما يملكه، حتى صار الثاني في مصر بعد فرعون.

وفي قلب دائرة التأثير قدرة واحدة، أن تَعِد وتفي. تبدأ بوعود صغيرة لنفسك، ثم بأكبر منها، حتى "يصير شرفك أكبر من مزاجك". ويختم كوفي العادة باختبار ثلاثين يوماً، لا تعمل فيها إلا في دائرة تأثيرك، ولا تجادل عن ضعف غيرك ولا عن ضعفك، وتعترف بخطئك فوراً، وكلما خطر لك أن المشكلة "هناك" فاعلم أن هذه الفكرة هي المشكلة.

ومن أشهر صفحات العادة رجل قال لكوفي إن الحب ذهب من زواجه. فقال له كوفي: "أحبّها". فاعترض الرجل بأن الشعور لم يعد موجوداً، فقال له: "فهذا سبب وجيه لتحبّها". فالحب في الأصل فعل، أن تخدم وتضحّي وتصغي وتقدّر، والشعور ثمرة الفعل.

العادة الثانية: ابدأ والغاية في ذهنك

يفتتح كوفي العادة بتمرين. يطلب منك أن تختلي بنفسك، وتتخيّل أنك تدخل قاعة عزاء فتجد أنه عزاؤك أنت، بعد ثلاث سنوات من اليوم. سيتكلم فيه أربعة، واحد من عائلتك، وصديق، وزميل من عملك، وواحد من جماعة خدمتَها. فماذا تريد أن يقول كل منهم عنك؟ وأي شخص يصفون، وأي أثر تركت في حياتهم؟

وما تريد أن يُقال يومها هو تعريفك الحقيقي للنجاح، وقد لا يكون فيه مال ولا شهرة، وبه ينبغي أن يُقاس اليوم الذي تعيشه. فالإنسان قد يكون "مشغولاً جداً دون أن يكون فعالاً"، يصعد السلّم بنشاط، ثم يكتشف في القمة أنه كان مسنداً إلى الجدار الخطأ.

والمبدأ الذي تقوم عليه العادة أن كل شيء يُخلق مرتين. فالبيت يُصمَّم بتفاصيله على الورق قبل أن يُحفر له الأساس، والنجّار يقيس مرتين ويقطع مرة، والمشروع يُعرَّف بسوقه ومنتجه قبل أن يُموَّل. وحياتك كذلك، فإن لم تكتب خلقها الأول بنفسك، كتبه غيرك، من عادات عائلتك وتوقّعات الناس وظروفك.

ويفرّق هنا بين القيادة والإدارة. فالإدارة تسأل كيف تُفعل الأشياء على أحسن وجه، والقيادة تسأل ما الأشياء التي ينبغي أن تُفعل. ويصوّر ذلك بفريق يشقّ طريقه في غابة بالمناجل، والمديرون خلفهم يشحذون المناجل ويكتبون كتيّبات الإجراءات ويضعون الجداول، فيصعد القائد أعلى شجرة وينظر حوله ويصيح "الغابة الخطأ!"، فيردّون عليه "اسكت، نحن نتقدّم!".

وأداة العادة رسالة شخصية، أو دستور شخصي، تكتب فيه ما تريد أن تكونه، وما تريد أن تفعله، والمبادئ التي يقوم عليها الأمران. ولا يُكتب في ليلة، فهو يحتاج إلى تأمل ومسودات كثيرة، وقد يأخذ أسابيع، ثم تراجعه مع السنين. ويقول كوفي إن الكتابة نفسها تغيّرك بقدر ما يغيّرك النص. ويقترح أن تقسمه على أدوارك (فرداً، وزوجاً، وأباً أو أماً، وفي عملك، وفي مجتمعك)، وأن تضع لكل دور هدفين أو ثلاثة.

ويطرح بعد ذلك سؤالاً من أذكى ما في الكتاب، ما الذي في مركز حياتك؟ فما في المركز يصير مصدر أمانك وتوجيهك وحكمتك وقوتك. وقد يكون المركز الزوج، أو العائلة، أو المال، أو العمل، أو الممتلكات، أو اللذة، أو الأصدقاء، أو حتى العدو. ويروي عن صديق أستاذ جامعي شغلته عيوب مسؤول إداري في جامعته حتى أفسدت عليه علاقته بأهله وزملائه، وقرّر أن يترك الجامعة كلها، فسأله: "لماذا جعلت هذا الرجل مركز حياتك؟". وكل مركز من هذه يتبدّل أو يخذل صاحبه، وتبقى المبادئ في نظره وحدها على حالها.

