فكرة · قراءة في 3 دقائق
داء التوقّع: حين تهزمك توقعاتك قبل أن يهزمك العمل
من يبدأ مشروعاً أو مهارة بتوقعات مضخّمة لا يستعد، فينكسر عند أول صدمة، فتنفد إرادته. ما يسمّيه إم جيه ديماركو داء التوقّع المزمن، وثلاثة علاجات له.
الفكرة
داء التوقّع توقعات عالية زائفة عن سهولة الطريق وسرعته، تجرّ ثلاث مضاعفات متتابعة، أولها عدم الاستعداد، ثم انكسار الصمود عند أول مقاومة، ثم نفاد الإرادة.
كثير مما نسمّيه فشل المشروع هو في الحقيقة فشل التوقعات. فمن يتوقع طريقاً طويلاً فيه خسائر يحتمل ما لا يحتمله من خرج إلى نزهة.
كتب عضو في منتدى ديماركو لروّاد الأعمال: "هذان الشهران أسوأ ما في حياتي. فقدت وظيفتي، وجرّبت تأسيس شركة إقراض ففشلت. هل هذا حقيقي أصلاً؟ لا أحد ممن حولي نجح".
ويرى إم جيه ديماركو في هذه الرسالة فشل توقعات، وليست فشل مشروع. فشهران لا يكفيان لتأسيس شركة إقراض، ومن ظن أنهما يكفيان فخطؤه في تقدير ما يتطلبه العمل، وليس في العمل نفسه.
الداء ومضاعفاته
ويسمّي هذه الحال داء التوقّع المزمن، وهو توقعات عالية زائفة يزرعها السهل في صاحبها. ويقول إنه صار، بعد سبع عشرة سنة في المنتدى، يتنبأ بمن سيفشل من أول مشاركة يكتبها، فالتوقعات تكشف ما سيأتي. وللداء ثلاث مضاعفات، تقود كل واحدة منها إلى التي تليها:
- عدم الاستعداد. تحزم حقيبة لإجازة على الشاطئ، فتنزل في ساحة حرب.
- انكسار الصمود. الدرع النفسي الذي صنعته لطريق سهل يتحطم عند أول رفض.
- نفاد الإرادة. حين ينكسر الصمود تنزف رغبتك في الاستمرار حتى لا يبقى منها شيء.
وقد مرّ صاحب الرسالة بالثلاث كلها. لم يستعدّ لطريق طويل، فلما جاء الرفض راح يبحث عن قصص فاشلين آخرين يبرّر بها توقفه، ثم لم يجد في نفسه من الإرادة ما يكفي ليقرأ حتى الخطة التي اقترحها عليه أعضاء المنتدى.
ثلاثة علاجات
التشبيه المرسّخ. اربط التحدي الجديد بشيء مألوف تعرف صعوبته، ثم اسأل نفسك: كيف تبدو هذه الرحلة حقاً؟ فبدء مشروع يشبه وقوفك أول مرة أمام رامٍ محترف يقذف الكرة بسرعة هائلة، فستخطئ كثيراً قبل أن تصيب. وكتابة كتاب أشبه ببناء بيت بيديك منها بعطلة أسبوع يزورك فيها الإلهام. والزواج أقرب إلى اثنين يجدّفان بقارب عبر محيط منه إلى نهاية فيلم.
عقيدة الاستنزاف. يُهزم الجيش في معارك كثيرة ويكسب الحرب، والقائد الذي يدخلها وهو يتوقّع ألّا يخسر شيئاً أحمق. فاحسب الخسائر في خطتك من أولها، واجعل كل رسالة بلا ردّ وكل رفض خسارة متوقعة تحلّلها وتتعلّم منها، فلا تُسقطك المفاجأة. ويقترح ديماركو أن تقرأ سير من سبقوك، لأنها تريك الطريق كما كان حقاً، بعيداً عما يُروى عنه. فقد صنع جيمس دايسون أكثر من خمسة آلاف نموذج فاشل قبل مكنسته، ورُفضت رواية رولينغ الأولى اثنتي عشرة مرة. ويبقى بعد ذلك أن تدور في الحلقة نفسها، تفعل، ثم تقيّم، ثم تعدّل، ثم تكرّر.
أصغر مكسب ممكن. اخفض توقّعك حتى تضمن نصراً كل يوم، كجملة واحدة رديئة بدل كتاب، ومربّع سكني إضافي في جري الصباح بدل ماراثون. ويروي ديماركو أنه حين بدأ يتعلّم البيانو في منتصف الخمسينيات من عمره قال لنفسه إن الأمر سيكون بطيئاً ومحبطاً، ولهذا لم يتوقف.
المصمم ومتجره. يطلق مصمم مستقل متجراً لقوالب التصميم، ويتوقع مئة عملية بيع في الشهر الأول، لأن أعماله تلقى إعجاباً كثيراً. فيبيع ثلاثاً، ويقرّر أن الفكرة فاشلة. ولو سأل نفسه أولاً كيف تبدو هذه الرحلة حقاً، لعرف أن المتاجر المشابهة تحتاج إلى شهور لتبني جمهورها، ولجعل هدفه الأول عشر مبيعات في ثلاثة أشهر، ولرأى في المبيعات الثلاث أول الطريق.
حدود الفكرة
والتوقع الواقعي ليس منخفضاً دائماً. ففي فصل آخر يقول المؤلف إن قليلاً من التفاؤل "الواهم" يبقيك في اللعبة أطول. ويجتمع القولان إذا تفاءلت بالنتيجة الأخيرة، وكنت واقعياً في تقدير الطريق إليها.
والعرّاف يتذكّر ما صدق. حين يقول المؤلف إنه يتنبأ بالفشل من أول مشاركة، فالأغلب أنه يتذكّر ما صحّ من نبوءاته، وينسى ما أخطأ.
وسنده العلمي فضفاض. يستند المؤلف إلى نظرية الكفاءة الذاتية عند ألبرت باندورا، وموضوعها إيمانك بقدرتك، وتوقّعك لصعوبة الطريق شيء آخر. وفكرته أقرب إلى ما يسمّيه علماء النفس (النظرة من الخارج)، وهي أن تقدّر مشروعك بما جرى لمشروعات تشبهه، وتدع ما تتخيّله له.
المصدر: Choose Hard, Live Easy، المعركة 19 (داء التوقّع المزمن ومضاعفاته الثلاث وعلاجاته)، والمعركة 44 (العدسة المجازية). ومثال المصمم من عمل فكرغراف، ومثله ما في حدود الفكرة.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف