فكرة · قراءة في 3 دقائق
لا أحد يربح الجدال
إن خسرت الجدال خسرته، وإن ربحته خسرته أيضاً. لماذا يرى ديل كارنيغي أن تجنّب الجدال أقصر طريق إلى إقناع الناس، وما الذي يُفعل بدلاً منه؟
الفكرة
الجدال يزيد كل طرف تمسّكاً برأيه، فمن أراد أن يغيّر رأي أحد تجنّب الجدال، ولم يقل له إنه مخطئ، وسارع إلى الاعتراف بخطئه هو.
حين تثبت لأحد أنه مخطئ، تجرح كبرياءه فيدافع عن رأيه أكثر. فابحث عن نقطة الاتفاق، واعرض رأيك بتواضع، واعترف بأخطائك أولاً، تجد الآخر أكثر استعداداً لمراجعة رأيه.
في حفل عشاء بلندن روى رجل كان يجلس إلى جانب ديل كارنيغي طرفة تدور على عبارة قال إنها من الكتاب المقدّس. وكان كارنيغي واثقاً من أنها لشكسبير، فصحّح له، فأصرّ الرجل، فاحتكما إلى صديق لكارنيغي قضى سنوات في دراسة شكسبير. فركله الصديق تحت الطاولة، وقال: "أنت مخطئ يا ديل، الرجل على حق".
في طريق العودة قال له كارنيغي إنه كان يعرف ولا شك أنها لشكسبير. فأجاب الصديق بأنها من هاملت فعلاً، ثم قال: "لكننا ضيوف في مناسبة سعيدة. لماذا تثبت لرجل أنه مخطئ؟ أتراه يحبك بعدها؟ لم يطلب رأيك، ولم يكن يريده".
وبهذه الليلة يفتتح كارنيغي أشهر فصول كيف تكسب الأصدقاء.
لماذا تخسر حتى حين تربح؟
علّم كارنيغي الجدل والمناظرة سنوات، وفكّر مرة في أن يؤلف فيه كتاباً، ثم انتهى إلى أن الطريقة الوحيدة لتربح الجدال أن تتجنّبه. فإن خسرته فقد خسرته، وإن ربحته وأثبتّ أن صاحبك لا يفهم شيئاً ارتحت أنت، وبقي هو بكبرياء مجروحة يكره انتصارك. وفي بيت إنجليزي قديم أن من اقتنع رغماً عنه بقي على رأيه.
وكان بائع الشاحنات باتريك أوهير يربح كل نقاش مع زبائنه، ولا يبيع شيئاً. إذا قال له زبون إن شاحنة المنافس أفضل هاجمها، فدافع الزبون عنها، وكلما دافع عنها ازداد بها اقتناعاً. ثم تعلّم أن يقول: "شاحنتهم جيدة، ولن تخطئ إن اشتريتها"، فلا يجد الزبون ما يجادل فيه، وينتقل الحديث إلى شاحنته هو. وصار أوهير من أنجح باعة شركته.
ثلاث قواعد متصلة
تجنّب الجدال. ولكي لا ينقلب الخلاف جدالاً ينقل كارنيغي وصايا عملية. فرحّب بالخلاف، فلعله ينبّهك إلى ما فاتك، ولا تطمئنّ إلى أول ما يخطر لك، فهو دفاع في الغالب. وأصغِ حتى يفرغ صاحبك، وابدأ بما تتفقان عليه، واعترف بما أخطأت فيه، وعِده بأن تفكّر في رأيه، ثم فكّر فيه حقاً. وإن استطعت فأجّل القرار إلى الغد.
لا تقل لأحد إنه مخطئ. فالنظرة والنبرة تقولانها كما تقولها الكلمة، وكلها تطعن في ذكاء صاحبك وفي احترامه لنفسه. وقل مكانها: "ربما كنت أنا المخطئ، فأنا أخطئ كثيراً. فلننظر في الوقائع". ويروي بنيامين فرانكلين في سيرته أن صديقاً عجوزاً صارحه بأن آراءه تصفع كل من يخالفه، فترك من يومها كلمات مثل "حتماً" و"بلا شك"، وصار يقول "أتصوّر" و"يبدو لي الآن"، فصار الناس أسرع إلى قبول آرائه، وأسهل رجوعاً عن أخطائهم.
إن أخطأت فاعترف بسرعة. ضبط شرطيٌّ كارنيغي وكلبه يجري بلا كمامة، بعد أن نبّهه مرة، فسبقه كارنيغي إلى الكلام، وقال إنه ضُبط ولا عذر له. فإذا الشرطي يهوّن عليه الأمر، ويقترح أن يترك الكلب يجري خلف التلّة، حيث لا يراه. فمن قال عن نفسه ما كان صاحبه سيقوله لم يترك له إلا أن يكون كريماً.
حدود الفكرة
- والسكوت عن الحق شيء آخر. في الصغائر، كعبارة تُنسب إلى غير صاحبها في حفل، لا يستحق الانتصار ثمنه. أما القرار الذي يمسّ المال أو الصحة أو العدل فقل فيه رأيك بوضوح، وإن قلته بلطف.
- وللتواضع صدقه. عبارة "ربما كنت مخطئاً" تنفع حين تعنيها. فإن قلتها وأنت واثق من أنك على حق، تنتظر أن يستسلم صاحبك، صارت حيلة يكشفها الناس.
- والاعتراف بالخطأ لا يعني أن تحمل خطأ غيرك. اعترف بنصيبك أنت، ولا تعترف بكل شيء لتطوي الموقف.
جرّبها
بعد أول خلاف يمرّ بك هذا الأسبوع، اكتب أكنت تريد أن تصل إلى الصواب، أم أن تثبت أنك عليه، وهل كانت المسألة تستحق. وفي الخلاف الذي يليه جرّب أن تبدأ بنقطة تتفق فيها مع صاحبك، ثم تقول: "ربما كنت مخطئاً، فلننظر".
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