ويختبر ذلك بموقف واحد. عندك تذكرتان لحفل موسيقي الليلة مع زوجتك، وطلب منك مديرك في الرابعة عصراً أن تبقى لتحضّر اجتماع الغد. فمن كان العمل مركز حياته قد يبقى ليكسب رضا مديره، ومن كان المال مركزه قد يبقى للأجر الإضافي، ومن كانت اللذة مركزه يذهب إلى الحفل وإن رضيت زوجته ببقائه، ومن جعل خصمه مركزه يبقى ليسبقه. ويرى كوفي أن الذهاب أو البقاء جزء صغير من القرار. فصاحب المبادئ قد يبقى وقد يذهب، لكنه يختار بنفسه بعد أن يزن حاجات العمل والبيت معاً، ويعرف لماذا اختار، ويستطيع أن يشرح قراره لزوجته ولمديره.

وللمؤسسات في هذه العادة درس قصير، فالرسالة التي يكتبها كبار المديرين خلف الأبواب لا يعيشها أحد، و"بلا مشاركة لا التزام". ويروي كوفي عن فندق كتب كل فريق فيه رسالته، من عاملات الغرف والنادلات إلى موظفي الاستقبال، فرأى فيه عاملاً على سلّم عالٍ يمسح زجاج البهو ينزل ليساعد امرأة تتعثّر بمشّايتها في الحديقة، ثم يعود إلى عمله.

العادة الثالثة: ابدأ بالأهم قبل المهم

يطلب كوفي في أول العادة أن يكتب القارئ أمرين، شيئاً في حياته الشخصية وشيئاً في عمله، لو فعل كلاً منهما بانتظام لتغيّر تغيّراً كبيراً. ولا يكشف إلا بعد صفحات لماذا لم يفعلهما، فهما مهمّان، وليس فيهما ما يستعجله.

فالأعمال عنده تُقاس بمقياسين، العاجل، وهو ما يطلب انتباهك الآن ويضغط عليك، والمهم، وهو ما يخدم رسالتك وأهدافك الكبرى. ومنهما تخرج أربعة أرباع.

  • عاجل ومهم، كالأزمات والمشكلات الملحّة والأعمال التي حلّ موعدها.
  • مهم غير عاجل، كالوقاية والتخطيط وبناء العلاقات والرياضة والاستعداد واكتشاف الفرص.
  • عاجل غير مهم، كالمقاطعات وبعض المكالمات والرسائل والاجتماعات، وأكثر ما يطلبه منك غيرك.
  • لا عاجل ولا مهم، كالتفاهات وما يُضيع الوقت.

ويكفي مثال الهاتف ليُري سلطان العاجل، فالضيف الذي قطع المسافة إليك ينتظر ربع ساعة حتى تنتهي المكالمة، والمتصل قلّما يُطلب منه أن ينتظر. ومن يعيش في الربع الأول يغرق، فكلما قام من موجة ضربته أخرى، حتى يقضي فيه أكثر وقته، ثم يهرب إلى الربع الرابع ليرتاح. أما الربع الثاني فهو قلب العادة، ووقته يُؤخذ أولاً من الثالث والرابع، ثم يصغر الأول نفسه لأن الوقاية تمنع الأزمات قبل أن تقع.

وتُعرف المصفوفة اليوم باسم (مصفوفة أيزنهاور)، والكتاب لا ينسبها إليه. فالتمييز بين العاجل والمهم أقدم من كوفي، والمربعات الأربعة هو الذي نشرها، كما في صفحة العاجل ليس مهماً.

ولا يجد المهم وقته حتى تتعلّم أن تردّ أشياء جيدة، وهذا يحتاج في رأي كوفي إلى "نعم" أكبر في داخلك. ويروي أن زوجته ساندرا قبلت مكرهة رئاسة لجنة لم تُرِدها، ثم اتصلت بصديقة تطلب منها المشاركة، فاعتذرت الصديقة بلطف ودفء، ولم تعتذر عن اعتذارها، فقالت ساندرا: "ليتني قلت ذلك". وحين كان كوفي مديراً لعلاقات جامعة كبيرة، طلب من كاتب موهوب منضبط يعمل معه أن يترك ما في يده لأعمال مستعجلة، فأراه الكاتب لوحاً عليه أكثر من عشرين مشروعاً متفقاً عليها بمعاييرها ومواعيدها، وسأله: "أيّها تريدني أن أؤجّل أو أُلغي؟". فتراجع كوفي، وأعطى العمل لغيره. وهذا معنى قوله، وهو يقلب مثلاً شائعاً، إن "عدوّ الأفضل كثيراً ما يكون الجيد".

