فكرة · قراءة في 3 دقائق
كل فعل صوت للشخص الذي تريد أن تكونه
يصير المرء قارئاً بصفحة بعد صفحة، حتى يجتمع له الدليل على أنه قارئ، ولا يصيره بقرار. والهوية التي تُبنى على هذا النحو تحتاج أن تبقى مرنة، وإلا حبست صاحبها.
الفكرة
الهوية في نظر جيمس كلير دليل يتجمّع شيئاً فشيئاً، فكل مرة تفعل فيها شيئاً تصوّت للشخص الذي يفعله، وإذا كثرت الأصوات تغيّرت صورتك عن نفسك.
تكرار الفعل قد يرسّخ فيك صورة جديدة عن نفسك، وهذه الصورة قد تعينك على الاستمرار. على أنّ الهوية لا تضمن الالتزام، وينبغي أن تبقى مرنة، كي لا تحول بينك وبين تغيير ما لم يعد ينفعك.
يُعرض على رجلين شيء قرّرا أن يتركاه. فيقول الأول "لا شكراً، أحاول أن أتركه"، ويقول الثاني "لا شكراً، أنا لا أفعل هذا".
بهذا المثال يشرح جيمس كلير في العادات الذرية الفرق بين من يحاول أن يغيّر سلوكه ومن غيّر صورته عن نفسه. على أنّ العبارة وحدها لا تثبت أن صاحبها تغيّر، ولا تضمن أنه سيستمر.
ثلاث طبقات للتغيير
يقسم كلير التغيير ثلاث طبقات، بعضها تحت بعض.
- النتيجة، وهي ما تحصل عليه، كأن تقرأ عشرين كتاباً في السنة.
- العملية، وهي ما تفعله، كأن تقرأ كل ليلة.
- الهوية، وهي ما تؤمن به عن نفسك، كأن تكون قارئاً.
ولا يكتفي كلير بأن تحدّد النتيجة والطريقة، فهو يطلب أن تنظر معهما في صورتك عن نفسك، أتعينك على الفعل أم تجعلك تستبعد أنك قادر عليه. ولذلك يسأل عن الشخص الذي يحقق هذه النتيجة. فمن يكتب كتاباً شخص منتظم يُعتمد عليه، ويصير سؤالك حينئذ كيف تكون منتظماً اليوم.
الهوية دليل لا إعلان
وقد يفهم بعضهم الفكرة على غير وجهها، فيقف أمام المرآة ويقول "أنا كاتب" قبل أن يكتب سطراً. وكلير يقصد عكس ذلك تماماً.
كل فعل تفعله صوتٌ للشخص الذي تريد أن تكونه.
فما تؤمن به عن نفسك اليوم تؤمن به لأن عندك دليلاً عليه. ومن يريد هوية جديدة يحتاج دليلاً جديداً. فكل صفحة تكتبها صوتٌ للكاتب فيك، وكل مرة تحضر فيها إلى التمرين صوتٌ للرياضي فيك. وكلير نفسه بدأ ولا يرى في نفسه كاتباً، ثم مضت سنوات وهو ينشر مقالتين كل أسبوع، حتى اجتمع له من الدليل ما يكفي ليصدّق أنه كاتب.
وفي هذا راحة لمن يتعثّر، فلن تحتاج إلى إجماع، والأغلبية تكفيك. واليوم الذي تتعثر فيه صوتٌ للجهة الأخرى، لكنه لا يُخسرك الانتخابات ما دمت تفوز في أكثر الأيام.
ولهذا تهمّ العادات الصغيرة وإن لم تغيّر النتيجة بعد. فصفحة واحدة قد لا ترفع مستواك رفعاً تراه، غير أنها تزيد دليل الاستمرار فعلاً صغيراً.
الهوية التي تحبسك
وللفكرة وجه آخر يقف عليه كلير في آخر فصول كتابه.
فكلما اشتدّ تمسّكك بهوية صعب عليك أن تنمو أبعد منها، والهوية التي بنت عاداتك قد تمنعك من تغييرها. فعبارات مثل "لست ممن ينشطون صباحاً" و"أنا ضعيف في الأرقام" و"هكذا أعمل" قصص يكرّرها أصحابها حتى تصير حقائق في أعينهم، ثم يرفضون كل ما يخالفها.
وتصير الهوية خطراً حين تتعلق بدور واحد. فالرياضي الذي انتهت مسيرته، ومؤسس الشركة الذي باعها، والموظف الذي تغيّر عمله، كلٌّ منهم يجد نفسه يسأل "من أنا الآن؟".
ويستعير كلير نصيحة المستثمر بول غراهام، "أبقِ هويتك صغيرة"، وطريقها أن تعرّف نفسك بصفات تبقى معك، وتترك الأدوار التي تنتهي.
| بدل الدور | الصفة التي تبقى |
|---|---|
| أنا رياضي | أنا شخص يحب التحدي ويتحمل التعب |
| أنا مهندس في هذه الشركة | أنا شخص يحل المشكلات |
| أنا صاحب هذا المشروع | أنا شخص يبني ويصنع |
حدود الفكرة
- ليس كل تغيير يحتاج هوية. من يريد أن يدفع فواتيره في موعدها لا يحتاج أن يصير شخصاً منظماً. فالهوية تنفع في العادات الطويلة التي تحتاج إلى صبر.
- الدليل البحثي الذي يقدمه الكتاب لم يصمد. يستشهد الكتاب بدراسة وجدت أن من وُصفوا بأنهم ناخبون صوّتوا أكثر، فلما أُعيدت على نطاق أوسع لم يظهر الأثر. فالدراسة لا تصلح برهاناً على الفكرة، وتبقى الفكرة طريقة عملية تراجع بها ما بين ما تكرّره وما تعتقده عن نفسك.
جرّبها
اكتب نتيجة واحدة تريدها، ثم اسأل نفسك من الشخص الذي يحقق مثلها، واكتب له صفة واحدة، ولتكن صفةً تبقى، وليس دوراً ينتهي. ثم اكتب أصغر فعل تقدر عليه اليوم ويكون صوتاً لهذه الصفة. وافعله.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
