فكرة · قراءة في 3 دقائق
انظر من مكانه
عليها تقوم قواعد ديل كارنيغي الثلاثون، وهي أن تكلّم الناس بما يريدونه هم، وتريهم كيف ينالونه، لأن ما تريده أنت قلّما يعنيهم.
الفكرة
أن تفهم ما يريده الطرف الآخر وما يخشاه قبل أن تطلب منه شيئاً، ثم تعرض طلبك بلغة مصلحته هو.
كل إنسان مشغول بنفسه أكثر مما هو مشغول بك. فإن أردت أن يفعل أحد شيئاً فابدأ مما يريده هو، وأرِه كيف يناله بما تقترحه عليه، على أن يكسب الطرفان معاً.
يحب ديل كارنيغي الفراولة بالقشدة، فإذا خرج إلى الصيد علّق في صنّارته دودة، لأن السمك يحب الديدان، ولا يعنيه ما يحبه الصياد. ويسأل في كيف تكسب الأصدقاء لماذا لا يحتكم الناس إلى هذا المنطق نفسه حين يطلبون شيئاً من غيرهم.
وفي مقدمة الطبعة المحدّثة تجعل ابنته هذه الفكرة محور الكتاب. وكان كارنيغي قد استشهد عليها بهنري فورد، الذي قال إن للنجاح سرّاً واحداً، إن كان له سرّ، وهو أن تفهم وجهة نظر الآخر، وترى الأمر بعينه كما تراه بعينك.
لماذا تفشل أكثر الطلبات؟
أكثر الطلبات تُكتب من مكان صاحبها. ويعرض كارنيغي رسالة بعثت بها وكالة إعلانات إلى مديري الإذاعات، تقول فيها "تريد شركتنا أن تحافظ على ريادتها… نريد أن نخدم عملاءنا…"، ثم يكتب بين قوسين ما يقوله مدير الإذاعة في نفسه وهو يقرؤها: "البنك يهدّد بيتي، وفاتني القطار، وأنت تحدّثني عمّا تريده شركتك!".
وفي الكتاب رسالة ثانية يظهر فيها الخطأ أجلى. كتب مدير محطة شحن إلى أحد زبائنه يشكو من أن شاحناته تصل متأخرة فتزحم المحطة، ولم يذكر إلا في السطر الأخير أن الزبون نفسه سيستفيد إن جاء مبكراً، فلم يقتنع الزبون. ويعيد كارنيغي كتابة الرسالة، فتبدأ بالشكر على أربعة عشر عاماً من التعامل، ثم تقول إن المحطة تريد أن تخدمه أسرع، وإن ذلك ممكن إن وصلت شاحناته في الصباح.
كيف تبدو القاعدة حين تُطبَّق؟
كان كارنيغي يحاضر في قاعة فندق، فرفعت إدارته إيجار القاعة إلى ثلاثة أضعافه بعد أن طُبعت التذاكر. فلم يذهب ليحتجّ، وقال للمدير إنه لا يلومه، فواجبه أن يربح. ثم قسم ورقة عمودين، كتب في الأول مكاسب الزيادة للفندق، وفي الثاني خسائرها. فمن المكاسب قاعة فارغة يؤجّرها الفندق لحفلات أربح. ومن الخسائر أن كارنيغي سيرحل ولن يدفع شيئاً، وأن الفندق سيخسر آلاف الزوار المثقفين الذين تجيء بهم محاضراته، وهم دعاية لا تُشترى بالمال. وترك الورقة للمدير، وفي الغد جاءه الجواب، فقد اكتفى الفندق بأن يزيد الإيجار نصفه.
كانت الورقة كلها عمّا يريده المدير، ولم يكن فيها سطر واحد عمّا يريده كارنيغي.
وأرادت موظفة بنك أن تنتقل إلى مدينة أخرى، فكتبت إلى اثني عشر بنكاً هناك. ولم تكتب أنها تبحث عن عمل، وإنما كتبت أن خبرتها في عشر سنوات قد تفيد بنكاً ينمو مثل بنوكهم، وأنها ستكون في مدينتهم في أسبوع سمّته. فدعاها أحد عشر بنكاً إلى مقابلة.
سؤال واحد قبل كل طلب
ينصح كارنيغي بأن تقف قبل كل طلب، وتسأل نفسك كيف أجعله يريد أن يفعل هذا؟ وينقل عن عميد كلية هارفارد للأعمال أنه كان يؤثر أن يذرع الرصيف أمام مكتب من سيلقاه ساعتين، على أن يدخل عليه وهو لا يعرف ما سيقوله، ولا ما سيردّ به صاحبه بحسب ما يعرفه من مصالحه.
ومن صور القاعدة في الحياة اليومية:
- مع العميل، افتتح عرضك بمشكلته وما تكلّفه، وأخّر الكلام عن شركتك وخبرتك.
- مع الزميل، اشرح له ما سيوفّره عليه التقرير إن جاء اليوم، فهذا أبلغ من أن تقول إنك تحتاجه اليوم.
- مع الطفل، أرِه ما يكسبه مما تريده منه، ودع المحاضرة في أضرار ما تمنعه.
حدود الفكرة
- والتلاعب خارجها. يكتب كارنيغي صراحة أن إيقاظ الرغبة في الآخر لا يعني أن تدفعه إلى ما يضرّه لتنتفع أنت. ومحكّ ذلك أن تسأل هل سيكسب هو حقاً إن فعل ما تقترحه عليه، فإن لم يكسب فما تفعله خداع، وإن سمّيته إقناعاً.
- وأن تفهمه لا يعني أن تستسلم له. قد ترى الأمر من مكانه، ثم ترفض، غير أن رفضك يأتيه حينئذ بلغة يفهمها.
- وما يريده لا يُعرف بالتخمين. القاعدة تبدأ بالسؤال والإصغاء، فإن أخطأت في تخمين مصلحته صار كلامك عنها تعالياً عليه.
جرّبها
خذ طلباً أجّلته، عرضاً لعميل، أو رسالة إلى مديرك، أو حديثاً مع ابنك، واكتبه كما كنت ستقوله. ثم اكتبه مرة ثانية وأنت في مكانه، فاسأل ما الذي يقلقه، وماذا يكسب، واحذف كل جملة تبدأ بما تريده أنت ولا تخدمه هو.
المصادر والسياق
إن أفادتك هذه القراءة، فادعم استمرارها. ادعم فكرغراف