أما التخطيط فيجعله كوفي أسبوعياً، لأن اليوم يضيق حتى لا يُرى فيه إلا العاجل، ويمضي به في أربع خطوات. تكتب أدوارك هذا الأسبوع، وتختار لكل دور هدفاً أو هدفين، وتضع كل هدف في موعد محدد من أيام الأسبوع، ثم تراجع كل صباح يومك وتعدّله. وجملته في ذلك: "المهم ليس أن ترتّب أولويات ما في جدولك، بل أن تضع أولوياتك في جدولك". ويقترح أن يكون التخطيط في يوم له عندك معنى خاص، وأن يبقى في الأسبوع فراغ للمفاجآت وللناس.

ويصحّح كوفي ما قد يُفهم من صرامته، فالجدول خادم، وصاحبه سيده. ويحكي عن أحد أبنائه، خطّط يومه بالدقيقة، ووضع فيه مكالمة من عشر دقائق أو ربع ساعة ليُنهي علاقته بصديقته، فطالت المكالمة ساعة ونصفاً، ولم تكفِ. والقاعدة في ذلك "الكفاءة مع الأشياء، والفعالية مع الناس".

وفي العادة قصة عن التفويض تستحق أن تُروى كاملة. يفرّق كوفي بين تفويض (الساعي)، وفيه تقول للشخص افعل هذا ثم هذا وأخبرني، وتراقب طريقته، وتفويض (الأمانة)، وفيه تتفق معه على النتيجة وتترك له الطريقة. والاتفاق في خمسة أمور، النتيجة المطلوبة، والحدود، وأهمها ما لا يُفعل، والموارد، والمحاسبة، والعواقب.

وقد سلّم كوفي حديقة البيت لابنه ستيفن وهو في السابعة. أراه حديقة الجيران وقال إن هذا هو المطلوب، "خضراء ونظيفة"، وإن له أن يفعلها بأي طريقة، إلا أن يطليها بالأخضر. ونظّفا نصف الحديقة معاً ليرى الفرق، واتفقا على أن الابن هو المسؤول، وأن الأب مساعده "حين يجد وقتاً" ويأخذ الأوامر منه، وأنهما سيمشيان في الحديقة مرتين في الأسبوع ليحكم الابن على عمله بنفسه.

ومرّت أربعة أيام لم يفعل الولد فيها شيئاً، والحديقة تصفرّ تحت شمس يوليو، وكوفي يقاوم رغبته في أن يأمره. وحين جاء موعد الجولة بكى الولد: "إنه صعب جداً يا أبي!". فسأله أبوه: "هل أستطيع أن أساعدك؟"، فطلب منه أن يلتقط بقايا الشواء. ومنذ ذلك المساء صارت الحديقة أخضر وأنظف مما كانت في يد أبيه. ويقول كوفي: "الثقة أعلى درجات الدافع عند الإنسان".

الانتصار العام

الحساب العاطفي

قبل العادات الثلاث التالية يضع كوفي صورة يقوم عليها كل ما بعدها. فلكل علاقة حساب كحساب البنك، رصيده الثقة. تودع فيه بالإحسان والصدق والوفاء بالوعد، وتسحب منه بالإساءة والإهمال والغضب والوعد المخلوف. فإن ارتفع الرصيد سهل الكلام وغُفر الخطأ، وإن نفد صار كل حديث مشياً في حقل ألغام.

ويذكر كوفي ستة إيداعات، أن تفهم الشخص، فما تراه إيداعاً قد يراه هو سحباً؛ وأن تهتم بالصغائر، "ففي العلاقات الصغائر هي الكبائر"؛ وأن تفي بوعدك؛ وأن توضّح التوقّعات من البداية، فأكثر الخلافات تأتي من توقّعات غامضة أو متعارضة؛ وأن تكون نزيهاً، ومن النزاهة الوفاء للغائبين، فمن يغتاب أمامك يغتابك أمام غيرك؛ وأن تعتذر صادقاً حين تخطئ.

ومن قصصه أنه غطّى ابنه شون النائم بمعطفه في السيارة، وكان في الرابعة، فبكى أخوه ستيفن ابن السادسة عند النوم وسأله: "يا أبي، لو كنت أنا بردان، هل كنت ستغطيني بمعطفك أيضاً؟". ورفض ابنه ديفيد اعتذاره مرة، وقال: "لأنك فعلت الشيء نفسه الأسبوع الماضي". فالاعتذار الذي يتكرّر يصير سحباً، و"لا تستطيع أن تتكلم لتخرج من مشكلة دخلتها بسلوكك".

العادة الرابعة: فكّر بمنطق المكسب للطرفين

يبدأ كوفي العادة برئيس شركة شكا إليه أن مديريه أنانيون لا يتعاونون. وكان في مكتبه، خلف ستارة، لوحة سباق خيل على كل حصان فيها صورة مدير، وفي آخرها ملصق رحلة إلى برمودا. وكان يعظهم كل أسبوع في التعاون، ثم يسألهم من منهم سيفوز بالرحلة، كمن يطلب من زهرة أن تنمو، كما يقول كوفي، وهو يسقي غيرها.

