ابحث عن كتاب أو فكرة أو سؤالالنشرة الأسبوعيةكتاب وفكرة وتمرين، إلى بريدك كل أسبوعاشترك

فكرة · قراءة في 4 دقائق

الحياة ليست محفظة استثمارية

يرى بيتر ثيل أن النتائج في الاستثمار والمهنة يحكمها (قانون القوة)، فقلّة منها تفوق الباقي مجتمعاً. ماذا يعني ذلك لمن يختار مشروعاً أو مهنة، وأين يقف هذا المنطق.

الفكرة

النتائج الكبيرة نادرة، وهي تفوق ما سواها مجتمعاً. ولا يكفي أن توزّع جهدك على خيارات كثيرة متوسطة، فالأجدى أن تختار القليل الذي قد يصير كبيراً، وتركّز عليه.

في عالم يحكمه قانون القوة يعيد استثمار واحد أكثر مما يعيده الصندوق كله، وتتفوّق سوق واحدة، وقناة بيع واحدة، وقرار واحد، على البقية. ومن يوزّع حياته على مهن ومهارات كثيرة احتياطاً لا يستعدّ لشيء بعينه.

شارك بيتر ثيل في تأسيس صندوق فاوندرز فند، فجمع الصندوق أول أمواله سنة 2005، ووزّعها على عدد من الشركات الناشئة. ثم جاءت المفاجأة، فاستثمار واحد منها، هو فيسبوك، أعاد أكثر مما أعادته الاستثمارات الأخرى كلها مجتمعة.

ويسمّي ثيل ذلك في من صفر إلى واحد "أكبر سرّ في رأس المال المغامر"، فأحسن استثمار في الصندوق الناجح يساوي بقية الصندوق أو يزيد. ثم يعمّمه على العالم كله، فيقول: "لا نعيش في عالم التوزيع الطبيعي، إنما نعيش تحت قانون القوة".

عالمان

في العالم الذي يتخيّله الناس تتوزّع النتائج توزيعاً معتدلاً، كأطوال البشر، فأكثرهم في الوسط، وقليلون في الطرفين. وعلى هذه الصورة يظن المستثمر أن الشركات الرديئة ستفشل، والمتوسطة ستبقى، والجيدة ستضاعف المال مرتين أو أربعاً، فيوزّع ماله على شركات كثيرة، ويأمل أن تغطّي الرابحة خسائر الخاسرة.

أما العالم الذي يصفه ثيل فيحكمه قانون القوة، وفيه تفوق قلّة قليلة من النتائج كل ما عداها مجتمعاً، كما في الزلازل والمدن والثروات. وتوزيع المال على شركات كثيرة في هذا العالم يأتي غالباً بمحفظة كلها خاسرة، لأنه يفوّت الواحد الكبير، أو لا يضع فيه ما يكفي.

ولهذا يضع ثيل للمستثمر قاعدتين. أولاهما ألّا يستثمر إلا في شركة يمكن أن تعيد قيمة الصندوق كله، والثانية أن الأولى صارمة إلى حدّ يغني عن كل قاعدة سواها. ومثاله صندوق أندريسن هورويتز، الذي وضع ربع مليون دولار في إنستغرام سنة 2010، فعادت عليه بثمانية وسبعين مليوناً حين اشترتها فيسبوك بعد سنتين، أي 312 ضعفاً، ولم يُعِد ذلك مع هذا كله إلا جزءاً من صندوق كبير. ويحسب ثيل الصندوق مليار ونصف مليار دولار، والصحيح أن الاستثمار جاء من صندوق أول قيمته 300 مليون، والحجة قائمة بعد التصحيح، وإن صغر الرقم.

