فكرة · قراءة في 4 دقائق
الاحتكار الإبداعي: لماذا يهرب الرابح من المنافسة؟
المنافسة في رأي بيتر ثيل تقتل الربح، والشركة الناجحة تملك احتكاراً استحقّته بما صنعت. وفي الفكرة كذبتان يقولهما الطرفان عن سوقهما، وحكم أصدرته محكمة أمريكية على غوغل بعد عشر سنوات من الكتاب.
الفكرة
أن تجيد ما تفعله حتى لا يقدر أحد على أن يقدّم بديلاً قريباً منه، فتملك سوقك وتحدّد سعرك بما صنعت، وما منعتَ أحداً من دخولها.
في المنافسة الكاملة يذهب الربح كله، فيأخذ غيرك القيمة التي صنعتها. والشركات التي تبقى تهرب من المنافسة إلى سوق تملكها، وتصدق في رسم حدودها، فلا تضيّقها حتى تبدو وحيدة فيها، ولا توسّعها حتى تبدو صغيرة.
في سنة 2012 نقلت شركات الطيران الأمريكية ملايين الركاب، وكان متوسط التذكرة 178 دولاراً، فربحت من كل راكب 37 سنتاً. أما غوغل فقد دخله في السنة نفسها خمسون مليار دولار، وهو دون دخل الطيران بكثير، غير أنه احتفظ بواحد وعشرين في المئة منها ربحاً.
بهذه المقارنة يبدأ بيتر ثيل فصله عن الاحتكار في من صفر إلى واحد. فالطيران يصنع قيمة هائلة ولا يكاد يحتفظ منها بشيء، وغوغل يصنع أقل ويحتفظ بأكثر. ولا يكفي أن تصنع القيمة ما لم تحتفظ بشيء منها.
نموذجان
في المنافسة الكاملة شركات كثيرة متشابهة تبيع سلعة واحدة، والسوق هو الذي يحدّد سعرها. فإذا لاح ربح دخلها منافسون جدد حتى يذهبوا به، وإذا وقعت خسارة خرج منها بعضهم حتى يعود السعر، فلا يبقى لأحد في آخر الأمر ربح يُذكر. أما في الاحتكار فالشركة تملك سوقها، وتحدّد سعرها بنفسها.
والاحتكار الذي يقصده ثيل شركة تجيد ما تفعله حتى لا يقدر أحد على أن يقدّم بديلاً قريباً منه، فلا شأن له باحتكار تمنحه الحكومة، ولا باحتكار متسلّط يمنع غيره. ويصل من ذلك إلى جملة صادمة، "الرأسمالية والمنافسة ضدّان". ويقلب افتتاحية رواية تولستوي آنا كارنينا، فيكتب: "الشركات السعيدة كلها مختلفة، كل واحدة كسبت احتكاراً بحلّ مشكلة فريدة. والشركات الفاشلة كلها متشابهة، لم تفلت من المنافسة".
الكذبتان
يقول ثيل إن الطرفين يكذبان عن سوقهما، كلٌّ في اتجاه.
المحتكر يوسّع سوقه حتى يبدو صغيراً فيها، لئلا تلاحقه الحكومة. فحصّة غوغل من البحث نحو 68% في مايو 2014، فإذا عُدّ شركة إعلانات صار لا يتجاوز 3.4% من الإعلان في العالم. وقد قال رئيس مجلس إدارته إريك شميت أمام لجنة في مجلس الشيوخ سنة 2011 إن غوغل يعمل في "منافسة شديدة جداً".
الداخل الجديد يضيّق سوقه حتى يبدو وحيداً فيها. فصاحب مطعم الطعام البريطاني في بالو ألتو يقول إن أحداً غيره لا يقدّم هذا الطعام، غير أن سوقه الحقيقية مطاعم المدينة كلها، وربما لم يكن فيها من يفضّل الطعام البريطاني على غيره. وكان ثيل يتغدّى مع زملائه في باي بال سنة 2001 في شارع مزدحم بالمطاعم، يختارون فيه بين هندي شمالي وآخر جنوبي، ورخيص وفاخر، وكانت باي بال يومها الشركة الوحيدة في العالم للدفع بالبريد الإلكتروني، توظّف أقل مما توظّفه مطاعم ذلك الشارع، وتساوي أكثر منها مجتمعة.
فسوقك الحقيقية هي التي يختار فيها عميلك بينك وبين بدائلك فعلاً، أما ما ترسمه لتبدو وحيداً أو صغيراً فصورة تتجمّل بها.
لماذا يتنافس الناس إذن؟
يرى ثيل في المنافسة عادة تبدأ في المدرسة وترافق صاحبها إلى العمل، وتتجاوز السوق إلى طريقة التفكير نفسها. ويستعير صورة من مسرحية شكسبير روميو وجولييت، ففيها "بيتان، كلاهما في المكانة سواء"، وكلما طال الثأر بينهما ازدادا تشابهاً، حتى لا يذكرا علامَ يقتتلان. وهذه فكرة أستاذه رينيه جيرار عن (الرغبة المحاكية)، وإن لم يسمّه، فالمرء يشتهي ما يراه في يد غيره، وكلما اشتدّ التنافس تشابه المتنافسون.
ومن أمثلته قارئات البطاقات التي تُركّب في الهواتف. أطلقت إحدى الشركات قارئاً مربعاً، فجاء المقلّدون بنصف قمر، ثم بأسطوانة، ثم بمثلث، "ولن ينتهي هذا حتى تنفد الأشكال من القرود". وإذا لم يكن من التنافس بدّ، فقاعدته أن الاندماج مع منافسك قد يكون خيراً لك إن عجزت عن هزيمته، وأن تنهي المعركة سريعاً إن اضطررت إليها.
أين تتوقف الفكرة؟
لا يوافق أكثر الاقتصاديين على أن "الرأسمالية والمنافسة ضدّان". فهم يقبلون أن ربح المبتكر المؤقت حافز على الابتكار، وعليه تقوم براءات الاختراع، لكنهم يرون المنافسة هي التي تهدم الاحتكار القديم. وثيل نفسه يروي ذلك، فاحتكار آي بي إم أخلى مكانه لمايكروسوفت، ثم جاء آي فون.
وفي قصة غوغل نفسها حدّ الفكرة. ففي أغسطس 2024 حكم القضاء الأمريكي بأن غوغل حافظ على احتكار البحث بطرق غير مشروعة، أهمها ما يدفعه لآبل وغيرها ليكون المحرك الافتراضي، ثم منعته المحكمة سنة 2025 من صفقات المحرك الافتراضي الحصرية. وكانت حجته في المحكمة قريبة جداً من السوق الكبيرة التي وصفها ثيل. فالاحتكار الذي يبدأ إبداعياً قد يُحرس بعد ذلك بطرق لا إبداع فيها.
جرّبها
اكتب تعريف سوقك بثلاث صيغ، أضيقها صيغة تجعلك وحيداً، وأوسعها صيغة تجعلك صغيراً، وبينهما الصيغة التي يختار فيها عميلك فعلاً، أي بمن يقارنك حين يقرّر. ثم ابحث عن الأمر الواحد الذي تتفوّق فيه على أقرب بديل بفرق كبير لا يحتاج إلى شرح. فإن لم تجده فأنت في المنافسة، أيّ صيغة أحببت أن تقولها.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