ويعدّ كوفي ستة أنماط للتعامل، أكسب وتكسب، وأكسب وتخسر، وأخسر وتكسب، ونخسر معاً، وأكسب وحدي ولا يعنيني غيري، وأكسب وتكسب أو لا اتفاق. وأفضلها في رأيه "يتوقّف على الموقف"، فالرياضة تنافس، وفي الطوارئ تنقذ ابنك أولاً، وقد تتنازل في أمر صغير لأن العلاقة أعزّ عليك منه. غير أن أكثر الحياة علاقات مستمرة، وفيها يرتدّ كل كسب على حساب الآخر خسارة، فالمورّد الذي غلب زبونه في صفقة قد لا يرى منه صفقة أخرى.

والمكسب للطرفين شيء غير اللطف والتنازل، يقوم على نضج يسمّيه كوفي توازناً بين الشجاعة والمراعاة، أن تقول ما تريد وما تراه، وأن تراعي ما يريده غيرك ويراه. فالشجاعة بلا مراعاة تصنع "أكسب وتخسر"، والمراعاة بلا شجاعة تصنع "أخسر وتكسب"، والاثنتان معاً تصنعان "أكسب وتكسب". وحين قال له رئيس سلسلة متاجر إنه دخل مفاوضات الإيجار مع ملّاك المراكز التجارية بنيّة المكسب للطرفين، فرأوا فيه ليناً واستغلّوه، سأله كوفي: "فلماذا اخترت أخسر وتكسب؟". فما فعله الرجل تنازلٌ سمّاه بغير اسمه.

ويقوم ذلك كله على عقلية الوفرة، أن ترى في الحياة ما يكفي الجميع، فلا تراها كعكة واحدة كلما أخذ غيرك منها نقص نصيبك. أما صاحب عقلية الندرة فيصعب عليه أن يشارك الفضل، وأن يفرح لنجاح غيره، حتى من أهله، حتى إنه قد يتمنّى في سرّه أن يتعثّر الآخرون قليلاً ليبقوا في أماكنهم.

وأحرّ ما في العادة خيار "لا اتفاق". فإن لم يجد الطرفان ما ينفعهما معاً اتّفقا على ألّا يتّفقا، دون خصومة. ومن كان هذا في ذهنه تحرّر، فلا يحتاج أن يضغط ولا أن يتلاعب. ويحكي كوفي عن شركة برمجيات صغيرة في ضائقة مالية، أعاد صاحبها إلى بنك عقداً قيمته 84 ألف دولار، وأعاد معه العربون، حين قال له رئيس البنك الجديد إن موظفيه لا يحتملون الانتقال إلى النظام، وكان القانون في صفّه. وبعد ثلاثة أشهر اتصل به الرئيس نفسه، ووقّع معه عقداً بمئتين وأربعين ألفاً.

ويقول كوفي جملة يعرفها كل من أدار فريقاً: "إذا تكلمت بالمكسب للطرفين وكافأت على الغلبة، فبرنامجك خاسر". فالناس يفعلون ما يُكافأون عليه. وفي متجر شكا صاحبه من بائعيه، اكتشف كوفي أن رؤساء الأقسام يقفون عند الصندوق في الأوقات الهادئة ويأخذون المبيعات كلها، ويتركون للبائعين الترتيب والتنظيف. فلما تغيّر نظام الأجر ليكسب الرئيس حين يبيع موظفوه، انتهت المشكلة في يوم، ولم تبقَ حاجة إلى التدريب.

العادة الخامسة: احرص على أن تفهم أولاً ثم أن تُفهم

يفتح كوفي العادة بطبيب عيون يسمع مريضه قليلاً، ثم يناوله نظارته لأنها تنفعه هو منذ عشر سنين، فإذا لم يرَ بها المريض شيئاً أمره أن يحاول أكثر ويفكّر بإيجابية، ثم اتّهمه بالجحود. وعلى هذا النحو يعامل أكثر الناس من يحدّثهم بمشكلته، فيناولونه نظاراتهم.

