فكرة · قراءة في 4 دقائق
السؤال المخالف: ما الذي تراه ولا يراه غيرك؟
سؤال يلقيه بيتر ثيل على كل من يقابله لوظيفة، وقلّما يُحسن أحد جوابه. لماذا يصعب، وعلى أي صيغة يأتي الجواب الجيد، وأين تُطلب الأسرار التي يقود إليها.
الفكرة
سؤال تطرحه على نفسك عن الحقيقة المهمة التي تراها ولا يوافقك عليها إلا قليلون. وجوابه الجيد يأتي على صيغة واحدة، "يظن أكثر الناس (س)، والحقيقة عكس (س)".
كل جديد يقوم على سرّ، أي على حقيقة مهمة لم يرها الناس بعد، صعبة لكنها ممكنة. ومن لم يجد جواباً عن السؤال المخالف لم يملك إلا ما يملكه الجميع، فلا يصنع إلا ما يصنعونه.
في كل مقابلة عمل يجريها بيتر ثيل سؤال لا يتغيّر: "ما الحقيقة المهمة التي لا يوافقك عليها إلا قليلون؟". وهو سؤال يبدو هيّناً حتى يُطرح عليك. وبه يفتتح ثيل الفصل الأول من كتابه من صفر إلى واحد، والكتاب كله يدور عليه.
لماذا يصعب الجواب؟
يصعب لسببين. أولهما عقلي، فما يتعلّمه الناس في المدرسة متّفق عليه بطبيعته، فمن أين يأتي ما لا يعرفه الآخرون؟ وثانيهما نفسي، فالجواب الصادق يقتضي أن تقول أمام من يقيّمك شيئاً لا يحبّ الناس سماعه. ولهذا يقول ثيل إن "التفكير اللامع نادر، لكن الشجاعة أندر من العبقرية".
والأجوبة التي تتكرّر على مسمعه ثلاثة، "نظامنا التعليمي معطّل"، و"أمريكا استثنائية"، و"لا وجود لإله". ويردّها كلها، وقد يكون فيها صواب، لأن الأوّلين يوافق عليهما كثيرون، والثالث يختار طرفاً في جدل قديم معروف. أما الجواب الجيد فله صيغة واحدة:
يظن أكثر الناس (س)، والحقيقة عكس (س).
وجواب ثيل نفسه أن أكثر الناس يظنون العولمة صانعة مستقبل العالم، والحقيقة أن التقنية أهم منها، إذ لا يدوم نقل الطرق القديمة إلى عالم موارده محدودة.
ابدأ مما يتفق عليه الجميع
فإن استعصى السؤال فاقلبه، واسأل عمّا يتّفق عليه الجميع. وينقل ثيل قول نيتشه إن الجنون نادر في الأفراد، وإنه في الجماعات والأحزاب والأمم والعصور هو القاعدة. فمن وجد اعتقاداً شائعاً خاطئاً وجد خلفه الحقيقة المخالفة.
ومثاله من تجربته هو. فبعد انهيار فقاعة الإنترنت سنة 2000 خرج وادي السيليكون بأربعة دروس صارت عقيدة، أن تتقدّم بخطوات صغيرة، وألّا تخطّط، وأن تحسّن ما يقدّمه المنافسون، وأن تركّز على المنتج وتهمل البيع. ويرى ثيل أن عكسها أصحّ على الأرجح، ثم يستدرك بأن مخالفة الجمهور وحدها لا تجعلك مصيباً، و"أشدّ ما يخالف الجمهور ليس أن تعارضه، بل أن تفكّر بنفسك".
الجواب سرّ
ويعود ثيل إلى السؤال في فصل كامل عن الأسرار، فكل جواب صحيح عنه سرّ بالضرورة، أي حقيقة مهمة لا يعرفها الناس. ومكان السرّ بين السهل والمستحيل، فالسهل يعرفه الجميع، والمستحيل لغز لا يُنال، والسرّ صعب لكنه ممكن.
والأسرار نوعان، ولكل منهما سؤال:
- أسرار الطبيعة. ما الذي لا تخبرك به الطبيعة؟ جانب من العالم المادي لم يدرسه أحد بعد.
- أسرار الناس. ما الذي لا يخبرك به الناس؟ ما لا يعرفونه عن أنفسهم، أو ما يخفونه لأنهم لا يريدون أن يعرفه غيرهم.
وأسرار الناس في رأيه أقل حظاً من التقدير، والطريق إليها سؤال بسيط، ما الذي لا يُسمح للناس بالكلام فيه؟ ومن أمثلته إير بي إن بي وأوبر، فالغرف الفارغة والسيارات الواقفة في كل مدينة كانت أمام أعين الجميع، ولم يرَ فيها أحد سوقاً قبلهما. ويقترح أن تبحث حيث لا يبحث أحد، في ميادين مهمة لم تتحوّل بعد إلى تخصّصات مستقرة لها كتبها ومناهجها.
لماذا كفّ الناس عن البحث؟
للناس في ذلك أسباب يعدّها ثيل. فالمدرسة تكافئ الخطوات الصغيرة درجة بعد درجة، والناس يخافون أن يكونوا "وحيدين ومخطئين"، والنخب مرتاحة تجمع ثمار ما صُنع قبلها، والعولمة تُشعرك بأن أحداً في مكان ما سبقك إلى كل فكرة. فيتصرّف الناس كأن العالم لم يبقَ فيه ما يُكتشف، ولا يبدؤون ما يبدو صعباً.
أما أندرو وايلز فقد أمضى سبع سنوات يعمل سراً على مبرهنة فيرما الأخيرة، وكانت قد حيّرت الرياضيين أكثر من ثلاثة قرون ونصف، حتى أثبتها. وفي أول برهان أعلنه خطأ أصلحه بعد سنة بمساعدة تلميذه السابق ريتشارد تايلور، وهذا ما لا يذكره ثيل. و"الإيمان بالأسرار حقيقة نافعة"، فمن لا يؤمن بوجودها لا يبحث عنها.
أين يتوقف السؤال؟
يعين السؤال المخالف على التفكير، ولا يشهد لصاحبه بالصواب. فقد تكون وحيداً ومخطئاً، وهذا أكثر احتمالاً من أن تكون وحيداً ومصيباً. وكثير مما يحسبه أصحابه أسراراً لم يكن إلا جهلاً بما يعرفه غيرهم. ولذلك يحتاج الجواب بعد الشجاعة إلى دليل، فاسأل نفسك لماذا تظن أنك ترى ما لا يراه الناس، وما الذي يجعلك تعرف هذا ولا يعرفونه.
ويبقى سؤال أخير، لمن تقول سرّك؟ وجواب ثيل أن تقوله لمن تحتاج إليه، ولا أحد غيره. فالشركة حدّ وسط بين أن تكتم سرّك عن الناس كلهم وأن تذيعه فيهم، و"الشركة العظيمة مؤامرة لتغيير العالم".
جرّبها
اكتب ثلاثة أجوبة عن السؤال، كلّ واحد منها على صيغة ثيل، "يظن أكثر الناس (س)، والحقيقة عكس (س)". ثم احذف كل جواب يوافق عليه أكثر من تعرفهم، وكل جواب لا تملك عليه دليلاً من تجربتك أو عملك. وما يبقى بعد ذلك اسأل عنه أهو سرّ عن الطبيعة أم عن الناس، ومن الثلاثة أو الأربعة الذين ينبغي أن يعرفوه أولاً.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