لماذا يخفى على الناس؟

ولخفائه ثلاثة أسباب يعدّها ثيل. أولها الزمن، فعشر شركات واعدة تبدو متشابهة في سنواتها الأولى، ثم تفترق، حتى يصير الفرق بعد عشر سنوات بين واحدة وتسع. وثانيها أن الانتباه اليومي يذهب إلى الشركات الجديدة والمتعثّرة، ويغفل عن الرابحة. وثالثها أن الفرق أكبر من أن يُصدَّق، فهو "مختبئ أمام أعيننا".

الحياة ليست محفظة

ومن المستثمر ينقل ثيل الفكرة إلى كل إنسان، فيقول: "الحياة ليست محفظة استثمارية، لا لمؤسس شركة ولا لأي فرد". فالمؤسس لا يستطيع أن يدير عشرات الشركات ويأمل أن تنجح إحداها، والفرد لا يستطيع أن يحتفظ بعشرات المهن المحتملة احتياطاً.

والمدرسة في رأيه تعلّم العكس، بحصص متساوية، ومواد كثيرة، وطلاب متفوّقين يجمعون مهارات صغيرة متفرّقة احتياطاً لكل احتمال، ورسالة ضمنية مفادها أن المهم أن تُتقن ما تفعله أياً كان. "هذا خطأ تام. ما تفعله يهمّ". فاسأل أولاً هل سيبقى هذا الميدان ثميناً بعد عقود، ثم ركّز فيه بلا تردّد.

ويضيف ما لا يتوقّعه قارئ كتاب عن الشركات الناشئة، فكثيرون اليوم يؤسّسون شركات، وخير لبعضهم أن ينضمّ إلى شركة ناجحة. ذلك أن الفرق بين الشركات أكبر من الفرق بين المناصب داخلها، وجزء من عشرة آلاف من غوغل كان يساوي أكثر من 35 مليون دولار يوم كتب، وهو أكثر كثيراً من مئة في المئة من لا شيء.

وفي داخل الشركة يعمل القانون نفسه، فسوق واحدة تتفوّق على الأسواق كلها، وقناة بيع واحدة تتفوّق على القنوات كلها، وبعض القرارات أبعد أثراً بكثير من غيرها.

أين تتوقف الفكرة؟

تصدق الفكرة على عالم يحكمه قانون القوة، ولها مع ذلك حدود.

  • الرابحون وحدهم في الصورة. حين يُنظر إلى فيسبوك تُنسى آلاف الشركات التي ركّز أصحابها كما ركّز زوكربيرغ ثم خسروا. فالتركيز شرط للنتيجة الكبيرة، وهو لا يضمنها.
  • الخسارة عند الفرد ليست كالخسارة عند الصندوق. يحتمل الصندوق أن تفشل تسع شركات من عشر لأن العاشرة تعوّضها، أما الفرد فقد تنهي خسارة واحدة طريقه. ولهذا لا تنطبق الفكرة على مدّخرات الإنسان الشخصية، فالتنويع فيها قاعدة الحذر المعروفة، وثيل يتكلّم عن الوقت والجهد والمهنة، ولم يقصد المدّخرات.
  • منطق مستثمر. يقيس ثيل بمقياس من يبحث عن شركة بالمليارات، وربّ صاحب مشروع واحد يرضيه نجاح متواضع يعيش منه.

جرّبها

اكتب كل ما تصرف فيه وقتك وجهدك هذه الأيام، من مشاريع والتزامات ومهارات تتعلّمها. ثم اسأل عن كل واحد منها: لو نجح نجاحاً كبيراً، أكان سيفوق الباقي كله مجتمعاً؟ واختر الواحد الذي جوابه نعم، وأعطه أول ساعات أسبوعك قبل غيره، ثم انظر بعد شهر ما الذي تتركه من الباقي.

المصادر والسياق

إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف

إعدادات القراءة

حجم الخط
عادي
تباعد الأسطر
المظهر

تُحفظ اختياراتك في متصفّحك، فتجدها في كل صفحة.

في هذه الصفحة

شارك هذه الصفحة

الحياة ليست محفظة استثمارية