ذلك أن أكثرهم، كما يقول كوفي، يصغي ليردّ، والفهم غائب عن إصغائه. فيقرأ السامع سيرته في حياة غيره، ويجيب بواحد من أربعة ردود، فيقيّم موافقاً أو مخالفاً، أو يستجوب من زاويته هو، أو ينصح من تجربته، أو يفسّر دوافع محدّثه بدوافعه. (شخّص قبل أن تصف)

ويكتب كوفي حواراً واحداً بين أب وابنه في الثانوية ثلاث مرات، وفي أوله يقول الابن: "لقد سئمت يا أبي، المدرسة لا تنفع في شيء!". ففي المرة الأولى يسأله الأب ما الخطب، ويحكي له أنه شعر بالشيء نفسه في سنّه، ويستخفّ برغبته في أن يصير ميكانيكياً، ويذكّره بما ضحّى به هو وأمه، فينتهي الحوار والابن يقول إنه لا يريد أن يتكلم. وفي الثانية يعيد كوفي الحوار نفسه، ويكتب بين قوسين ما يدور في رأس الابن بعد كل جملة، كقوله في نفسه "ها قد بدأ الفصل الثالث من سيرة أبي"، و"لن يحبني لو صرت ميكانيكياً". وفي الثالثة يصغي الأب، ويردّ على المضمون والشعور معاً بقوله "أنت محبط من المدرسة"، فيتكلم الابن حتى يبلغ ما لم يقله في المرتين الأوليين، وهو أن اختبار قراءة أظهر أنه في مستوى الصف الرابع، وهو في الحادي عشر. وعندها يسأل هو أباه: "ماذا تراني أفعل يا أبي؟".

فالمدرسة لم تكن موضع الداء، وإنما كان الابن متأخراً في القراءة يخاف أن يرسب، وقد ذهبت نصائح المرة الأولى كلها إلى مشكلة غير موجودة. ويرتّب كوفي الإصغاء على أربع درجات، أن تكرر كلام الآخر، ثم أن تعيد مضمونه بكلماتك، ثم أن تسمّي شعوره، ثم أن تجمع المضمون والشعور. وما دام الحديث منطقياً فلك أن تسأل وتنصح، فإن صار انفعالياً فارجع إلى الإصغاء، وهذه قاعدة قلّما تبقى في ملخّصات الكتاب.

وهذه الطريقة في جوهرها طريقة عالم النفس كارل روجرز وزميله ريتشارد فارسون في (الإصغاء النشط). غير أن كوفي لا يذكر روجرز في هذا الفصل، ويجعل الإصغاء النشط أدنى الدرجات، ويصفه بأنه ترديد للكلام، مع أن روجرز نفسه كان ينهى عن الترديد الآلي ويشترط الصدق، وهو ما يشترطه كوفي.

ولماذا ينجح هذا؟ لأن "الحاجة المشبعة لا تحرّك"، وهي فكرة عالم النفس أبراهام ماسلو، وإن لم يسمّه كوفي. فلو سُحب الهواء من الغرفة لما فكّرت إلا في الهواء، وأن يُفهم الإنسان أعظم حاجاته بعد البقاء، فهو هواؤه النفسي. فإذا أعطيته إياه صار مستعداً لأن يسمعك.

وللعادة نصف ثانٍ، هو أن تُفهم. وفيه يستعير كوفي من اليونان ثلاث كلمات، الإيثوس والباثوس واللوغوس، أي الثقة بشخصك، ثم فهمك لمشاعر من تخاطبه، ثم منطق عرضك. وأكثر الناس يبدؤون بالمنطق. ووصيته العملية أن تعرض رأي الطرف الآخر كما يعرضه أصحابه أو أحسن، ثم تعرض رأيك. والكلمات الثلاث هي طرائق الإقناع عند أرسطو، لكن هذا الترتيب لكوفي، والعاطفة عند أرسطو عاطفة السامع، وكوفي يجعلها تعاطف المتكلم.

العادة السادسة: التكاتف

التكاتف (synergy) أن يكون الكل أكبر من مجموع أجزائه. ويراه كوفي ثمرة العادات كلها، ففيه تجتمع ثقة الحساب العاطفي، ونية المكسب للطرفين، ومهارة الإصغاء، على مشكلة صعبة، فتُخرج حلاً لم يكن في يد أحد.

ويرتّب التواصل على ثلاث درجات بحسب الثقة. أدناها الدفاع، بلغة المحامين واحتياطاتهم ومخارجهم. وأوسطها الاحترام، وفيه أدب وفهم عقلي، ونهايته التسوية، يتنازل فيها كل طرف عن شيء، أي أن "واحداً وواحداً يساويان واحداً". وأعلاها التكاتف، وفيه حل أفضل مما اقترحه كل طرف، يعرف الجميع أنه كذلك، فالواحد والواحد هنا قد يصيران ثمانية أو ستة عشر أو ألفاً وستمئة.

ومثاله زوج خطّط طوال السنة لأسبوع صيد في البحيرات مع أبنائه، وحجز البيت والقارب، وزوجة تريد أن تقضي الأسبوع نفسه مع أمها المريضة، على بعد أربعمئة كيلومتر. ويتصاعد الخلاف حتى تقول هي "أمي أهم من الصيد"، ويقول هو "زوجك وأبناؤك أهم من أمك". ولو اقتسما الأسبوع لخرج كل منهما مذنباً، ولو تنازل أحدهما لحمّل الآخر ذلك سنين. أما إن كانت الثقة بينهما عالية، وأصغى كل منهما إلى الآخر حتى يفهم ما وراء موقفه، فإنهما ينتقلان من الجلوس متقابلين إلى الجلوس جنباً إلى جنب ينظران إلى المشكلة، فتظهر حلول لم تكن على الطاولة، كأن تزور أمها في عطلة أخرى من الشهر ويرعى هو البيت، أو أن يصطادوا قرب بيت أمها مع الأقارب.

