ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 4 دقائق

شخّص قبل أن تصف

أكثرنا يصغي وفي ذهنه ردّه. أربعة ردود تقفل الحديث، وأربع درجات من الإصغاء تفتحه، كما يعرضها ستيفن كوفي في عادته الخامسة.

الفكرة

أن تفهم محدّثك من داخل كلامه ومشاعره قبل أن تحكم أو تنصح، كما يفحص الطبيب قبل أن يكتب الدواء.

من يصغي وهو يقيس كلام غيره على تجربته يردّ بواحد من أربعة ردود، فيقيّم أو يستجوب أو ينصح أو يفسّر، وكثيراً ما يعالج بها مشكلة غير التي يشكو منها صاحبها. والبديل أن تعيد إلى محدّثك مضمون كلامه وشعوره، حتى يحسّ أنه فُهم.

يتخيّل ستيفن كوفي رجلاً يشكو إلى طبيب العيون ضعفاً في نظره. يسمعه الطبيب قليلاً، ثم يخلع نظارته ويناوله إياها، ويقول إنه يلبسها منذ عشر سنين وإنها تنفعه. يضعها الرجل فيرى أسوأ مما كان يرى، فيحثّه الطبيب على أن يحاول أكثر وأن يفكّر بإيجابية، فإذا لم ينفع ذلك اتهمه بالجحود.

بهذا الطبيب يفتح كوفي العادة الخامسة في العادات السبع للناس الأكثر فعالية، ويرى فيه صورة أكثرنا حين يحدّثنا أحد بمشكلته، إذ نناوله نظارتنا. ولا أحد يأتمن طبيباً يكتب الدواء من غير فحص، ومع ذلك يفعلها أكثر الناس كل يوم.

نصغي لنردّ

يقول كوفي: "أكثر الناس لا يصغون ليفهموا، بل يصغون ليردّوا". فالسامع يقرأ في حكاية غيره سيرته هو، ثم يجيب بواحد من أربعة ردود.

  • نقيّم، فنوافق أو نخالف، ونقول "معك حق" أو "هذا غلط".
  • نستجوب، فنسأل، ولكن من زاويتنا، كمن يقول "ماذا فعلت حتى وصلت إلى هنا؟".
  • ننصح من تجربتنا، "مررتُ بهذا قبلك، فاسمع مني".
  • نفسّر، فنشرح دوافعه بدوافعنا، ونقول له "أنت متعب فقط، هذا كل شيء".

وهذه الأنواع قريبة جداً من أنواع الردود التي وصفها عالم النفس إلياس بورتر سنة 1950، وعمل بها كارل روجرز، وإن لم يذكر كوفي أياً منهما. وأشيعها بيننا النصيحة، لأننا نحبّ أن ننفع، ونحسب النفع كله في الجواب.

حوار واحد مكتوب ثلاث مرات

يكتب كوفي حواراً واحداً بين أب وابنه في الثانوية ثلاث مرات. يدخل الابن ويقول: "سئمت يا أبي، المدرسة لا تنفع في شيء!".

في المرة الأولى يسأله الأب ما الخطب، ويحكي له أنه شعر بالشيء نفسه في سنّه، ويستنكر رغبته في أن يصير ميكانيكياً، ويذكّره بما ضحّى به هو وأمه. فينتهي الحوار والابن يقول: "لا يهم، لا أريد أن أتكلم".

وفي المرة الثانية يعيد كوفي الحوار نفسه، ويضع بين قوسين ما يدور في رأس الابن بعد كل جملة، كقوله في نفسه "ها قد بدأ الفصل الثالث من سيرة أبي"، و"لن يحبني لو صرت ميكانيكياً"، و"يبدو أنني غبي فعلاً".

وفي الثالثة يكفّ الأب عن النصح والحكم، ويقول له: "أنت محبط من المدرسة". فيتكلم الابن، ثم يتكلم أكثر، حتى يبلغ ما لم يقله من قبل، وهو أن اختبار قراءة أظهر أنه في مستوى الصف الرابع، وهو في الحادي عشر. وعندها يسأل هو أباه: "ماذا تراني أفعل يا أبي؟".

كانت المشكلة إذن تأخّراً في القراءة وخوفاً من الرسوب، والمدرسة بريئة مما اتُّهمت به. وقد ذهبت نصائح المرة الأولى كلها، على حسن نيّتها، إلى مشكلة لا وجود لها.

أربع درجات للإصغاء

ويرتّب كوفي الإصغاء الذي يطلب الفهم على أربع درجات، من الأدنى إلى الأعلى، ويجرّبها كلها على جملة الابن نفسها.

  1. أن تكرّر كلامه، فتقول "سئمت، والمدرسة لا تنفع". فهو يعرف على الأقل أنك تسمعه، وقد يحسّ مع ذلك أنك تقلّده. وهذه الدرجة وحدها هي ما يسمّيه كوفي (الإصغاء النشط)، مع أن روجرز وزميله فارسون، صاحبَي المصطلح، كانا يقصدان به ما يقرب من الدرجة الرابعة.
  2. أن تعيد مضمونه بكلماتك، فتقول "لم تعد تريد أن تذهب إلى المدرسة".
  3. أن تسمّي شعوره، فتقول "أنت محبط".
  4. أن تجمع المضمون والشعور، فتقول "أنت محبط من المدرسة". فالإحباط هو الشعور، والمدرسة هي المضمون.

ولا تصلح هذه الصيغ إلا بلغة طبيعية، وقد تكون "باين عليك زهقان من المدرسة" أصدق في فم الأب العربي من أي جملة مترجمة.

وللإصغاء عند كوفي حدّ يفوت أكثر من يلخّصون كتابه، فما دام الحديث منطقياً فلك أن تسأل وتنصح، فإذا صار انفعالياً فارجع إلى الإصغاء.

متى لا تحتاجها؟

يستدرك شون كوفي على أبيه هنا، فلا يرى أن يُستعمل هذا الإصغاء في كل حديث، ويدّخره للمسألة المهمة أو الحساسة أو الشخصية، أو لساعة ترتفع فيها الانفعالات. فإن سألك أحد مستعجلاً أين الحمّام، فلا تقل له: "إن كنت فهمتك، فأنت تحتاج إليه بشدة".

ويحذّر ستيفن كوفي من أن تصير الطريقة حيلة، فالناس يكرهون أن يُتلاعب بهم. ومن لم يكن صادقاً في رغبته في الفهم فخير له ألّا يجرّبها أصلاً، لأن من انفتح لك ثم اكتشف أنك لم تكن تريد أن تسمعه خرج مكشوفاً مجروحاً. والفهم لا يقتضي الموافقة، ولا يضمن أن تُحلّ المشكلة. يكفيه أن يخرج محدّثك وهو يعرف أنك رأيته.

جرّبها

في حديثك المهم القادم، راقب ردودك، وكلما وجدت نفسك تقيّم أو تستجوب أو تنصح أو تفسّر، فتوقّف. فإن سبقك لسانك، فقل كما يقترح كوفي: "آسف، انتبهت الآن أنني لا أحاول أن أفهمك. نبدأ من جديد؟".

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

شخّص قبل أن تصف