فكرة · قراءة في 5 دقائق
مهاراتك السابقة هدية، وليست التزاماً بمسار واحد
كيف تراجع مساراً أنفقت فيه سنوات، فتفصل قيمة ما تعلّمته عن جدوى الاستمرار فيه؟
الفكرة
ما اكتسبتَه في الماضي من مهارة أو شهادة أو أصل أو عمل هديةٌ من نفسك السابقة، لا التزامٌ على نفسك اليوم.
قد يصعب عليك أن تترك مساراً صار جزءاً من هويتك. واستعارة الهدية تساعدك على أن تقدّر ما تعلّمته، دون أن تعدّ الجهد السابق سبباً كافياً للاستمرار.
افترض أنك دفعتَ عربوناً قدره عشرة آلاف على آلة تنتج القطعة بدولار، وانتظرتَ دورك سنة كاملة. وقبل أن تتسلّمها بأيام نزلت إلى السوق آلة تنتج القطعة بخمسة سنتات، وتغطّي ثمنها في أسابيع، غير أنك إن انتقلتَ إليها خسرتَ العربون كله والسنة كلها. وهذا مثال افتراضي على الكلفة الغارقة في أبسط صورها.
العربون الذي لا يُستردّ لن يعود إليك إن استمررت. فقارن بين الخيارات بما سيكلّفه كل منها وما قد يعطيه من اليوم فصاعداً، وأدخِل في الحساب كلفة الانتقال والتزاماتك القائمة.
وقد تصير المقارنة أصعب حين يمسّ القرار صورتك عن نفسك.
حين تكون الكلفة الغارقة هويّة
وهبْ أنك أنتجت مسرحية فيها مشهد هو أصعب ما كتبتَ وأحبّه إليك، ثم عُرضت المسرحية مراراً، فاكتشفتَ أن الجمهور يكرهه، وأن العروض التي حُذف منها لقيت صدى أحسن.
في هذه اللحظة قد تشعر أن ما تتخلّى عنه أكبر من مشهد، وأنه أفضل ما فيك. وهذا الشعور يفسّر صعوبة القرار، ولا يحسم هل يستحق المشهد أن يبقى.
ومثل ذلك شهادة الحقوق التي أنفقتَ فيها خمس سنوات، والمهارة التي صرتَ تُعرف بها بين زملائك، والمشروع الذي عرّفتَ نفسك به سنتين.
إعادة التسمية
يقترح غودين تسمية تخفّف وطأة القرار:
المهارات التي اكتسبناها، والآلات التي اشتريناها، والامتيازات التي مُنحناها، كلّها هدايا إليك من نفسك بالأمس. وهي، ككل هدية، اختيارية. لستَ مضطرّاً إلى قبولها.
شهادة الحقوق إذن هدية من نفسك السابقة. وإن لم يعد مسارها يوصلك إلى ما تقصد، فلك أن تراجعه وأنت تحسب خياراتك والتزاماتك الحالية.
والوقائع واحدة في قولك "أهدرتُ خمس سنوات" وقولك "تلقّيتُ هدية لا تناسبني"، والفرق فيما تسمح لك كل عبارة بأن تفعله بعدها. فالأولى تدفعك إلى الدفاع عن قرارك القديم بقرارات جديدة، والثانية تتيح لك أن تزن ما ينفعك الآن.
وما معنى الخطأ أصلاً؟
ويضيف غودين تعريفاً للخطأ يُغنيك عن كثير من جلد الذات.
إن كنتَ تصنع الفيلم لنفسك ولدفترك، فما كتبتَه وصوّرتَه صحيح. احتفظ به. وإن كانت استراتيجيتك أن تُسعد الجمهور ولم يُسعَد، فهو خطأ.
فالخطأ نسبي، يتحدّد بجوابك عن سؤالين، لمن؟ ولماذا؟ وما هو بحكم على شخصك. وقد تكون المشكلة في اختيارك للجمهور، وقد تكون في العمل نفسه، وفي الحالين لا تُعفى من المراجعة.
ويكمّل ذلك تمييزٌ لآني ديوك ينقله الكتاب، وهو أن القرار الجيّد شيء، والنتيجة الجيّدة شيء آخر. فالذي يربح باليانصيب قرّر قراراً سيئاً، ثم ابتسم له الحظ. وقد يحدث العكس، فتأتي نتيجة سيئة بعد قرار مدروس. "وسوء الحظّ ليس عيباً أخلاقياً".