ويختصر كوفي موقف المتكاتف في عبارة: "جيد! أنت ترى الأمر بطريقة أخرى، ساعدني أن أرى ما تراه". فلو كان رأي الاثنين واحداً لكان أحدهما زائداً. والاختلاف في نظره معلومة يُنتفع بها، لأن الواحد منا يرى دائماً جزءاً من الصورة.

ومن أدواته تحليل قوى المجال الذي وضعه عالم النفس الاجتماعي كورت لوين. فكل وضع قائم توازن بين قوى تدفعه إلى الأمام وقوى تكبحه، والضغط على الدافعة وحدها كالضغط على نابض، يعود الوضع بعده إلى ما كان. والأجدى أن تعمل مع الناس على القوى الكابحة نفسها، فتتكلمون عنها بأمان، وتُرخونها. ومن قصصه في ذلك مطوّر عقاري وبنك وصلا إلى المحاكم. جلس كوفي معهما في الثامنة صباحاً، وقد ألزم محامي البنك موظفيه بألا يتكلموا، فكتب على السبورة مخاوف البنك أولاً، حتى انفتح موظفو البنك وتكلموا رغم المحامي، ثم كتب مخاوف المطوّر. وقبل الواحدة ظهراً خرج الطرفان بخطة مشتركة، وتوقّفت القضية.

التجدّد: العادة السابعة، اشحذ المنشار

رجل يقطع شجرة منذ خمس ساعات وقد أنهكه التعب. تسأله لماذا لا يتوقّف دقائق ليشحذ المنشار، فيقول: "ليس عندي وقت، أنا مشغول بالقطع!".

والعادة السابعة هي الإوزة نفسها، أن تحافظ على أثمن ما تملك، وهو أنت. وتجدّد نفسك في أربعة أبعاد، الجسد بالغذاء والراحة والرياضة، والروح بما يجدّد صلتك بقيمك ومعناك، وكان كوفي يتأمل نصوصه المقدسة كل صباح، والعقل بالقراءة والكتابة والتخطيط مكان ساعات التلفاز، والعلاقات بالإصغاء والخدمة. وهذا البعد الأخير لا يحتاج وقتاً منفصلاً، فهو يُمارس في كل تعامل.

ويقترح كوفي ساعة كل يوم للأبعاد الثلاثة الأولى، يسمّيها (الانتصار الخاص اليومي)، ويستشهد بقول مأثور، "الحروب تُكسب في خيمة القائد". ومما ينقله قصة الكاتب الأمريكي آرثر غوردون، وقد أحسّ أن قلمه جفّ، فلم يجد فيه الطبيب علّة، وأرسله يوماً كاملاً إلى المكان الذي كان أسعد أماكنه وهو طفل، وكان الشاطئ، لا يكلّم فيه أحداً ولا يقرأ ولا يكتب. وأعطاه أربع وصفات يفتح كل واحدة منها في ساعة من النهار، "أصغِ جيداً"، ثم "حاول أن تعود إلى الوراء"، ثم "افحص دوافعك"، ثم "اكتب همومك على الرمل".

والتجدّد كله يعمل في دوائر صاعدة، تتعلّم، ثم تلتزم، ثم تفعل، ثم تتعلّم من جديد. والضمير هو الذي يوجّه الدائرة، فينبغي أن يُغذّى بما يرفعه ويُحمى مما يطفئه.

من الداخل إلى الخارج، مرة أخرى

يختم كوفي الكتاب بقصة يرى فيها خلاصته. قضى سنة إجازة علمية في هاواي، وكان يركب كل يوم قبيل الظهر مع زوجته ساندرا دراجة نارية قديمة بين حقول قصب السكر، ومعهما طفلاهما الصغيران، فيتحدثان نحو ساعة، ثم يتغدّون على شاطئ خالٍ يلهو فيه الطفلان ويواصل هو وساندرا الحديث، ساعتين على الأقل كل يوم، سنة كاملة. وتعمّق الحديث حتى صار عن نشأتهما ومخاوفهما، واتفقا على قاعدتين، ألّا يستجوب أحدهما الآخر حين يفتح له جرحاً، ويكتفي بالإصغاء، وأن يتوقّفا حين يشتدّ الألم ويعودا حين يستعدّ صاحبه.

وكان بينهما خلاف قديم يبدو تافهاً. فساندرا لا تشتري إلا أجهزة فريجيدير، وكانت تصرّ، وهما في أول زواجهما وميزانيتهما ضيقة، على أن يقطعا ثمانين كيلومتراً إلى المدينة لشرائها، وتدافع عنها بحجج لا منطق فيها، وكان هذا يغيظه. وفي أحد تلك الأيام، وهما على الدراجة، "ربما لأننا لم نكن نريد أن ينظر أحدنا في عين الآخر"، فهمت هي نفسها السبب. كان أبوها مدرّس تاريخ في مدرسة ثانوية، دخل تجارة الأجهزة المنزلية ليسدّ حاجة بيته، وفي ضائقة اقتصادية لم يُنقذه إلا أن فريجيدير موّلت بضاعته. وكان يعود متعباً فيستلقي، وهي تدلّك قدميه وتغنّي له، ويحدّثها بهمومه وبامتنانه لتلك الشركة. كانت ساندرا، طوال تلك السنين، تتكلم عن أبيها وعن الوفاء، والثلاجات ذريعة.

ويسمّي كوفي من يكسر في نفسه نمطاً ورثه عن أهله (إنسان التحوّل)، كمن نشأ في بيت قسوة أو إهمال فقرّر أن يتوقف ذلك عنده ولا ينتقل إلى أولاده. فالعادة التي سرت في عائلة أجيالاً يمكن أن تقف عندك. ويقترح لذلك أن تكتب التغيير في رسالتك، وأن تراه كل يوم قبل أن تعيشه، وأن تحبّ أبويك وتسامحهما، وأن تحاول فهمهما إن كانا حيّين.

وفي آخر الكتاب (ملاحظة شخصية) يقول فيها كوفي صراحة ما ظل ضمنياً في صفحاته، وهو أنه يؤمن بأن المبادئ قوانين طبيعية مصدرها الله، وأن الضمير منه أيضاً. وكان كوفي متديناً من أتباع كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة (المورمون)، وكثير من لغته في الكتاب، عن المبادئ والأمانة والعهود، يأتي من هذا العالم دون أن يسمّيه. ومع ذلك يقول في أوله إن مبادئه لا تخصّ ديناً بعينه، ولا دينه هو، وإنها توجد في أغلب الأديان والفلسفات الأخلاقية الكبرى.

ما أضافه شون كوفي

يكتب شون في آخر كل عادة صفحات قصيرة، ينفع منها ثلاثة أمور. أولها قاعدة في التخطيط يقول إن شركتهم خرجت بها من تدريب الملايين، "خصّص ثلاثين دقيقة كل أسبوع لتخطّط أسبوعك". والثاني تصحيح لأبيه في الإصغاء، فهو لا يُستعمل في كل حديث، ويُدّخر لحين تكون المسألة مهمة أو حساسة، أو حين ترتفع الانفعالات. والثالث قصته مع ابنه، وكان قد درّبه ليلعب في مركزه هو في كرة القدم الأمريكية، فجاءه قبل الثانوية يقول إنه لا يريد أن يلعب. انفعل شون أولاً وذكّره بسنوات التدريب، ثم سأل نفسه: "هل أريد أن أربّي ابناً أم لاعباً؟"، ثم جلس يصغي، فعرف أن الولد أخفّ من زملائه بنحو أربعة عشر كيلوغراماً، ويخاف أن يُصاب.

ما الذي يبقى معك بعد القراءة

  • حين يغضبك موقف، توقّف في المسافة بينه وبين ردّك، واسأل نفسك ماذا تختار.
  • اصرف جهدك فيما تملك أن تؤثّر فيه، واسمع لغتك، فـ"مضطر" و"لا أستطيع" و"لو" تكشف أين تقف.
  • خصّص نصف ساعة كل أسبوع تخطّط فيها بأدوارك، وضع المهم غير العاجل في مواعيد قبل أن يملأها العاجل.
  • اتفق مع من تكلّفه على النتيجة، واترك له الطريقة، ثم حاسبه على ما اتفقتما عليه، فما بقي في ذهنك لم يكن جزءاً من الاتفاق.
  • أصغِ حتى يشعر محدّثك أنك فهمته، قبل أن تنصح أو تحكم، واعرض رأيه كما يعرضه هو أو أحسن، ثم اعرض رأيك.