حالة: هاري هاريسون يعتذر عن هديّته
يروي غودين أن الروائي هاري هاريسون أمضى سنة كاملة يكتب رواية خيال علمي عن فيروس يأتي من الفضاء. وقبل أن يسلّمها إلى ناشره بأسابيع، نشر مايكل كرايتون The Andromeda Strain فراجت.
لم يتغيّر في رواية هاريسون حرف، لكنها صارت في عين القارئ نسخةً مقلَّدة من رواية سبقتها.
فلم يسلّمها.
أما السنة فقد ذهبت، سلّم الرواية أم لم يسلّمها، وبقيت أمامه سنة جديدة يختار كيف ينفقها. وفي رواية غودين أنه آثر ألّا يكرّسها للترويج لكتاب رأى أن فرصته فاتت.
"شكراً، لكنني سأصنع شيئاً آخر".
وفي القصة خلاصة الفكرة كلها، فـالهدية لا تُردّ لأنها بلا قيمة، بل لأن قبولها يكلّف أكثر مما تعطي.
لماذا يصعب هذا؟ لأنك لن تبقى كما أنت
في دراسة نشرتها مجلة Science سنة 2013، سأل جوردي كوادباخ ودانيال غيلبرت وتيموثي ويلسون أكثر من 19 ألف شخص، تتراوح أعمارهم بين 18 و68 سنة، كم تغيّروا في السنوات العشر الماضية، وكم سيتغيّرون في العشر القادمة. وفي كل الأعمار رأى الناس أنهم تغيّروا كثيراً، وتوقّعوا أن يتغيّروا قليلاً. وسمّى الباحثون ذلك (وهم نهاية التاريخ)، كأن التغيّر يتوقف عند اللحظة الحاضرة.
(وقد قارنت الدراسة أعماراً مختلفة في وقت واحد، ولم تتابع الأشخاص أنفسهم على مرّ السنين، ولهذا انتقدها بعضهم. لكن النتيجة تكررت في دراساتها الست.)
فربما بنيتَ قراراً قديماً على تفضيلات لم تعد تناسبك. وينقل مورغان هاوسل في سيكولوجيا المال عن الصحفي جيسون زفايغ أنه عمل مع دانيال كانيمان على كتابه، فرآه يكتب فصلاً كاملاً من الصفر كأن المسودة السابقة لم تكن. ولما سأله كيف يقدر على ذلك، قال:
"ليس عندي كلفة غارقة".
وأين يلتقي هذا بالمثابرة؟
هنا توتّر حقيقي. فأكثر ما يُبنى، مالاً كان أو مهارة أو عملاً، يحتاج إلى أن تستمر عليه سنوات طويلة، ووهم نهاية التاريخ يقول إنك لن تبقى الشخص نفسه طوال هذه السنوات.
ويجيب هاوسل: تجنّب الطرف الأقصى في أي مرحلة. فالحياة الزاهدة جداً لتدّخر كل شيء، وساعات العمل التي لا تنتهي طلباً لدخل أعلى، يصعب أن تستمر على أيٍّ منهما حين تتغيّر، فيزول ما كان يعجبك فيه ويبقى ثمنه. أما الاعتدال فيجعل الاستمرار ممكناً وأنت تتغيّر، ويجعل ردّ الهدية أقل كلفة إن احتجت إليه.
الكلفة التي لا تراها
وقد يظهر ثمن الاستمرار خارج المشروع العالق أيضاً.
فهناك من ينتظر منك شيئاً، من عملاء أو طلبة أو شركاء، ولن يناله. وما ذلك لعجزك، فوقتك كله يذهب في الخروج من حفرة حفرتَها بالأمس.
الكلفة قائمة، انتبهتَ إليها أم لم تنتبه.
ثلاثة تحفّظات
هذه ليست دعوة إلى التنقّل. فمن يترك كل شيء عند أول صعوبة لا يبني شيئاً، والكتاب نفسه يقول إن أهم ما في الأمر أن تثابر حين يبدأ النظام يقاومك.
والتمييز هنا عملي. هل تواجه صعوبة في الطريق، أم طريقاً لا يؤدّي إلى حيث تقصد؟ والتعب وحده لا يكفي للتمييز بينهما. فراجع ما استجدّ من معلومات، وفرص التحسّن، وكلفة التغيير، واسأل نفسك "لو بدأتُ اليوم من الصفر، أكنتُ سأختار هذا؟"
ولا تستعمل هذه الفكرة على غيرك. فأن تقول لمن أنفق عمره في مسار إنه تلقّى هدية له أن يردّها قسوةٌ وإن جاءت بلغة لطيفة. وهذه أداة يوجّهها المرء إلى نفسه.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