أين يقرّر كوفي ما لا يبرهن عليه؟

  • المبادئ قوانين طبيعية. يجعل كوفي المبادئ قوانين كالجاذبية، تحكم العواقب حتماً، ويقول إنها بديهية يتحقق منها كل إنسان في حياته. وهذا موقف فلسفي وديني صرّح به في آخر الكتاب، ولم يخرج به من بحث. ومنه جمل يتعذّر اختبارها، كقوله "هناك دائماً تقريباً بديل ثالث"، وجعله "من الداخل إلى الخارج" حلاً لكل مشكلة، فإن لم ينجح فالخطأ أنك لم تختره.
  • القصص والاقتباسات. أكثر قصص الكتاب حكايات كوفي عن نفسه وعملائه، تُقرأ أمثلةً على الفكرة، وليس فيها ما يثبتها. وبعضها حكايات متداولة رُويت على أنها وقعت، كقصة السفينة الحربية التي طلبت من سفينة أخرى أن تغيّر مسارها فإذا هي منارة، وهي نكتة من ثلاثينيات القرن الماضي. وكثير من اقتباساته منسوب إلى غير قائله، فعبارة "نحن ما نفعله مراراً" صياغة المؤرخ ويل ديورانت لفكرة أرسطو، وليست كلام أرسطو نفسه، والفسحة بين المثير والاستجابة ليست لفرانكل. وفيه أرقام لا مصدر لها، كقوله إن الكلمات لا تحمل إلا عُشر ما نتواصل به، وهي صيغة محرّفة لتجربة محدودة أجراها ألبرت مهرابيان، وأفكار تجاوزها العلم، كتقسيم الناس إلى أصحاب نصف دماغ أيمن وأصحاب نصف دماغ أيسر.
  • العادة الأولى والظروف. يقول كوفي إن قبولنا لما يحدث لنا يؤذينا أكثر مما يحدث نفسه، وإننا مسؤولون في النهاية عن "أكثر ظروفنا". فإن أُخذ هذا بحرفه صار من نجا من حرب أو تهجير أو فقر مسؤولاً عمّا فُرض عليه، وابنه شون أعدل منه حين يكتب أن الوراثة والنشأة والشدائد تؤثّر فينا ولا تحدّدنا. وفي الكتاب أيضاً أمثلة من أمريكا الثمانينيات تبدو اليوم قديمة، كالمرأة في البيت والرجل في العمل، والسكرتيرة والتلفاز، وفيه ترويج غير قليل لما تبيعه شركة كوفي، من (المخطّط) الذي يصف معاييره دون أن يسمّيه، إلى برامج فرانكلين كوفي في إضافات شون.

لمن هذا الكتاب؟

هو لمن يريد نظاماً واحداً يرتّب عليه حياته وعمله، ولمن يدير فريقاً أو بيتاً ويشعر أنه يطفئ الحرائق كل يوم، ولمن يفاوض ويبيع ويعمل مع الناس، ولمن يربّي أولاداً. وفيه لقارئ العربية مادة مألوفة، كالوفاء بالوعد، وحفظ الغائب، والأمانة، والتوازن. وليس لمن يبحث عن نتائج سريعة، فكوفي يقول إن هذه العادات تُمارس سنين، ويعترف بأنه هو نفسه يجاهد في كثير مما كتب، وبأن أصعب العادات عليه الإصغاء. ولا لمن يريد علم نفس مبنياً على التجارب، فالكتاب حكمة عملية، يقرّر صاحبها ولا يختبر.

وللعادة يوماً بيوم كتاب آخر هو العادات الذرية، وللتخطيط بالأسابيع نظام آخر في سنة الأسابيع الاثني عشر. ولثلاث من أفكار كوفي صفحات تمضي بها أبعد، الفسحة بين المثير والاستجابة في أصل العبارة التي تُنسب إلى فرانكل، والعاجل ليس مهماً في مصفوفة الأرباع، وشخّص قبل أن تصف في الإصغاء الذي يسبق النصيحة.

المصدر

طبعة الذكرى الثلاثين (Simon & Schuster، 2020)، وفيها مقدمة جيم كولينز ومقدمة شون كوفي، والعادات السبع وفصولها، وإضافات شون كوفي، والخاتمة وأسئلة كوفي وأجوبته. وأسماء العادات مأخوذة بتصرّف من الترجمة العربية المتداولة.

قراءتنا لا تغني عن الكتاب. إن وجدته مفيداً، اقرأه كاملاً.

اشترِ الكتاب من أمازون

رابط تسويقي: قد يحصل فكرغراف على عمولة من المشتريات المؤهلة، ولا تدفع أنت شيئاً إضافياً.As an Amazon Associate, FikrGraph earns from qualifying purchases.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

الكتاب في الشبكة

ما الذي يتّصل بهذا الكتاب

  • ٣ أفكار
فكرة: شخّص قبل أن تصف شخّص قبل أن تصف فكرة: الفسحة بين المثير والاستجابة الفسحة بين المثير والاستج… فكرة: العاجل ليس مهماً العاجل ليس مهماً

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

العادات السبع للناس الأكثر فعالية: التغيير يبدأ من الداخل